غياب: أنـا أقــــوى مـن بابــا الــفــاتــيــكــان! / هوفيك حبشيان

في صيف 2006، مكثت أربعة أشهر في باريس أجوب فيها بلا هدف معيّن. أمضي أيامي بين نوعين من الصالات: تلك الكبيرة التي تُشعرك بأنك في مدينة ملاهٍ، وتلك الصغيرة التي تكاد تشتمّ فيها التاريخ وعطور من سبقونا الى هذه المعابد. ثم التقيت ميشال سيمان، كبير النقّاد في فرنسا، وطلبت منه ارقام بعض من كنت اريد مقابلتهم. من هؤلاء: كلود شابرول. فكتب لي على ورقة اسم مديرة أعمال الأخير، ايفا سيمونيه، ورقم هاتفها المحمول وايميلها. في الاسابيع التي تلت هذا اللقاء، جرت بيني وبين سيمونيه لعبة قط وفأر طويلة كدت استسلم خلالها، لكن نتج منها في الأخير، حصولي على موعد مع شخصية، كانت تمثل لي، وحدها، السينما برمتها. ذات صباح اتصلت بي سيمونيه: "غداً، السبت، سيكون موسيو شابرول في انتظارك في مطعم "ما بورغون"، في تمام الساعة الثانية عشرة والنصف. أرجوك لا تتأخر". عندما سمعت كلمة مطعم ملتصقة بكلمة شابرول، صعدت الى أنفي روائح المأكولات الفرنسية التي كنا نجدها بكثرة على موائد العائلات البورجوازية في أفلام المعلم، من دون أن نتذوقها يوماً.

قبل نصف ساعة من موعدي معه، دخلتُ المطعم الفرنسي التقليدي الموجود في الحيّ اليهودي (ساحة فوش). راحت عيناي تبحثان عن زاوية هادئة استطيع مجالسة شابرول فيها وأسجّل حديثه. ولما تلكأ النادل في الوصول، ونتيجة حال التوتر التي كنت أعانيها، أخذتُ مبادرة أن اختار المكان الذي أريد الجلوس فيه. عندما رآني النادل أقوم بهذا الفعل الخبيث، ركض في اتجاهي: "موسيو، هذا المكان محجوز". كان محجوزاً لمخرج "دجاج بالخلّ". قبل أن أخرج بحجتي للبقاء هناك، رأيتُ كتلة من الظرافة وخفة الدم في جسد رجل مربّع الشكل، كثير الحركة، على عجلة على أمره، يمشي في اتجاه المطعم، ثم يضع يده على مقبض الباب الخارجي ويدخل. من دون أن يشكّ للحظة في هويتي (ربما لأنني كنتُ الوحيد في المطعم في تلك اللحظة) نظر اليّ وقال بحماسة قلما رأيتها عند رجل في السادسة والسبعين: هل تأخرت عليك؟ وأنا أصافحه، نظرت الى الساعة التي كانت تشير الى الثانية عشرة وخمس عشرة دقيقة، وعلّقتُ: لا، أنا الذي جئت أبكر من الموعد!

لم أعد أذكر ماذا وُضع على المائدة. لكن السفرة كانت المكان المثالي لاستجوابه، اذ كان يقول دائماً ان الرجل الذي في فمه لقمة لا يستطيع أن يكذب. كان تركيزي على آلة التسجيل التي كان سبق لها أن خذلتني مرات عدة وعادت وخذلتني مرات لاحقة عندما امتنعت عن التقاط ما قاله لي المجنون آبيل فيرارا في مراكش. سألته كم من الوقت يضع في تصرفي، فقال انه يجب أن نكفّ عن الكلام فور وصول رجلين ضرب معهما موعد عمل. "الى أي مافيا ينتميان، الروسية أم الايطالية؟"، قلت له ممازحاً. قبل أن انتبه الى أنني حرقت المراحل اللازمة لإطلاق مزحة سمجة من هذا الحجم، شاهدته يطلق احدى قهقهاته التاريخية في وجهي، ما جعلني أطمئن الى مستقبل الحوار الذي سيكون بيننا. هكذا كان شابرول: يصادق الناس بسرعة جنونية ويثق بهم. خلف الاسطورة، كان هناك رجل يخاف ظلّه. تماماً كهيتشكوك، استاذه ومثاله الاعلى، الذي كان يبثّ الرعب على الشاشة، لأنه انسان مرعوب.

عندما أدركتُ ان عقارب الساعة بدأت تدور، وجهتُ اليه السؤال الأول، من بين مجموع نحو من سبعين سؤالاً كنت أعددتها وأنا جالس في أحد مقاهي بوبور. لكنه أستوقفني قائلاً: جيّد أن يسأل عني صحافي من لبنان. حينذاك أدركت أن جرجرة الحوار من موعد محتمل الى آخر لم تكن تكبّراً منه على شخص يأتيه من دولة نامية، بل لأنه كان شديد الانشغال عشية استعداده لفيلم جديد. "الأول له مع دوبارديو، تخيل!" كانت قالت لي بفخر سيمونيه. حينذاك أيضاً، تذكرتُ ما قاله لي زميل مطلع: السينمائيون الأوروبيون يفضلون الصحافيين الأجانب على الصحافيين في بلادهم. فعلى الأقل يعلمون أن العلاقات الشخصية لا تتدخل في تقويمهم. أمام هذا الاستدراج الذي كان يعني لي الكثير عشية اندلاع الحرب الاسرائيلية على لبنان، في تموز 2006، سألتُ ما لا أسأله البتة، مأخوذاً بحسّ وطني ما: هل تعرف لبنان قليلاً؟ "لا، زوجتي هي المجنونة بلبنان. قبل سنوات عملتُ على تحضير فيلم لم يُنجَز، وهذا ما جعلها تتعرف الى عاصمتكم الكريمة، ولها ذكريات مدهشة عن بيروت هذه، التي سمع عنها معظمنا، بيروت ما قبل الحرب الاهلية. تقول لي باستمرار: هيا لنذهب الى لبنان لفعل شيء ما".

شيئاً فشيئاً دخلنا مناطق شائقة من الحوار. رأيت وجهه يتلوّن بكل ألوان قوس القزح. لم أفكر آنذاك انه سيأتي يوم أكتب فيه عن الـ"مايكينغ أوف" لهذا الحوار. خلتُ أنها تفاصيل غير مهمة. وعندما وضعتُ أصابعي على مفاتيح الكومبيوتر، مساء الأحد الأسود، لأكتب سيرته، وجدتُ نفسي بعد نحو خمسمئة كلمة، أضغط لاوعياً على كلمة "حذف"، وأعود الى رأس الصفحة البيضاء: لم تكن تليق بشابرول سيرة تقليدية. فبدأت تجتاحني عاصفة من الذكريات والتفاصيل، رمتني على شاطئ ذلك الصيف المشؤوم، كأنني لم أكن أنتظر الا رحيله من هذا العالم لأوثّقها. والتوثيق غالباً يعني حماية الأشياء، أشيائنا، من الموت المحتم. أمام هذا التاريخ الجالس أمامي، 60 عاماً من السينما، كل كلمة كان لها وقعها وكان يجب ان تُنقَل بإيقاعها الحقيقي. هنا فاصلة، هنا نقطة فاصلة، هنا نقطة، هنا انتقال الى السطر. هكذا كان يعمل عقلي أمام جمله المشتتة تشتتاً حكيماً. لا شيء كان محكم البناء في تسلسل أفكاره، خلافاً لأفلامه. ما كان يربط بعضها بالبعض الآخر، هي قهقهته التي كانت تخفي كمية من الحكمة وفهماً آخر للحياة وتعالياً منظماً ومخططاً على كل شيء تقريباً الا على السينما.

عند السؤال الرابع أو الخامس، شعرتُ ان اطلاعي على عالمه من الألف الى الياء قد استوقفه. خجلتُ أن أقول له إنني اطلعت على افلامه منذ المراهقة لتضمنّها بعض المشاهد التي يحتاج اليها مراهق مكبوت من بيروت. فما ذنبي اذا كان يحلو له تعرية زوجته ستيفان أودران أمام الكاميرا؟ من الاستخفاف بالحوار، انتقل الى التأني فيه. نظرته صارت أكثر جدية. الفترة الزمنية بين نهاية سؤالي وبداية جوابه باتت تطول. التقط بيديه، العظيمتين اللتين صنع بهما "ليمت الوحش"، شيئاً ما وصار يلفّه على اصبعه. نسيتُ ان أسأل ماذا يعني هذا بلغة الجسد. صديق ناقد لي التقى مرة ماركيز وحاوره وأول ما صوّر فيه يداه، وليس وجهه، يداه اللتان كتبتا "مئة عام من العزلة". كان عليَّ أن أفعل مثله.

 

 

صعود وهبوط

 

 

ليس سراً أن رحلته السينمائية تميزت بالهبوط والصعود المستمرين. الكل تقريباً كتب عنه هذا الأمر في مقالات الرثاء. هذا وحده كان مادة لبحث طويل. في أواخر العقد السابع، أعتقد انه كان لا يزال يصوّر كي لا يموت. تقنيته في العمل باتت مدرسة، والوحيد الذي اقتبسها بين العرب هو يوسف شاهين: كلما زاد انتاجك زادت حظوظك في أن تصنع أفلاماً جيدة تصمد أمام الزمن. شابرول من القلة تداركت هذا الشيء. ثمة نوع من التواطؤ بين افلام شكلت محطات في تاريخه، وأخرى مرّت مرور الكرام. هذا التواطؤ كان يريده ويسعى اليه.

 

قبل الالتقاء به، كنتُ قرأتُ له عشرات المقابلات الساخرة والجدية. كان دائماً يهزأ من أفلامه واصفاً بعضها بكلمات بذيئة تتعذر ترجمتها الى العربية. كان يملك حساً نقدياً ميّزه عن الآخرين في سنوات عمله في "دفاتر السينما". رحابة صدره كانت تتيح لك انتقاده وأنت تراه يبتسم لهذا النقد، مخفياً بالكاد لعبة الدفاع عن النفس غير المجدية، بكلمات قليلة منتقاة برعونة، حتى هو لم يكن يصدّقها. اليوم، لا تستطيع أن تقول لمتخرج أنجز فيلمه القصير الأول، حتى كلاماً أقل قسوة مما كنت تقوله له. لامبالاة شابرول حيال النقد كانت تأتيه من تلك الثقة التي في ذاته: "لنقل اني ارتكبت بعض الحماقات، ونتجت منها خمسة او ستة أعمال سيئة، لكن حتى في هذه الافلام هناك ما يبعث على الضحك والتسلية".

لم يكن شابرول يملك لا الصبر ولا الطبع اللذين يجعلانه يعمل لسنوات طويلة على تحفة فنية، لشدة خوفه من ان لا ينتج من هذا التأمل الطويل شيء يدعى تحفة. "البركة بكوبريك الذي كان يمضي سنوات طويلة في بلورة فكرة فيلم، وهو نجح في ان يقدم لتاريخ السينما إحدى عشرة تحفة من اصل ثلاثة عشر فيلماً أنجزها. معظم الافلام لا ينجح الا في نسبة ثمانين في المئة. العشرون في المئة التي تبقى، تتدبر امرها المعجزة. ليس في تاريخ السينما الا عشرة افلام ناجحة بنسبة مئة في المئة".

هذه الغزارة الانتاجية ما كانت لتتحقق لولا حنكة شابرول في تقديم سينما، اتهمتها عصابة "الموجة الجديدة" مراراً وتكراراً بأنها تجارية ومتملقة وبعيدة عن روحية "الموجة" التي كان هو الأول في نشرها، لكنها في الواقع (أي السينما) قائمة على صيغة مثالية من الفكر الشعبي والتأليفي. علاقته مع المنتجين، على مدار مشواره الفني، كانت دائماً تصادمية وفيها من القال والقيل ما لا ينتهي. حتى ماران كارميتس الذي واكبه عقدين من الزمن، نشأ بينهما سوء فهم انتهى بزعل وانفصال مهني. كان يؤمن بأن على المخرج التعامل مع منتج يكون انساناً قبل ان يكون منتجاً. وممن تعامل معهم، كان اندره جينوفس يتحلى بمثل تلك الصفة. قبل ان يلتقيه، مجمل المنتجين الذين تعاون واياهم كرهوه وكرههم. سخريته لم تكن توفر بعض الذين منحوه ثقتهم ودفتر شيكاتهم: "لكي يمنحك المنتجون الأغبياء هؤلاء مالاً للانتاج يجب اتمام فيلم يحمل قدراً كبيراً من الغباء، وكلما بالغ الفيلم في الغباء، فرح المنتجون وأنفقوا عليك من مالهم. في نهاية الامر يبلغ الفيلم درجة غير معقولة من الغباء، حدّ ان ينفر منه حتى الاغبياء".

كان شابرول يعتبر باستهزاء، أنه لحسن حظه، لم يسحق أيّ فيلم من أفلامه شباك التذاكر محطماً ارقاماً قياسية. "من غير المستحسن ان ننجز فيلماً يلقى اقبالاً جماهيرياً ضخماً، لأننا، في المنظار التجاري، نعلم ان الفيلم التالي سيكون اقل نجاحاً. فهذا يضعنا في ازمة مواجهة مع انفسنا وعملنا، الامر الذي يزعجني اشد الازعاج. يؤلمني الفشل حين يطال فيلماً يعزّ على قلبي، لأن ذلك يولّد لديَّ سلسلة تساؤلات من نوع: هل انجزته في الوقت غير المناسب؟ لماذا لم يفهمه احد؟ هل هذا ذنبي ام ذنب الآخرين؟ احاول ان اعالج المسألة، لعلني اتجنب الوقوع في البلاهة مجدداً. في المقابل، يفرحني عندما يكون احد أفلامي التي لا احبّها عرضة للفشل الجماهيري. أقول في قرارة نفسي: بئس المنتج الابله الذي غامر بتمويله. أما اذا تكلل الفيلم المكروه بالنجاح فأشعر نفسي سارقاً!".

محليته هي التي جعلته عالميّاً. فرنسا التي قدّم عنها بورتريهاً دقيقاً وشاملاً، عاصمة وأريافاً بعيدة ومناطق نائية، وكل بقعة من أرض وجد فيها مادة للتعليق والسخرية الهدامة، هي فرنسا غوستاف فلوبير وأونوريه دو بالزاك. من فيلم الى آخر، تحول مرآة لبلاده. طبقة من الرعاع تشرب النبيذ وتأكل الدجاج بالخلّ وتسكر على رائحة السلطة. "هذا ما اسمّيه السكرة. فالسلطة مثل الكحول، قليل منها لا يعود عليك بالضرر، لكن ما إن يجري الافراط فيها، حتى تخرج الامور من دائرة السيطرة. نثمل عندما نعتقد انه ليس في امكان احد انتشالنا من السلطة التي اعطيت لنا".

 

 

حماقة وسخرية

 

 

إحدى العبارات التي كانت محطّ كلام عند شابرول هي كلمة "حماقة". كانت كلمة Con مثل العلكة في فمه. إيمانه بأن على المرء ان يعلم متى يتوقف عن فعل الحماقات. كان الغباء يبهره أكثر مما يبهره الذكاء الآدمي. في رأيه، ثمة حدود للذكاء خلافاً للحماقة. "مراقبة شخص في منتهى الغباء تبعث فيك الثراء! والحديث عن الحماقة كان يحيلنا على السياسة، فالاثنان لا يتجزآن. الحقّ أن شابرول لم يلوّث سينماه بمواقف سياسية رديئة. التعليق على حدث سياسي بغية امرار وجهة نظره، لم يكن ما يثيره. حتى عندما فعل ذلك، في "سكرة السلطة"، فقد قفز من الموضوع الى ملاحظات في الحياة السياسية، أشمل وأبعد من تلك التي كانت توحي بها قضية "ألف". لم يكن يستعمل السياسة لتحميل طبقة سياسية مسؤولية تردي أوضاع فرنسا، لأنه من خلال طرحه الانساني العميق، كان يدرك تمام الادراك ان المسألة مسألة جوهر وطبيعة انسانية. والطبيعة الانسانية، لا تتغير. وحدها الاسماء تتغير. لهذا السبب، لا بدّ أن نضحك اليوم عندما نسمع تعليقات الساسة على وفاته وهي لا تدلّ الا على شيء واحد: صوابية نظريته القائلة إن الفنّ، بقدرته على رفع النقاب، أقوى من دسائس أهل السياسة. انطلاقاً من هذه النظرية فهو غلب ساركوزي. قيصر الاليزيه امتدحه على رغم ان شابرول كان قد وجّه اليه في "ليبيراسيون" سهامه الكلامية الموجعة: "ساركوزي ليس حتى هتلراً زائفاً، انه اقرب الى ميشال دروكير. أخطأنا بالاقتراع له، لكنه حالياً يسلّينا في سهراتنا الشتائية".

 

عندما التقيته، كان شابرول قد خرج من أعمال لم يكن فيها الشابرول الذي عرفناه. حكماً، كان عرف أزمنة أفضل من تلك التي عبرها في المرحلة الأخيرة من حياته. زمن بات مغموراً الآن. لكننا لم نره يوماً يبكي أو يدعو الى التباكي. لم تكن هذه طريقته في التعبير عن الغضب العظيم الذي كان يحركه. لم يكن ارهابياً في سلوكه. ولا بد للآتي من مجتمعات "متهمة" (هذه العقدة يتخلص منها المرء تدريجاً) أن يثبت عبر الفعل والقول أنه صاحب خطاب مناهض للتعصب والأصولية. حبّ السينما وحده لا يكفي كي يثق بك محاورك. عليك أن تدعم مسلّماته بشكل أو بآخر. من هذا المنطق، كان سؤالي اليه: كيف تعيش صعود الاصوليات وموجات التطرف في العالم كله؟ كان شابرول يجد دائماً ما يقوله في حال الدنيا من دون أن يكون خطابه نسخة ظريفة لخطاب الساسة. "لا اعتبر ان الاصولية الى تصاعد. سأبدو غريباً، لكني اعتقد انها تشهد تراجعاً لافتاً. في رأيي ثمة صعود لضعف البشر فحسب، ومن هم أقل ضعفاً يستخدمون قوتهم ضد الآخرين. اعتقد ان الانسانية تتقدم في الاتجاه السليم. مراحل الازدهار الكبرى تسبقها ازمنة شديدة العادية كزمننا (…). يا له من امر أبله ان نطالب بالحق في الاختلاف. ما يجب ان نطالب به هو حق التشابه بين بعضنا البعض. يحقّ لنا ان نتشابه، أليس كذلك؟".

 

 

شرور وسلطة

 

 

لا يمكن الحديث عن شابرول من دون ذكر الشرّ المحيق وسوء النية والخبث في افلامه. هذا كله تساكن مع جانب مرهف وطريف وساخر مستلّ من شخصيته. لكن الرجل كان يميل الى انكار نزوعه الى الشرور. حنكته الكلامية كانت وجدت تعريفاً آخر لهذه الشرور: تراكم الغيابات. يشرح: "يُعتقد انه الشر، لكنه في الواقع انعدام الخير. واعتقد ان مفتاح السلوك البشري هو في اعطاء طابع ايجابي لما هو سلبي في الاساس. اعمل على قاعدة الثقوب. انظر الى الاسفنجة. ماذا ترى؟ مادة جامدة وفي الداخل فجوات. لكن ما يصنع الاسفنجة هو اندماج هذين الامرين. الشيء نفسه ينسحب على الكائن البشري، لكن في حالته، يجب ان يكون هناك اقل قدر ممكن من الفجوات. الشر في كل مكان من افلامي، ونجده خصوصاً عند شخصياتي الخيّرة. كوني أؤمن بالخير، فأنا مجبر كذلك على الايمان بالشرّ. لكني لم اتعرف اليه [الشر] بوجهه الكامل، بل شاهدته منزلقاً متوغلاً في الوضاعة والخساسة، ولم اره متجسداً في قوة الشر المطلقة".

 

كان اللقاء مع شابرول غداة صدور واحد من أهم أعماله "سكرة السلطة" الذي صوّر فيه ممارسات الطبقة السياسية الفاسدة، انطلاقاً من "قضية Elf". فكانت حماسته وفرحته لا توصفان حين قلتُ له ان أفراد تلك الطبقة "لا شيء" مقارنة بزملائهم اللبنانيين. فأدهشني بسيل من الكلام كان يبدو كأنه حفظه عن ظهر قلب، مع عدم التشكيك ولو للحظة في صدقيته: "الأحوال السياسية متشابهة الى حدّ ما، والساسة أينما كانوا ينتهجون أساليب الفساد والطغيان نفسها. يعتبر هؤلاء انفسهم فوق القانون وفوق الآخرين وفوق كل شيء، يجعلهم يتصرفون كالاغبياء. وتالياً، تثير طبيعة سلوكهم التهكم والازدراء. ما اكتشفناه خلال اعمال التوثيق التي اجريناها، ان معظم المتورطين في هذا الملف، لم يكن يهمهم الا الذهاب الى الباهاماس وعرض مؤخراتهم السمينة تحت أشعة الشمس كي تكتسب لوناً ذهبياً. ما لا افهمه هو: ما داموا يسرقون المال ويكدّسونه ــ طبعاً لن نطلب منهم التبرع لجمعيات خيرية ـــ فليقوموا بنشاطات شيّقة على الأقل".

أحياناً كانت شخصياته تبدو كاريكاتورية وفريسة المخرج من كثرة ما يعرّض خطوطها، ولأنها أيضاً كانت تحريفاً لأشخاص حقيقيين. فالسيناتور، حامل السيكار، في "سكرة السلطة"، هذا الذي يتكلم بطاووسية، بورتريه لسياسي فرنسي معروف جداً هو شارل باسكوا. هذه النماذج كانت تثير شغفه، وكان يجدها طريفة وجديرة بالتصوير لروعتها وبهجتها. "أليس الامر مدعاة للهزء؟"، قال وهو ينظر في عينيَّ المبحلقتين. في البداية أعتقدت انه سؤال موجه اليَّ. لكنه تابع بعد ثانيتين من الصمت: "بل هو كذلك. بئس هؤلاء، اذا لم يدركوا أنهم مادة للتهكم من الجميع".

كان شابرول في السنوات الأخيرة من حياته يعمل بمساندة العائلة له، التي كانت متورطة في همه السينمائي. كانت هنا، دائماً الى جنبه، في القرارات والخيارات، ليقمعوا، بحسب اعترافه، تجاوزاته الناتجة مما قد تتسبب به السلطة من إفراط في سلوكه. ثمة دوماً ثلاثة أو اربعة اشخاص من المقرّبين يضعون حداً لتصرفاته، قائلين له: "هدِّئ من روعك". هذا كان يعيده الى رشده. وعندما يكلمك قائلاً كم أن المخرج صاحب هيبة وسلطة، فهو ينسى ما قاله قبل دقائق عن مساوئ تلك السلطة. كان يعتبر نفوذه أهم من نفوذ بابا الفاتيكان. تسأله كيف، فيروي لك، بميله التاريخي الى معاداة الكنيسة (الناقد ديدييه بيرون كتب انه كان يتعمد اختراع فظاعات عندما كان يذهب للاعتراف)، ويأتيك بمثال كأنه مستقى من حكايات "كانتربري": "في اثناء زيارة البابا لأحد المسؤولين الكبار، يخرج من الباحة المطلة على القصر الجمهوري، فيلفت انتباهه الحشيش المزروع هناك، فيقول: "لا احب اللون الاخضر، أليس في إمكانكم تلوين الحشيش بالاحمر؟". ينظر مرافقوه بعضهم الى بعض: "يبدو انه فقد عقله". ويقودونه الى الفراش ليرتاح قليلاً بعد أن يعتذروا من الرئيس لحالة البابا. أما أنا، فأصل الى مكان ما، واصرخ في وجه الحاضرين: "ما هذا الحشيش الاخضر؟ اريده احمر الآن". سرعان ما يأتي اربعة عمال ويدهنونه باللون الاحمر. لا يجادلون، ولا يعتقدون أني معتوه".

 

 

كزجاجة "بوجوليه"

 

 

عندما يكون المرء آخر عمالقة الفنّ السابع وصاحب تجربة تمتد على نحو نصف قرن من الزمن وتحوي جعبته نحو 60 فيلماً، ماذا يريد بعد من السينما؟ هذا كان السؤال الأخير المدوّن على ورقتي في ذلك اليوم. ما الذي يحرّك شعوره في اتجاه هذا الفن؟ هل الحبّ وحده كافٍ؟ كنت أريد المزيد مما يجعله يبدأ فيلماً خلف الآخر، من دون أن يأخذ بينهما قسطاً من الراحة، ما جعله أكثر مخرج فرنسي معروف وجهاً وليس اسماً فحسب، وكانت كلمة "شابرول" على ملصق الفيلم كافية لجذب المشاهدين. بحسب ارقام المركز الوطني للسينما، كان المخرج، الذي، منذ عام 1945، استطاع ان يكون له اكبر عدد من الافلام تجاوز عدد مشاهدي كل واحد منها النصف مليون. وهذا امر كان يفتخر به.

 

كثر كانوا ينتظرون "شابرول" السنة، كما ينتظرون زجاجة الـ"بوجوليه" الجديدة. على رغم انني كنت اتوقع رداً غير تقليدي، فالمفاجأة، مرة أخرى، كانت على الموعد. "ثمة امران يجعلانني اكمل مسيرتي. الاول اني، ولسبب اجهله تماماً، اشعر بصحة جيدة حين اصوّر. عملية التقاط المشاهد اشبه بإجازة بالنسبة اليّ. كثر يصرحون بأن التصوير هو المرحلة الأصعب، اما انا فأرى انه الامتع لأن كل ما هو معقّد ومزعج يكون قد ولّى عندما نشغّل محرّك الكاميرا. ما اود قوله انك عندما تكون منهمكاً في التفاصيل المهنية، فأنت لا تشعر بالالم الذي يصيبك، وهذا كله يختفي عندما تعمل جاهداً. اذاً، اقله بالنسبة الى صحتي، السينما هي افضل طبيب معالج. ويتجلى السبب الاخر في انه لا يزال عندي ما ارويه. في الواقع، لديّ حلم، مع انه يصعب تحقيقه، هو ان احوّل الكرة الارضية مكاناً، حيث الكل يعشق الكل. لذلك اظهر في افلامي ما يمنع تحقيق هذا الهدف. لهذا السبب افلامي رهيبة. لا اسعى ابداً الى تصوير ما ليس له وجود، بل اعالج اسباب عدم وجوده وأقول ان العالم هكذا. لذا، تراني "اقرص" في المكان الذي يؤلم".

من خلال ساعة ونصف ساعة من الكلام، انتهى مع وصول "المافيوزيين"، تلمست عند شابرول احساساً بشؤم لا يفارقه. لكنه كان يقول شيئاً، ثم، بعد لحظات، في جملة اعتراضية، أو في مزحة غير بريئة، يقول عكسه. كان يعتبر مثلاً أننا مقبلون على ما يسمّى نهاية الحضارة. وكان له ايمان عميق بهذا الشيء، ذلك ان الكثير من العناصر التي كانت حاضنة لحضارتنا في طريقها الى الزوال. اعطاني مثالاً في منتهى البساطة: العائلة، تلك التي صانتها سينماه، على رغم انه أنزل عقوبات شديدة السادية بأفرادها. كان يقول ان العائلة احدى دعائم المجتمع ويقلقه تفككها: "نصنع اطفالاً يميناً ويساراً، وعلى رغم انني لست ضد هذا السلوك، فهذا يدل على ان ما كان يسمّى سابقاً صومعة العائلة تفتت نهائياً اليوم. اذاً، ينبغي تأسيس مجتمع على ركائز اخرى. ولنر ماذا تكون النتيجة. لكن ما أرفضه هو بناء مجتمع فصامي، مثل المجتمع الاميركي مثلاً، الذي، على رغم امكاناته الهائلة، يبدو انه ينجرّ خلف امرين، المال من جانب، ومن جانب آخر الله، وهما الشيئان اللذان لا يتعايشان تحت سقف واحد". هذا الـ"انتي رومنطيقي"، مفسد حالات البهجة الجماعية، معلّم فنّ الاستفزاز البديع، سيد الحرفة ومناصر للفردانية، كان يمازح دائماً بالقول: أنا انسان شيوعي، لكن هذا لا يعني انه يجب عليّ انجاز افلام عن حصاد القمح". نهش الحياة، كحولاً وفسقاً وطعاماً وأفلاماً، ورحل بعدما ترك خلفه تلك الضحكة التي ستبقى تحفته الأكثر لؤماً.

 

عن جريدة النهار 16/9/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق