غيومٌ على الربيع التونسيّ / مختار الخلفاوي

أستعير هذا العنوان بتغيير طفيف من “إدغار موران” في مقالة له بديعة عن الغيوم التي تتلبّد في سماء الثورات العربيّة نشرها منذ أيّام في صحيفة (لومند ) الفرنسيّة. وبالمثل، فإنّي عندما أرى الغيمات السوداء تتلبّد في سماء تونس وفي ذروة ربيعها، لا أستطيع أن أمنع نفسي من تخيّل الأوحال التي تنذر بها، ولا أنْ أردّدَ تحيّة “هيغل” التنبّئيّة بخصوص ثورة 1789 الفرنسيّة: لقد كانت إشراقة شمس رائعة !

لا شكّ في أنّ مشاهد الانتكاسة القاسية كانت تدور بخلده، حين قال ذلك، وهو يستذكر مآلات الثورة في عناوينها الملكيّة الدستوريّة والجمهوريّة والامبراطوريّة التوسّعية فالملكيّة من جديد، بانتظار أن تقوم، بعد وفاته، الجمهوريّة الثالثة.

ولأنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يحيا الزمن، فأضاف إليه وعي الزمن مبتدعا علما خصوصيّا نسمّيه التاريخ، فلا مناص من الاعتبار بتجاريب الثورات والدول لاستخلاص الدروس والعبر، وإضاءة لحظات العتمة والظلمة.

قد يتسلّل إحساس مرير بالخيبة والخذلان، ونحن نشاهد انتكاسات هنا وانتكاسات هناك، ونحن نرقب، بعيون ساهمة، انتقالا ديمقراطيّا هشّا متردّدا، أو نحن نلحظ تراخيا في القطع مع الماضي. ولكنّنا، أبدا وبحكم التاريخ أيضا، لن نيأس. فالمارد قد حطّم القمقم، والخوف قد طار من الصدور، ولن يرضى بالعودة حيث كان من الأقفاص. قد نعرف، اليوم أو غدا، انتكاسة أو التفافا، ولكنّ التاريخ لا يعيد نفسه إلاّ على سبيل المهزلة أو الكارثة المعمّمة. لقد صارت الإرادة الشعبيّة في الكرامة والحرّية قوّة مولّدة ومجدّدة للتاريخ.

أستذكر التاريخ في مواجهة أحداث الشأن الجاري. يوم الجمعة 6 ماي أهدتنا الحكومة المؤقّتة قطعة من العذاب منتهية الصلاحيّة. وما كنّا نتصوّر أن تأخذها العزّة بالإثم لتعيد إلى أذهاننا ذكريات سيّئة جهدنا في نسيانها، ورغبنا في القطع معها.

في مواجهة مواطنين يتظاهرون سلميّا، ضربت القوّات الأمنيّة يمينا وشمالا، واعتدت على ما طالته هراواتها وغازاتها وأقدام أعوانها وقبضات أيديهم. ولم تُعْف هذه الهبّة صحافيّين يقومون بواجبهم المهنيّ، ولا مارّة من نساء وشيوخ وأطفال كانوا يعبرون المكان، وطاردت الجميع حتّى الأنهج الفرعيّة لشارع بورقيبة والأزقّة المجاورة من ساحة “برشلونة” ومحطّة قطاراتها إلى ساحة “الباساج”.

كلّ من وُجِد في ذلك المكان، وفي ذلك التوقيت بالذات، عاش يوما “مختلسا” من أيّام ما قبل 14 جانفي سيّئة الذكر. يصدق ذلك على كثير من مناطق الجمهوريّة حيث تفاوتت حدّة المواجهات مع قوّات الأمن. (وفي هذا الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور يوم السبت تستمرّ أجواء المواجهات والاحتجاج ). صحيح، من الطبيعيّ، أن يوجد على عين المكان والزمان مَن يكسّر ويعتدي على الأملاك الخاصة والعامة، بل ومن المنتظر، أيضا، أن يوجد قريبا من تلك الصفوف مَن يريد إقامة صلاة الغائب على روح بن لادن. ولكنّ لسان حال المتظاهرين في نواتهم الصلبة كان يردّد: لستُ بالخبّ وليس الخبّ يخدعني !

على أنّه ليس من الإنصاف، أيضا، القول بأنّ الجوّ كان صحوا، والشمس ساطعة في كبد السماء حتّى تلبّدت بالغيوم عقب التصريحات التي أدلى بها وزير الداخلية السابق. ورغم السذاجة السياسيّة التي اتّسمت بها تلك التصريحات التي تحوّلت إلى تصوّرات وتخمينات قبل أن تؤول إلى دردشات، وتنتهي إلى تراجعات واعتذارات، فإنّ الجوّ العامّ لم يكن، قبل ذلك، صحوا على كلّ حال.

لنتّفق أنّ كلّ انتقال ديمقراطيّ يستدعي مساريْن متلازميْن لا بدّ منهما لكي يكون الانتقالا انتقالا حقّا لا مراوحة في المكان ذاته: مسار العدالة الانتقاليّة بما تعنيه من محاسبة ومكاشفة ومصالحة، ومسار العدالة الجنائيّة بما تقتضيه من إنفاذ القانون ضدّ من أجرم في حقّ غيره، وضدّ من أفسد لجلبه أمام القضاء واسترداد الحقوق المسلوبة والأموال المنهوبة، وما يستدعيه جميع ذلك من إصلاح جدّي لمنظومة القضاء وأجهزة الشرطة. ولنعترف أنّ هاتيْن العدالتيْن باعتبارهما السكّة التي يسير عليها قطار الانتقال غير موجودتيْن، أو إن شئنا الموضوعية، فإحداهما (الانتقاليّة) معدومة، وثانيتهما (الجنائيّة) موجودة، ولكنّها في حكم المعدومة كما يقال. مساءلة المفسدين والمجرمين في حقّ الشعب والوطن ومحاكمتهم إمّا هي معدومة أو هي تسير بخطى السلحفاة، والكثير ممّن تعلّقت بهم تهم استغلال النفوذ والتعذيب والثراء الفاحش قيل لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء ! بل إنّ الدول التي جمّدت أو تتوفّر على ممتلكات التونسيّين المهرّبة هناك مازالت تنتظر طلبا جدّيا من حكومة تصريف الأعمال لاسترداد ما نهب من تلك الأموال! وإلى اليوم، لم يتقدّم أحدٌ ممّن علقت به تهمٌ في حقّ الشعب والوطن أو من زيّن للطاغي طغيانه وللمستبد استبداده ليعترف ويعتذر، ويطلب الصفح، وكأنّ هؤلاء يراهنون على أنّ الشعب فقد ذاكرته أو أصابه “الزهايمر” أو أنّ الزمن، وحده، كفيل بالنسيان.

في مثل هذه الظروف تتحوّل الحالة الثوريّة إلى حفل تنكّريّ، كلٌّ يدّعي فيه وصْلاً بليلى. إذن، من أجرم في حقّ من، ومن ظلم من؟ من كان الجلاّد ومن كان الضحيّة؟ من كان السجّان ومن كان السجين؟ من الضارب ومن المضروب، من السارق ومن المسروق، من القاهر ومن المقهور، مَن الحارق ومن المحروق، من الآكل ومن المأكول، بل من القاتل ومن المقتول؟

فهل كنّا تحت احتلال أجنبيّ ولم ندر؟

ليس بمثل هذا الحفل التنكّري، ننجح انتقالا ديمقراطيّا مضمون الوصول. ولكنّنا نعطّل طريقا بدأناها، وندخل مدارات حزينة تنتعش فيها ذهنيّة المؤامرة، ومشاعر الغبن، وتزدهر سوق الإشاعة والظنون، وتنفق فيها الافتراءات وصنوف التهريج.

عن جريدة الشروق التونسيّة 8- 5- 2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق