غيوم صديقي الأجنبي

“ومن تأمل أقوالي رأى جملا  يظل فيهن سر الناس مشروحا”
                                        أبو العلاء المعري 
 
من الصدف الجميلة، تلك التي عرفتُها حين صدور كتابي “تضاريس فكرية، نحو فلسفة محايثة”.هذا الكتاب الذي ظل في رفوف مكتبتي طيلة ما يزيد عن ست سنوات، ينتظر فرصة الإفراج عنه، تماما،كما لو كان معتقلا. مَنْ يدري، فلو لم يحالفه الحظ للقي حتفه دونما توقيع، ولا حتى ميلاد. قدر الكتب والحالة هاته أشبه ما يكون بقدرنا ككائنات بشرية منذورة للصدفة، مادام نصيبها في الحياة مثل نصيبها في الموت، يتقاذفها مثلنا نهر الوجود فتولد أو تُجْهَض، وهي في طريقها إلى عالمنا دونما اختيار. هكذا كان بوسع ديدان مكتبتي أن تنتفع به وتأتي عليه إلا أن الأقدار سارت على نحو آخر، فكان له الميلاد، وكان معه الميعاد. الكتب، إذن، كائنات حية،تُعَمِّرُ حياتنا وتؤثث فضاء الوجود مثلما نؤثثه نحن أيضا. وفيها وبفضلها يمكنك أن تجد الصديق وتلاقي العدوّ. أن تعثر على دفء القريب، وتحس بغلّ الحاقد. نقول هذا بطبيعة الحال لأن القارئ بدل أن يكون صديقا للكاتب كثيرا ما يمتثل عدوّا له مثلما لاحظ الجاحظ، وهو “قد لا يكون عدوّا صريحا، إلا أنه في الخفاء يبحث عن الثغرات وعن نقط الضعف بهدف التهجم على الكتاب والنيل من مؤلفه”.(عبد الفتاح كيليطو ،الأدب والارتياب، ص .9 ، دار توبقال للنشر). لكنه وكيفما كان الحال يبقى الكتاب أفضل أنيس يتيسر لك معه السفر عبر عوالم غريبة والتبحر في أقطار عجيبة. فهو، فضلا عن هذا وذاك، يعلي من رفيقه في العشرة ويرفع من مقام صاحبه في الوحدة، مانحا إياه أفقا غير منتظر بحيث يزيد من قوته في الوجود ويحمّس رغبته في الحياة. آيتي في ذلك كون كتابي السالف الذكر، مثلا، هو ما يسّر لي التعرف على غيوم. هل قلت غيوم؟ آه، على هذا الرجل الذي لا يجمع في جبته العبقرية أو الغندرة فحسب، إنما كل الخصال التي يمكن لإنسان حكيم أن يتحلى بها. وحتى أحيط القراء الكرام علما، فالحقيقة أن معرفتي بغيوم تكاد تكون مستحيلة لو لم أنجب “تضاريس فكرية”. إذ مباشرة بعد صدور الكتاب صادفت صديقا يعمل بالدرك الملكي فأهديته نسخة وتبادلنا كالعادة أطراف الحديث، عن الكتابة والحياة، والطبيعة والناس…الحاصل أني ناقشت مع الزميل الدركي أمورا كثيرة، وفي سياق الأخذ والردّ في الكلام دلّني على غيوم قائلا : “لتعلم يا حسن أن بالمنطقة هنا شخصا مُهِمٍّا يعيش على نحو مدهش وغريب، سبق له أن زارني في مكتبي ومنحني بعض الكتب”. قاطعتُ صاحبي فجأة :”مِنْ أين هو؟” فردّ عليّ :”أجنبيّ”. طنطَنَتْ هذه اللفظة بداخل رأسي وذكّرتني بالأمس القريب، يوم كنت أقرأ كتاب “الغريب” لألبير كامي، بإسوال، وهي منطقة جبلية بأحواز مراكش يخترقها نهر دائم الجريان وتمتاز بقصر النهار الذي لم يكن يتجاوز أربع ساعات، وهي المدة التي بوسع الشمس أن تظهر فيها ثم تغيب، جراء ثنايا جغرافيا المكان. هكذا ألفيتُني فوق خط التقاء منكسر، بين عالمين اثنين : عالم داخلي يتمثل في كل ما ينتابني من هواجس ويركبني من عواطف وعالم خارجي تتوافق فيه إرادات وتتقاطع وسطه كائنات. صِرتُ أقول لنفسي إن المنفعة الوحيدة التي يمكنني أن أجنيها من فعل الكتابة، هي تكسير الحدود وتبديد الحواجز التي تفصلني عن كل العوالم الغريبة. وبعد ذلك بأيام لازمتني فكرة زيارة غيوم، وباتت تطاردني في كل حين، إلا أنه في كل مرة أقرّر فيها الذهاب إليه أكون مثقلا بالتزام ومشغولا بقضية. لكن سرعان ما سنحت لي الظروف بتكسير العوائق، والتخلص من كل المثبطات لأجدني ذات ظهيرة وجها لوجه مع الرجل. طرقتُ الباب ففتح، وحيَّاني مستفسرا قصدي. قلت له إنَّ :”السيد عبد الله الدركي هو من دلني عليك، وأنا بالمناسبة سأكون سعيدا بمعرفتك”. على التو أمسك بيدي داعيا إياي إلى الدخول. دلفتُ الباب وانتابني شعور غريب. شعور مَنْ تلطم بؤبؤ عينيه أشعة الشمس، وهو على وشك الخروج من مكان مظلم. مِنْ كهف أفلاطون إلى كهف المتوحد غيوم. الفرق بين الاثنين شاسع وكبير، والهوة واضحة وبَيّْنَة. ذلك أنك في كهف أفلاطون لن تجد ما يشبه الترسيمة التي تسم كهف غيوم، إذ بقدرما يروم أفلاطون التأسيس ليقينيات خالدة يسترسل عبرها الزمان مشكلا نماذج لا تفنى ونسخا لا تموت، دونما أدنى تأثير أو تأثر، بقدرما يروم غيوم التأسيس لزمنه الخاص الذي لا يشبه أزمنة عامة البشر في شيء، لأنه زمن الصيرورة البريئة حيث تحيا الحقيقة الشتات، وتؤول فيه الأشياء خارج ثنائية الخير والشر، وبعيدا عن وخز الضمير وآليات تكفير الفعل الإنساني. فلسفة أفلاطون تبغي وهم الخلود وتعمل على تأبيده لدى المريدين والأتباع، بينما فلسفة غيوم تبغي منح كل لحظة من لحظات الحياة كل ما تستطيعه من قوة، والإنصات إلى نبض الذات وقد غدت راشدة ناضجة غير مشروطة بـ”السوسيال” ولا محكومة بازدياد الأنصار. شرعنا في التعارف، كَلَّمْتُهُ عن نفسي حتى أفوز بثقته، ثم انهال علي بحبور منقطع النظير، ينساب كالنهر، متحدثا، حاكيا ،قاصا، واصفا، مفكرا، متفلسفا، جامعا، مانعا. تروقني في غيوم لَكْنَتُهُ قبل كل شيء. إذ لا أحد غيره ينطق كلمة “الحياة” بوداعة. كيف لا وصديقي لا همّ يشغل بَالَهُ، طيلة سبعين عاما، عدا المزاوجة بين الحياة و الفكر؟ لذلك ، ربما يكتفي بكتابة الشذرات على ضوء النهاربعدما ينتهي من طقوس التأمل وتمارين التركيز التي يزاولها كل يوم عند الواحدة صباحا. وإذا كانت الكتابة عنده لا تعني غير كتابة الحياة، فالحياة بنظره تحويل دائم للطاقة الحيوية وكذا الوجدانية التي يكتنزها إلى طاقة تأملية يلوذ من خلالها بلحظة الإلهام، وهي لحظة الأتراكسيا حيث يغدو كل شيء من حولنا نورا وأضواء. وإذا أمكننا القول بأن الحياة الحقيقية باعتباره لا توجد بين ثنايا الكتب، بل الكتب هي ما يشهد على وجودها، فذلك لأن المفاهيم الجمالية لا تروقه على حد تعبيره إلا عندما تبدو له أكثر تجذّرا في الواقع؛ فكيفما كان الحال، كل الناس على أصنافها، ذكية أو غبية، من العامة أو النخبة، لا بدّ لها أن تواجه في مشوارها الحياتي، الجميلَ والقبيحَ،القذِرَ والنظيفَ، التراجيدي والمتفائل، الحزينَ والمَرِحَ، القويَّ والضعيفَ، النبيلَ والسافلَ…ذلكم أن الوجود بتلاوينه العديدة غير قابل للنفاد ولا يمكن الكشف عنه إلا من خلال هذه المفاهيم التي علينا أن ننصت إليها وأن نتلمسها ونشمها، أن نتذوقها ونمعن النظر فيها.
 
وُلِدَ الرجل بالأرجنتين وهو الابن الرابع عشر من بطن أمه. نصح الأطباء الأمّ وهي حامل بالعيش في الجبل ومغادرة “بيونوسيروس”، لأنها كانت تعاني من مرض الرئة، مما اضطرها إلى قطع ما يقرب من 700 كلم ، لِتَحُلَّ أخيرا ضيفة على أخيها في “كردوبا”. فاستقر بها الحال بالقرب من عائلتين اثنتين: عائلة الثوري المعروف: شي غيفارا والموسيقار الإسباني العظيم “مانويل دي فايا”. قال لي غيوم، أمر غريب ما جرى لي: إذ بقدرة قادر وجدت نفسي بين عملاقين أو بالأحرى جبلين ضخمين، فشعرت بأني سأكون ديناميت، إن لم أقل بركانا. وبالفعل كان له أن يغدو كذلك، بعد سفر كبير في الحياة والكتب امتد لأزيد من خمسين عاما. وللذكرى فالرجل ناضل إلى جانب رفاق غيفارا، قبل موته، ثم رحل إلى الهند ليستقر بها سنينا، ويغرف من ثقافتها كثيرا. وفيها التقى “الدالاي لاما” وتشرّب اليوغا، وتسلق جبال الهملايا وتنفس هواءها وعانق ثقافة التبيتيين المنفيين، أولئك الذين بتعبيره يكرهون العنف وينتصرون للديمقراطية ، يحبون الحوار ويقبلون بالاختلاف مع غيرهم ويستطيعون بحكمة لا نظير لها أن يعيشوا في وئام ولو بالقليل مما يملكون. وهي لعمري حكمة تكاد توجزها عبارة رائعة لـ”بييرغاساندي” كالتالي: “peu et paix “.أجل، ينبغي لنا أن نتعلم أن نحيا في سلم وأمان حتى ولو كان أجْرُنا قليلا. علينا أن نعرف كيف نتعامل مع فقرنا، وكيف نصرف بؤسنا. إذ البؤس نوعان بحسب زميلي غيوم :”فثمة بؤس يقتل وثمة بؤس يحيي”، هنالك بؤس يبنيك ويؤهلك لحياة جميلة، وهنالك بؤس يهدُّك ويخرّب حياتك على طول. قال لي غيوم :”أنظر إلى حياة بعض الكتاب لترى الأمر بوضوح، فمحمد شكري على سبيل الذكر نموذج سيء(مثلما هي حياة بورخيص وكذا أخ غيوم صديقه)، لقد عاش متوسلا، يتنقل بين دور الأجانب طلبا لكأس نبيذ واستعطافا للفلس من هذا وذاك”. كان شكري الذي عاشره غيوم يسترسل في نحر حياته والإجهاز على قواه في كل يوم. يشرب دونما قياس، غير آبه بصحته، ودونما انتباه لحاله. مما جعله يسرع بمماته، قبل الأوان. عندما وشك موته، قال غيوم، ضمني إليه، وصرخ ،:”لا تنسني غيوم، فأنت وحدك، التجربة، أما الآخرون، فمجرد كلام في كلام du bla bla “. أما النموذج المغاير، فهو مثال صاحبك، يا حسن. قلت له :”مَنْ تقصد؟”فردّ علي :”أنفراي”. أنظر مقاله بلوموند. أكيد أنه فيلسوف بحق، يصنع من البؤس إمكانا للفرح ومن الضعف فرصة للقوة. ألم يعش في دار الأيتام؟ ثم أعلن تَحَدِّيَهُ لكل المواقع الرسمية، مؤسسا للجامعة الشعبية، خالقا أفقا مغايرا للتفكير، فكان له الجاه وكانت له القوة”. يسترسل غيوم في حديثه الممتع، وأبادر بمشاكسته بين الفينة والأخرى فيحكي لي طرفة هنا وأخرى هناك، مرتحلا بي في بقاع العالم بسلاسة منقطعة النظير. قلت له وكيف بلغ بك الأمر أن أصبحت في إيران؟ لكنه رمق كتاب كريشنامورتي بين يدي فاندهش قائلا :”آه …كريشنامورتي ؟” أجبته :”أجل، ثورة الصمت”. مباشرة بدأ يشرح لي موضحا :”كنت ألتقيه بإسبانيا مرة ، مرة بالقرب من” بيلباو”. حيث يجيء لإلقاء محاضراته المعروفة. ثم ينسحب. رجل كله حكمة ورزانة. لا يحب الأضواء، ومقتّر في علاقاته بالناس. كان بـ”أديار”بالهند بمعية أبيه عند سيدة تدعى “Annie Besant” التي كانت تدير جمعية التيوصوفيا، تبنت كريشنامورتي بعدها وهو مايزال في سن الرابعة عشر. ثمة امرأتان لعبتا دورا كبيرا في حياة هذا الولد هما السيدة “بيزانت” والسيدة “لاباسكي” بحيث تكفلتا به على طول، لكنه ما أن بلغ الثمانية والثلاثين من عمره أو ما يعادلها حتى توفيت أمه بالتبني (يقصد بيزانت)، فقطع كل علاقاته مع الجمعية المذكورة، ولاذ بالفرار مشمئزا من الثراء، مؤكدا على أن كل تلك الأشياء التي حظي بها من جاه وغنى مصطنعة ومزيفة. هكذا بادر بالسفر إلى كاليفورنيا، فمكث بها يتفلسف، ويعتزل لوقت ليس بقصير، ملحا على “أن الحقيقة بلد لا سبيل يؤدي إليه”. أما أنت غيوم ؟ سألته. فأجاب: آه …نسيت نفسي. ضحكنا سويا، ثم استرسل في الحديث :أجل، لقد بعثوا لي من إيران، بامرأة (السكرتيرة الخاصة لزوجة الشاه)، تطلبني للحاق بطهران من أجل المساهمة في تأسيس أكاديمية للفلسفة، وذلك بإيعاز من شاه إيران وزوجته. لكني بعدما رحلت هناك وجدتني في مطب عسير المخرج. بحيث ما أن وصلت بأيام معدودة، حتى قال الأطباء الذين حاولوا معالجة الشاه، بأن هذا الأخير آيل إلى الموت لا محالة. فذاع الخبر كالوباء، مما اضطر معه الأمريكان إلى التسريع في البحث عن بديل: فكان هو آية الله الخميني. الذي بدعوة من أمريكا عاد إلى إيران.
 
إن ما يهم بالنسبة لغيوم، هو المعرفة التي نرتوي منها عبر التجربة. لذلك، كان كتاب الطبيعة بنظره أولى للقراءة، من أي كتاب آخر. إني ابن التجربة يقول، سافرت كثيرا، بموجب العمل، ودرست الفلسفة الإغريقية باللغتين اليونانية واللاتينية، ملهمي شيلر وغوته، قصدي إدراك نظام الهضم الخاص بي، السيرة الذاتية ليست هدفي بل هي ما به أستطيع نحث أفكاري، إنها ابستمولوجياي. هكذا ظل الرجل يحيا الترحال لأزيد من نصف قرن من الزمن باحثا عن ذاته كما يقول، ساعيا إلى صياغة شذراته من خلال حياته في حين أن المعهود في كُتَّابنا المعاصرين هو كونهم يصوغون الكتب من خلال الكتب، يكتبون أي نعم؛ لكن من خلال المكتبات .يفكرون، أكيد. لكن دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة للحياة. أما غيوم، فهو يفكر ويتأمل على نحو ما يقصده كريشنامورتي بالتأمل، فنجح في المزاوجة بين الحياة والفكر. وهو بذلك يكاد هنا يوحي لي، بأجنبي آخر يدعى “كونتارين”، مازال حسب علمي يقطن بـ”بين الويدان”، وهي بحيرة تقع بمسقط رأسي، أزيلال، وتبعد عن المدينة بما يناهز 28 كيلومترا، على الطريق المؤدي إلى بني ملال. هذا الأجنبي، الممتع بدوره، سألت عنه بعض معارفي، فأفادوني بأنه اختار أن ينهي مشوار حياته على جنبات هذا السد، حيث الصمت وجمال الطبيعة يفعمانه قوة، هو المهووس بالشاعر ماريا ريلكه. وعلى ذكر ريلكه، لا يفوتني هنا التأكيد على أنه شاعر التجربة بامتياز. يورد في إحدى شذراته موضحا ما يعنيه بالتجربة: “إن الأبيات الشعرية، ليست بمشاعر، بل تجارب. ولكي يكتب المرء بيتا شعريا واحدا يلزمه أن يكون قد رأى الكثير من المدن، والناس والأشياء…”يشرح موريس بلانشو مقصد ريلكه قائلا: “إنه لا يريد أن يقول بأن البيت الشعري، هو ما يُعَبِّر عن شخصية ثرية، تستطيع أن تعيش وعاشت. إن الذكريات ضرورية، لكن من أجل أن تُنْسى، حتى يتسنى في آخر المطاف لكلمةٍ باعتبارها أول كلمةٍ في بيتٍ شعري أنْ تُولَد في خضم هذا النسيان وفي خضم صَمْتِ تَحَوُّلٍ عميق. التجربة تفيد هنا :الاتصال بالوجود، وتجديد الذات في سياق هذا الاتصال- إنها اختبار، لكنه متمنّْع عن كل تحديد.”( Maurice Blanchot ,l’espace littéraire,éd.Gallimard,1955,P.105) .أجل هو اختبار،متمنع عن كل حصر تماما مثل صاحبي الرحالة،الذي بكل صراحة ،يحرص على صيانة عزلته ، رافضا الظهور و ما يتلوه من مجد أو صيت. تأكدتُ من ذلك عندما طلبت منه بإيعاز من أحد أصدقائي الصحفيين، أن يسمح لنا بتدوين هذه الحياة الثرية. فلم يتردد عن الرفض، موضحا لي بأن حياته ينبغي أن يحياها ببساطتها. فالرجل لا يحب التعقيدات و لا اللف أو الدوران. كَلَّمَني متمنعا :”حسن أرجوك، لا يمكن لي أن أسمح باعتقال حياتي بين ثنايا مقالات صحفية. لا …لا… الحياة يكفي أن نحياها، لا أن نعمل على تسجيلها وسجنها”. وبالفعل فالحياة لا يمكن النظر إليها إلا كظاهرة جمالية تستدعي من صاحبها أن يعمل على تحويل كل ما يكونه إلى ضوء وإشراقات. إشراقات يتحصل عليها غيوم بفضل العزلة والتأمل الدائم في عمق الصمت الجميل. الصمت الذي من أجله غيَّر المسكن مرات عديدة وما يزال. فبدون صمت أنا موقن بأنه لا يستطيع أن يستمر في الحياة. لكنه وفضلا عن الصمت فهو يهوى دفء أشعة الشمس، الذي افتقده في العلاقات البشرية، والتي أصبح معها الإنسان محض صفقة اقتصادية بحسب غيوم. ضد هذا المنزع يبحث رفيقي عن أفق آخر كلما أطل من خلف ستاره السميك ليلقي بنظرة خفيفة تجاه حال البشر، فيعود منطويا إلى عزلته.في “إغرم”(منطقة بورززات المغرب) يقول لا وجود للإنسان، بل فقط كائنات ذات عقول من حجر. أما هنا حيث حل مؤخرا، فالناس تُتْقِنُ حرفة التلصص على شؤون الغير. ولا أثر إلا للشواذ، بدءا من الذي اكترى منه المنزل، حتى البقال. كلهم يحشرون أنوفهم في كل صغيرة وكبيرة ولا يهمهم إلا النيل من حيوات الآخرين. أفهم صاحبي وأسفه الشديد جراء قيم الانحطاط التي صرنا نكتوي بنيرانها، لأن لاشيء بالنسبة لغيوم يستحق التقديس، عدا الصداقات الجميلة، تلك التي تجمعك بالفرادات المتميزة، وتسعفك على الازدياد قوة وعطاء. أما الآلات الاجتماعية والأخلاقية التي تفصلك عن ذاتك، فلا طائل منها. وسرعان ما يجب القطع معها.
 
إني بدوري وفي كل الأحوال أتشبّث بعزلتي، وأنا ممتنّ لبوذا وحكمته حيث يقول: “إننا نولد وحيدين، ونعيش وحيدين ثم نموت وحيدين”. فالوحدة هي البداية والنهاية، لكن هذا لا يعني الانفصال عن العالم، بل حسن تقدير المسافات، والتموقع بالنسبة للعلاقات، تماما مثل القنفد فكرتُ، هذا الحيوان الذي لا أحد تكلم لنا عن خصاله، عبر تاريخنا المرير، بل حالما يُذْكر، يُقَدَّم ككائن محتال، ثعلبيّ الملة، في حين أن له مميزات تُقتدى وأسلوبا في العيش أكثر عبرة لمن يعتبر. القنفد يلحّ الفيلسوف أنفراي، كائن نموذجي لبناء الذات، وضبط العلاقات. فهو يدافع عن نفسه دونما مبادرة بالهجوم. يغرف من دفء الحميمية التي تربطه بغيره من القنافد، دون أن يتورط في نيرانها. يعيش أعزب، ويموت كذلك. وبالنسبة له لا يقوم الجنس إلا خارج السقف الواحد ولا يحلو الارتباط بالأنوثة إلا في سياق خارج عن الرسميات. القنفد على هذا النحو حيوان يحتفي بحريته الأبدية ويظل طول عمره يقاتل من أجلها. فهو بذلك ينطوي على حكمة أن يكون المرء مَهْمَا حصل وباستمرار معيار ذاته، يقرر مصير حياته، غير مكترث بمكر الآخرين،عاملا على صنع تفاصيل حياته لوحده،قادرا على تحرير زمانه الخاص، بمنأى عن وصاية أي كان. هذا ما لمسته في غيوم، الذي أبى إلا أن يجعل من زمانه قوة إضافية، تمتزج فيها المتعة بالفرح، ويختلط فيها الصدق بالوفاء. الصدق مع الذات أولا ثم الصدق في الصداقات ثانيا. إذ الرجل لا يكلف نفسه مالا يستطيع، وهو مُصِرٌّ على الوضوح حتى في أبسط رغباته. تسأله مثلا هل نذهب سويا للمقهى، فيرد :”آه …السوسيال…”لا ..لا..أنا سأبقى في البيت” ليس مقصده عدم الرغبة في تقاسم الود مع الغير أو ما إلى ذلك ، بل تفادي ثقل العلاقات الاجتماعية، سيما منها تلك التي تنقلب فيها ومعها المتعة إلى واجب، ويضحى فيها الاستلذاذ إكراها. عندما كنت أساعده على نقل أثاثه إلى منزل آخر، حدق فيَّ وقال:”أترى حسن، أن أثاثي، أثاث رحالة، ومتوحد، بامتياز؟فأنا طيلة حياتي لم أتجاوز هذا القدر من المستلزمات، سرير ومائدتان، كرسيان، وبعض أواني الطبخ…”تذكرت، وأنا أنظر إلى الكرسيين يوم دعاني للجلوس على أحدهما، ما قرأته في إحدى الروايات، حيث الكرسي الثالث حالما يكون، فهو كرسي المجتمع أو السوسيال بتعبير غيوم. أما الصداقات فلا ينبغي أن تتجاوز الاثنين. يتمتع صاحبي بفنون نحن أحوج ما نكون إليها في عصرنا الراهن، وقد أجرؤ على تعدادها كالتالي: فنّ صيانة الذات، فنّ المحاشاة والتفادي، فنّ الاكتفاء بذاته، فنّ المقاومة، فنّ الاستقلالية التامة، فنّ الغندرة… وبفضل هذه الترسانة وغيرها يلوذ صديقي بالعيش في هدوء تام مع نفسه، وحالما ينخرط مع أحد من بني آدم في تعاقد أو ما عداه فهو لا يحمّْل نفسه أكثر مما يطيق. وبذلك ينتهي إلى رسم أفق تحرري لنفسه دونما تكلّف ولا تصنّع، منسجما بخلاف عامة القوم مع قدراته. أستشف ذلك، من قوله لي، عندما تتقلص ميزانيته الشهرية :”أترى حسن لماذا لا أشرب إلا المُغْرَبي؟”. فالرجل بإتقانه لفن حساب الملذات على نحو أبيقوري، يستطيع أن يتفادى منذ البداية كل متعة تعود عليه بالضرر وتزجّ به في الكآبة. زيادة على ذلك فهو من يَستمتع ويُمتِع دون أن يؤذي نفسه أو غيره، وهي لعمري أروع حكمة تُقتدى، إن كان بالفعل لا بدّ لنا من حكمة في الوجود.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق