غياب التفاعل وراديكالية الآخر ضدنا

إذا كان الرأي العام في الغرب استيقظ فجأة ليتساءل لماذا هؤلاء المسلمون يكرهوننا؟ عقب كل عمل إرهابي أو ما شابه من أفعال أخرى، يقابله تساؤل آخر في الأوساط الثقافية في البلاد العربية: لماذا هذه الهجوم غير المسبّب وغبر الموضوعيّ في أحيان كثيرة على البلاد العربية من قبل مراكز صناعة الرأي العام في الولايات المتحدة من صحافة وقنوات تليفزيونية وحتى الدوريات العلمية ومراكز الأبحاث. وإذا كان التساؤل في كلا الحالتين يحمل قدرا من المصداقية والمشروعية ليس بسبب صحّة موقف كلّ طرف وإنّما بسبب سوء الفهم بين الطرفين وعدم التفهّم الجيد لحقيقة الدافع الذي يسبب هذا الخلط الذي يزيد نقاط التنافر حيث بدا كلّ يطرف يعظّم القليل من الحقائق التي يملكها عن الآخر دون أن يفتح حوارا شاملا بين نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف.

ومن ثمّ كان من الطبيعيّ في ظلّ التطور الكبير في تكنولوجيا المعلومات أن يتمّ تعميم الاستثناء في ظلّ غياب التفاعل من الطرف المسلم مع الآخر ومن ثم كانت الصورة المنقولة عن العربي أو المسلم ليست حقيقية في كثير من الأحيان رغم أنّها أصبحت بفضل التقدم الذي حدث تترسخ يوما بعد يوم في أوساط الرأي العام في الغرب وتتّخذ شكلا أحادي النظرة.

ومثل هذا الأمر لم يكن مألوف بهذا الشكل الذي بات له تأثير ذو تداعيات خطيرة على التوجّهات السياسية للدول وعلى السلوكيات داخل هذه المجتمعات وكان أبرزها انتشار فوبيا التفكير الراديكالي التي زحفت على استحياء على مراكز صنع الرأي العام ومراكز الأبحاث التي تشكّل أداة استشارية في صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة بوضع العالم العربي والدول الإسلامية في جعبة واحدة بكل ما فيهما من نظم سياسية سلطوية وتطرّف في مقابل جعبة الديمقراطية والدول التي سوف تأبى الدخول في النادي الديمقراطي فهي دول لا تختلف في تفكيرها عن تفكير أسامة بن لادن، وهذا التطرف الحادّ في توجّهات السياسة الأمريكية إزاء دول وشعوب ذات تقاليد وديانات قد يأتي بعكس نتائجها تماما خصوصا الوقت تكسرت فيه الكثير من الحواجز بين الشعوب والثقافات والتي يجعلها أكثر تفاعلا لا تطرفا. وهو الأمر الذي يثير التساؤل. حيث كان من الممكن ألا يكون هذا التساؤل مطروحا فيما سبق لو أنّ هذا التفكير كان نابعا من مجتمعات العالم الثالث وإنما الذي يجعله مطروحا الآن ظهوره بهذا الشكل الأحادي الاتجاه من المجتمعات الغربية.

كانت مجتمعات العالم الثالث ولا زالت هي المرتع الأساسي للتفكير الراديكالي لأسباب متعلقة بظروف هذه المجتمعات. ومن ثمّ كان ظهور الثقافة الراديكالية في هذه المجتمعات أمرا طبيعيا وهو ما ترك أثره على نخبة هذه الشعوب وقادتها في اتسام توجهاتهم ومواقفهم بالراديكالية النابعة من ظروف تتعلق بعوامل شخصية وعوامل موضوعية، وما يجعل الأمر ملفتا للنظر أنّ الثقافة الراديكالية لم تعد قاصرة على المجتمعات التقليدية الشرقية بل أصبحت من العلامات المميّزة التي تميّز التوجهات السياسية وتوجهات الرأي العام في المجتمعات الغربية في نفس الوقت الذي وصلت فيه الثقافة الليبرالية إلى قمة انتصارها وتبلورها في الثقافة العالمية ( ثقافة العولمة ).

وكان من حسنات الثورة المعلوماتية والتكنولوجية أنها قرّبت المسافة بين الأفراد والمجتمعات حتى كادت المجتمعات تشترك في كثير من السلوكيات والأنماط الاستهلاكية متخفّية في أشكال ومظاهر مختلفة، حيث أصبحت هذه المظاهر سمة مميزة للكثير من التفاعلات المشتركة التي تحدث بين المجتمعات، وهو الأمر الذي أثّر على سرعة التفاعلات في هذه المجتمعات بعدما انتفت الفجوات التي كانت موجودة في الماضي. إلا أنّه على قدر الإيجابيات التي رافقت هذا التقدم كانت هناك أضرار، ولعل أبرزها، وسط هذه الإيجابيات ” تعميم الظواهر الاستثنائية ” لتصبح عامّة بفضل التقدم الرهيب الذي حدث في تكنولوجيا المعلومات وعولمة الفضائيات التليفزيونية والتي بدورها سهلت نقل الحدث والمعلومة في نفس توقيت حدوثه. وخطورة هذا الأمر تكمن في أنّ الحدث يكون استثنائيا في مكان حدوثه ويتحوّل للمتلقي بمجرّد نقله عبر الفضائيات إلى شيء عامّ ومن ثمّ تبنى تصوّرات المتلقّي عن الآخر بناء علي هذا الحدث، فإذا كان الحدث سلبيا يترك انطباعا سلبيا على عقلية المتلقي تجاه الآخر الذي يجهل عنه كل شيء باستثناء ما نقل إليه، ومن ثمّ يصبح الذي نقل إليه هو كلّ الذي يعرفه عن الآخر. وقد ظهر ذلك بوضوح عقب أحداث سبتمبر عندما تمّ تعميم الاستثناء في شكل الظواهر السلبية، كظاهرة الإرهاب، التي هي محلّ انتقاد كل المجتمعات.

ونتيجة هذا التعميم تبلورت الصورة بهذا الشكل معطية الانطباع الخاطئ عن هذه المنطقة، حيث أصبحت ظاهرة الإرهاب التي تقتصر على مجموعة تعدّ على أصابع اليد هي انعكاس لواقع العالمين الإسلامي والعربي في عقلية المجتمعات الغربية بسبب تعميم الاستثناء المتمثل في “صورة الإرهابي” في الوقت الحاضر ليصبح هو مدخل الغرب للشخصية العربية والإسلامية – والتي كانت في الماضي ومازالت، الرجل البدويّ الشهوانيّ -رغم أنّ هذا التصور الخاطئ كان من المكن تجنبه في عصر المعلومات والسماوات المفتوحة . إلا أن هذا يعتبر نتيجة سلبية للآثار المرتبطة بعولمة نقل المعلومات ( إلكترونيا وفضائيا ) حيث أنّ اتساع الفجوة بين المجتمعات ثقافيا وعدم وجود التفاعل بين المجتمعات، وخاصة التفاعل بين العالم المتقدم والعالمين العربي والإسلامي، ساعد على جعل تصوّرات الرأي العامّ في الغرب عن هذه المجتمعات تركّز فقط في الشيء الذي يؤثر فيها وفي مجتمعاتها مثلما حدث مع أحداث سبتمبر فرغم أنّ ظواهر الإرهاب كانت منتشرة قبل ذلك إلا أن مفاجأة المجتمع الأمريكي منه عقب أحداث سبتمبر بشكل غير مسبوق كرست ظاهرة التعميم للظواهر الاستثنائية بمساعدة الثورة المعلوماتية والسماوات المفتوحة التي ركزت ـ بسبب بشاعة الحدث ـ عليه ليصبح هو محور مادتها حتى الذي لا يتعلق به بشكل مباشر أصبح يصبّ بدوره في اتجاه هذه الظاهرة حتى تخمّر الاعتقاد في عقلية الرأي العام في الغرب أنّ كلّ العالم العربي والإسلامي على نفس هذه الشاكلة.

ومن بين العوامل الأخرى التي تساعد على تأجيج هذه الصورة السلبية جهل المجتمعات الغربية بالمجتمعات العربية واستمرار التصورات القديمة التي تخالف الواقع الآن لصورة العربي والمسلم كـ”رجل بدو” وهو التصور السائد وعدم تغيرها حتى الآن بل زادت عليها الأحداث الأخيرة التي ارتبطت بالعالمين العربي والإسلامي التي أضرّت الإسلام كديانة قبل إضرارها بأي فئة أخرى. وقد ساعد على تكريس هذا الوضع الخطأ غياب التفاعل والحوار بين هذه والمجتمعات الشرقية حتى بدا على الساحة أنّ الحوار موجود فقط بين الولايات المتحدة وحملتها على الإرهاب وردّ الفعل من تنظيم القاعدة بارتكاب أعمال إرهابية وهو حوار سلبيّ لغته ولسانه الإرهاب. ولا يعبّر عن واقع هذه المجتمعات، مما جعل الرأي العام الغربي يفيق على هذا المجهول الذي لم يكن في يوم من الأيام على معرفة حقيقية به في أول تقارب منه يجده شخصا إرهابيا. ومن ثم تحوّلت المجتمعات الغربية في الوقت الحالي لتصبح أشبه بالمجتمعات الشرقية في راديكاليتها بعدما سيطرت أسطورة الإرهابيّ على عقلية هذه المجتمعات.

وخطورة هذا الأمر تكمن في أنه سريع الانتشار بين أوساط الرأي العام – نتيجة لسرعة نقل المعلومات – ومن ثمّ سرعتها في التأثير على الرأي العام وعلى القيادة السياسية التي قد تقدم في تواجهاتها السياسية تجاه الآخر صورة بعيدة عن الواقع . حيث هناك الكثير من المواقف التي تتخذها القيادة السياسية تكون فيها متأثرة بالرأي العام بناء على هذا المعيار، فمثلا على المستوي السياسي فالحرب على الإرهاب المتسمة بقدر من الراديكالية توسّعت ولم تعد تقتصر على هدفها الذي قامت من أجله، لتشمل أهدافا أخري تتعلق بتغيير النظم السياسية والتدخل لإحداث التغيير بالقوة داخل هذه المجتمعات.

وهذا التطوّر الذي حدث يظهر من بين الإجابات العديدة لعصر المعلومات والفضائيات السماوية إحدى سلبياتها في تعميمها للظواهر الاستثنائية المتمثلة في التطرف في العالمين العربي والإسلامي في ظل غياب تفاعلها مع الغرب.
ومن هنا فإنّ المخرج يكمن في ضرورة البحث عن السبل الفعالة للإدراك والتفاعل مع الغرب عبر نفس هذه الوسيلة.
وهذا في الواقع يتطلّب من صنّاع الرأي العام في المجتمعات الشرقية أن يتحلّوا بقدر من الموضوعية في نظرتهم لأنفسهم وللآخر، مع ضرورة العمل على البعد عن الانسياق وراء الحملة التي يقودها الراديكاليون سواء في الشرق أو في الغرب بوضع كل المجتمعات العربية والإسلامية في جبهة مضادة للغرب وأن يكون هتك تمييز واضح يبادر به صناع الرأي العام في هذه المجتمعات لصناع الرأي في المجتمعات الغربية وحيث قد يكون هناك، في حالة التقاعس، مبرّر لموجّهي الرأي العام الغربي في أن يعمّقوا من هذه النظرة الراديكالية عن المسلمين والعرب حيث ما يعرفونه عن هذه المجتمعات سوف يكون هو أسامة بن لادن ومن على شاكلته.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق