غرف للإيجار» رواية محمد البساطي: حيوات صغيرة / اسكندر حبش

لا نبالغ لو قلنا إن الكاتب المصري محمد البساطي، هو واحد من قلّة معدودة من الكتّاب العرب الذين عرفوا كيف يحافظون على بهاء السرد عندهم، كما أنه واحد من الذين عرفوا كيف يحفرون في أعمالهم ـ القصصية والروائية ـ مستويات متعددة للخطاب السردي، من دون أن يقع في الشطط، وذلك عبر لغة تقف على قدر كبير من الاقتصاد اللغوي و«الصوري» (إذا جاز التعبير)، لكنها لغة مليئة بالدلالات التي تحمل القارئ إلى أماكن قصيّة، من حيث التخيّل والتخييل والتساؤل والبحث عن خلفيات هذه العوالم الصغيرة التي يرسمها.

لغة مقتصدة، هذا صحيح. وإن كنت أميل إلى اعتبارها كذلك من حيث الشكل الظاهر، أيّ من حيث المستوى الأول للكلام، لأنها في واقع الأمر لا تتوقف ـ ولا في أي لحظة من اللحظات ـ على أن تضع أمامنا الكثير من الشحنات والدلالات التي تقودنا إلى خلفيات أخرى لا تظهر للوهلة الأولى. فخلف كل هذه «البداهة» الماثلة أمامنا، ثمة ما هو أبعد، وثمة ما هو أعمق، يتطلب منّا إعادة تفكير في هذه الجملة، التي نظنها عارية، لكنها تحمل معانيها الضاربة قصيّا في جذور لا يعرف غيره كيف يرتبها في سياقاتها المتعددة.

وإذا كانت هذه اللغة الروائية تُشكل سمة كبرى في أعمال محمد البساطي ـ وهي من السمات التي أفردت له مكانته وحضوره ـ علينا أن لا ننسى مناخاته أيضا، التي تأتي لتشكل القطب الآخر في هذه الأعمال الكبيرة التي نشرها منذ أواخر ستينيات القرن المنصرم. مناخات استمدّت حضورها من القرية الصغيرة بشكل أساسي، لكنها أيضا عرفت كيف تلتقط بعض تفاصيل المدينة. لكننا لسنا أمام المدينة الكبيرة، بشوارعها الضخمة التي تكون السبب في ضياع ما على سبيل المثال، بل نحن في أحياء صغيرة، تشكل هي نفسها المتاهة الكبرى، التي تأتي لتضاف فوق متاهات أبطاله وشخصياته. فشخصيات محمد البساطي، هي من تلك الشخصيات الواقفة على حدّ الزمن، أقصد تلك التي لا تصنع التاريخ، بل لنقل إنها أضاعت تاريخها، العام والخاص، لتكمل مسيرتها في حياة تلاطمها من جميع الجوانب. شخصيات فقيرة ومعدمة في غالب الأحيان، وهي بذلك تفرد حيّزا للسياق الاجتماعي الذي يكتب عنه الكاتب المصري، لكن علينا أن ننتبه أيضا، أن خياره هذا، لا يضعه أمام كتابة «أيديولوجية» تنوي الدخول في كتابة «صراع الطبقات»، أبدا، بل هي كتابة في المتن الحقيقي لمجتمع يتأسس، بشكل عام، من هذه الشخصيات، أي من هذه الطبقة الاجتماعية.

هوامش صغيرة

رواية البساطي الأخيرة، «غرف للإيجار»، الصادرة حديثا عن «دار الآداب» في بيروت، لا تشذّ عن هذا السياق العام، بل لنقل إنها تحفر فيه أكثر، لتنسحب أيضا إلى أمكنة أكثر إيغالا في الانغلاق على ذاتها، أيّ كأننا مع روايته هذه أمام ما يُعرف عادة في الأدب بـ «Huis – clos »، أي هذا المكان الضيق، المحدد، غير المنفتح على الخارج إلا بهوامش صغيرة تكاد لا ترى، أو تكاد لا تكون حاضرة فعليا، لكنه في الواقع، منفتح على هذا الفضاء من خلال الشخصيات التي تتسلل منه، عبر أقاصيصها وتفاصيلها وحيواتها الأخرى، الماضية، التي كانت موجودة والتي تُستعاد من فترة إلى أخرى، كأنه يرغب بذلك في إقامة هذا الهامش التذكيري وهو إن كان يحمل مقارنة ما، فهي مقارنة لا تزيد إلا في جحيم اللحظة الراهنة، لأنها ليست أفضل منها.

كلّ ذلك يشكل «مفهوما» في كتابة محمد البساطي: كتابة المكان، من دون الوقوع بالتأكيد، على هذه الكتابة «السياحية»، التوصيفية، التي تُغري الكثيرين وتجعلهم يقفون عند هذا الفاصل. فالمكان في «غرف للإيجار» هو الذي يحددّ خيارات الشخصيات، وهو الذي يرسم هذه المسارات التي تتكون منها حيواتهم «البائسة» من حيث الشكل، لكنها في العمق تحمل «فرحا» داخليا، على الأقل من حيث ِان الكاتب لا يتركنا نقع على توصيف لنقمة ما، عالية النبرة. وإن كانت هناك «نقمة» داخلية، تدفع بشخصية ما إلى اختيار درب آخر، فهي تأتي في سياق السرد، وفي سياق تتابع الأحداث، لتبدو كنتيجة من دون أن تكون سببا حاضرا تتمحور عليه أسئلة القص.
ثمة لحظتان كبيرتان في «غرف للإيجار» أو لنقل ثمة «فصلان» في الرواية. في الأول، نكتشف حيوات ثلاث نساء، هنّ الشابة فاطمة وزوجها الفوال، عطيات وزوجها بدوي الذي يعمل فرانا، أما الشخصية الثالثة فهي هانم، التي لا يستولي عليها سوى فكرة الاهتمام بابنها يوسف والمتزوجة من عثمان، الموظف في مصلحة السكة الحديد.

ثلاث نساء، لا يملكن في العمق، سوى مصائر متشابهة، من حيث ان الزمن وضعهن في هذه الشقة ذات الغرف المتفرقة التي جئن ليقطنها وليتشاركن في الحمّام الوحيد الموجود فيها. كانت كلّ واحدة منهن تأتي من سياق حياتي ـ لا يختلف جوهريا من حيث الفقر والتعب و«الموت اليومي» ـ يحدد الإطار العام لتحركاتهن ولسعيهن في العيش «المنعزل». هذا العيش في الشقة، يعود ليرسم لنا، تفاصيل أخرى: الغيرة التي تسيطر على الفوال، والتي كانت تدفعه إلى ضرب زوجته فاطمة لو نظرت من الشرفة إلى الشارع، لكنها تحمّلت ذلك، إذ لم تكن ترغب في الرجوع إلى منزل والدتها، التي تزوجت لمرات عدّة، حيث ان كل فترة كان الموت يداهم زوجا، لتختار لها شريكا آخر. عطيات كانت امرأة تحب الحياة، يتملكها فرح كبير، مثلما تتملك زوجها بدوي الفران رغبة متأججة في ممارسة الجنس بشكل دائم مع زوجته على الرغم من أنه لا يعرف كيف يبلغ لذته بسهولة. أما هانم، على الرغم من إلحاح زوجها عثمان على رغبته في أن ترتدي له ثيابا قصيرة لتكشف عن مفاتنها، إلا أنها بقيت تمثل هذا الجانب الأمومي المهتم بابنها، على الرغم من أن أحلاما جنسيّة راودتها، حين كانت تسكن في «البيت الميري» التابع لسكة الحديد، (أي قبل أن تأتي إلى هذه الشقة) إذ اكتشفت هناك رسما كبيرا على حائط لشخصين يمارسان فعل الهوى. هذا الوقوع في دور الأم الجادة، دفعها إلى الابتعاد عن جارتيها لأنها لم تستسغ هذا المرح الذي كان يجد مكانه عندهما.

ثمة سؤال لا بدّ من أن يطرح نفسه إزاء هذا المرح الكبير التي كانت عطيات بطلته: هل ثمة علاقة جنسية حدثت بين المرأتين، بين فاطمة وعطيات؟ ثمة تلميحات في كتابة البساطي تقود إلى ذلك، من دون أن تجيب بشكل قاطع، وهي ابتدأت حين دخلت المرأتان لتستحما معا، بعد هامش من «الحلاوة اللزجة من السكر والليمون»، أي بعد هامش من النظافة وإزالة الشعر. ما يقود إلى هذا التساؤل التمهيد السابق الذي كان وضعه الروائي «كفخ» إذا جاز التعبير. كانت فاطمة، في البداية، تدلي «بالسَّبَت» بفنجانين من القرفة إلى زوجها الواقف على عربته. لكن ذات يوم امتدت يدّ من الطابق الواقع تحت الشقة لتأخذ الفنجان. هي يد رجل بحسب ما ظهرت. تكررت الحادثة، لتضع لها هذه اليد منديلا مزخرفا، ومن ثم هدية أخرى مشابهة. كان يمكن لهذه الحادثة أن تتطور وأن نقع على علاقة مفترضة ستبدأ بين فاطمة وهذا الجار، وبخاصة أنها قد تكون بسبب «نفورها» من زوجها. لكن البساطي يأخذنا في مسار آخر، حين تأتي عطيات لتقيم في الغرفة المجاورة من الشقة، ولتبدأ معها «علاقة» أخرى بين هاتين المرأتين. وقد لا تكون هذه العلاقة جنسية كما أشرنا، بل هي نوع من الحميمية لا تعرفها إلا النساء في ما بينهن.

كان يمكن لهذه الحياة أن تستمر في هذا الحيّز المكاني إلى ما لانهاية، لولا حادثة أخرى جعلت السرد المكاني يأخذ طريقا آخر. ذات ليلة عاد بدوي زوج عطيات إلى الشقة ليلا، ومن جراء كمية الحشيش الكبيرة التي دخنها، أخطأ الطريق إلى غرفته، ليدخل خطأ إلى غرفة هانم، فما كان عليها إلا أن استأجرت غرفة أخرى على السطوح، هي وابنها، بعد أن اختفى عثمان، بدون أي أثر، وربما بدون أي مبررات، لنبقى واقفين عند السؤال المبهم حول اختفائه.

نهايات مفتوحة

مع انتقال هانم وابنها إلى غرفة السطوح، تبدأ اللحظة الثانية من الرواية، أو الفصل الثاني منها، حيث نكتشف هناك، عباس، الذي يكمل رواية القصة بصيغة الأنا، أي ضمير المتكلم. كان عباس شابا يحلم بأن يصبح صحافيا مشهورا، ليكتب مقالات ونصوصا تجعل منه شخصا شهيرا. ومع عباس، نبدأ بالتعرف على بعض الوجوه الأخرى، وبخاصة على وجوه الذين يأتون لاستئجار الغرف. شخصيات أخرى تتموضع أمامنا: امرأة وزوجها المشلول، حيث كان عباس يساعد أحيانا في تنظيف الزوج واستحمامه، هانم وابنها، شخص عجوز وحفيدته الصغيرة التي تكفل بتربيتها بعد أن رفض زوج أمها البقاء معها، بحجة أنها كانت تتعارك مع ابنه الصغير بشكل دائم. كذلك نقع على «زوجين» كانا يأتيان إلى السطوح، بالأحرى يتسللان إليها ليجدا الفرصة في تجديد العلاقة بينهما، من دون أن يكونا من سكان البناية بالضرورة.

في هذا الهامش، تنفتح علاقات إنسانية أخرى، يعرف محمد البساطي كيف يوظفها بشكل جميل: علاقة عباس بالمرأة وزوجها المشلول، علاقة عباس بعطيات التي تروي له عن اختفاء زوجها من دون أن تعرف السبب. علاقة عباس بالعجوز، الذي يوكل إليه ذات يوم بالطفلة للاهتمام بها، قائلا له انه سيتغيب ليومين، لأمر طارئ، فيذهب ولا يعود.

نهايات مفتوحة على الكثير من الاحتمالات، تلك التي يتركها أمامنا محمد البساطي، من دون أن يحاول جرّنا إلى جواب محدد، بل ان ثمة أجوبة كثيرة لا بدّ من أن نفكر بها، كأن ذلك أيضا يشكل خاصية أخرى من هذه الكتابة المتألقة: دعوة القارئ إلى أن «يكتب» الرواية بدوره، أي أن يقترح مقاربته الخاصة، كأن في ذلك رغبة أخرى عند الكاتب، أن يحرره من سيطرة كما من سطوة النص المكتوب ليتركه في هامش من الحرية للبحث عن جوابه الخاص. لكن وفي ذلك كله، ثمة نهايات: نهاية الأشياء عبر اختفاء بعض الشخصيات، التي تبدو كأنها استسلمت لقدر آخر، غير هذا المعلن الذي قرأناه.

شخصيات تقع بالضرورة في سياقها الاجتماعي، تكمله من دون البحث عن مسوغات أخرى، أقصد أنها شخصيات مقتنعة بحياتها، تكملها على الرغم من كل الفقر والعوز اللذين تعيشهما، لتبقى نظيفة، أي لا تحاول السرقة أو الاحتيال أو ما شابه، لتغير في هذا المسار، مثلما لا نقع على أي خطاب إيديولوجي أو سياسي إذا شئتم.
هي كائنات تحيا الحياة، بدون أي تبرم. كائنات «مقتنعة» بشرطها الإنساني والاجتماعي. كائنات تعيش في هذا المكان الضيق، كأن الحياة المعاصرة لفظتها إلى خارجها لتقصيها عنها. من هنا ليست الحياة الكبيرة، التي تبدو لنا ظاهرة، سوى مجموعة من الحيوات الصغيرة، ولعل «أهمية» الأدب أن يعرف كيف ينتبه لها من دون الوقع في أيّ مسوغات مسبقة، ولا في أي خطابات أخرى، سوى خطاب العمل الفني بحد ذاته.

أمام ذلك كله تأتي رواية محمد البساطي، لتشكل مدماكا آخر في هذه العمارة الكبيرة التي بناها منذ سنين طويلة. عمارة لم يصبها مرور الزمن بأي أضرار. بل انها لا تزال جديدة، مرهفة، تحمل الكثير من الإدهاش، وبالتأكيد ثمة طوابق أخرى ستــضاف إليها.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق