فاخر محمد.. فنّان تدميريّ

{{1}}

أعني بالتدميريّ هنا، تفتيته للأشكال القديمة، فعندما يأتي بها للوحته لا يبقيها كما هي بل يغيّر من تشكّلاتها ونسبها، وأعني بالتدميريّ تجزئته للشيء كي نرى تفاصيله وقد احتلّت مساحة تجاورت بها مع أشياء أخرى مجزّأة، وأعني أنّه يشظّي شكله من أجل أن يبنيه وعيا وممارسة، وأعني بالتدميريّ أنّه لا يفكّر في صيانة تركيبة قديمة ويستسلم لمعطياتها، بل يفكّكها إلى أشكالها الأوّلية، ليبني عبرها تشكيلات جديدة مغايرة تماما لجذورها، وأعني بالتدميريّ أنّه لا يلتزم بالأشكال المسبقة التي تعيش حياتها معنا أو من تلك التي رافقتنا حياتيا، بل يغيّر من نسبها ومواقعها، كالخطوط، وأعني بالتدميريّ أنه يفكّر في بناء عقليّ غير صارخ لمخيّلة نشطة تعيد تصوّرنا عن الحياة والموت، وأعني بالتدميريّ أنّه يتبع فلسفة الشكلانيين التي تعتمد على بنية الكتلة المنفردة وعلى تجاور الخطوط واعتماد اللون الذي يغطي مساحة أكبر، وأعني بالتدميرية أن لا شكل ثابتا لديه يبقى كما هو، ثمّة عملية تهشيم مستمرّة للأشكال القديمة، تتمّ بعفوية مطلقة وبشعريّة تخرّب كلّ الأشكال الثابتة، لذلك فهو ليس انطباعيا ولا واقعيا ولا سرياليا، بل هو فنّان تعبيريّ تجريديّ، يهتمّ ببناء لوحته عبر أحاسيسه الملتهبة الرؤية، فيعطي لملمسه حضورا بارزا كجزء من انفعالات مباشرة ومعلنة، ويمتهن الخطوط الغائرة في الثقافة الإسلامية وتشكّلاتها المعمارية كجزء من بينة الثقافة المتجهة نحو مصادرها القديمة..

{{2}}

في كلّ معرض لفاخر محمّد ثمّة تجربة جديدة، قد تبدو لوحاته متشابهة، لكنها في حقيقة أمرها عمل غائر في الذاكرة والتجربة الحسية، هذا منطق الفنّانين الكبار الذين يجرون تجريبهم على ما أنجزوه وليس على ما غيّروه من خطواتهم، هذه الثيمة الحرفية الخاصة به، والمستلّة من البيئة وأشيائها المجهرية الصغيرة، تحتاج إلى أكثر من تمرين فكريّ وفنّي وتجريبيّ عليها، كي تستقرّ على تكوين فنّي خاصّ به، ولكنها حتما ستكون مغايرة لما سبقها، فمثل هذه التجارب لا تعرف الاستقرار، تبقى مفتوحة مادامت مشبعة بمحلّيتها، ففاخر لم يرصد أشياء بيئة ساكنة، ولا مؤقّتة، إنّه يبحث في المحلّي عمّا هو ديناميكيّ حركيّ، ولم يدوّنها في مرحلة محدّدة بزمن، بل يفتح زمنها على التواريخ ولذلك لاسكونية زمنية في لوحته، ولم يرها خلال بقعة مكانية معينة، بل يتتبع خطواتها في داخله أوّلا ويتأمّل حركيتها المستمرّة ودأبها على الحضور العينيّ والفكريّ ثانيا، لذلك فهو يمزج بين الثقافة والتجربة،، ثمّ يربط ذلك كلّه بما تعلّمه وفهمه من فنّ الرسم عبر دراسته في الأكاديمية أو اطلاعه على تجارب أو ما أنتجه أساتذته الذين يذكرهم دائما باحترام كبير، خاصة الفنّان شاكر حسن آل سعيد، وها هي أشياء الطفولة والبيئة وتلك اللقى المختزنة في الذاكرة، وتلك التي قرأ عنها أو حكت عجائز زمنه له ما رأينه فيها، تعتمر معه وتحتلّ حيزا من ذاكرته وتجربته وألوانه، كي تستحضر “الآن” وهي في ديمومة الوجود والعدم، ثمّة بناء يتصاعد عبر تكويناته المجهرية والأمبيبية ويغور هناك في أعماق اللون الذي يغطي مساحة اللوحة كلها، لكنّه في الوقت نفسه يدمّرها بالبحث عن بدائل ذهنية لها، ليبني عبر نقضها ما يوازي تجربته المنفتحة على التجريب حيث حديثه عن الإنسان وهو يرى، الإنسان وهو يعايش، الإنسان وهو يفكّر، هو جوهر فلسفته الفنية..

{{ 3}}

في تجربة فاخر محمد، التي تمتدّ على أكثر من ثلاثين سنة، بحث دائم في الشكل، لذا لا استقرار في الأشكال، بل حركة باحثة بين الداخل الذاتي والخارج البيئي، ملتقطا لكلّ الضجيج الذي تحدثه أشياء البيئة في ذاكرته ومجتمعه.. كتبت سابقا عنه مشّبها إيّاه بالرسّام خوان ميرو، خاصّة في المساحات الكبيرة التي يلقي بها أشياءه المحرّكة فتبدو عالما ضاجّا بالحركة، وهو يحوّل أشياء الواقع المجهرية وخطوطها المشتبكة إلى أشياء وأحياء تسبح في فضاء واسع لا تحدّه الأطر أو الأفكار، هذه الأميبية واحدة من نوى التحديث في أوروبا، حين لجأ الفنّ التشكيلي إلى مكوّنات مجهرية تجاوبا بين التصنيع والبيئة، بين حركة المجهريات والبحث عن المشترك العالمي، بين الأشكال البدائية والخطّ، بين العلم والمثيلوجيا، فالبيئة وحدها منطقة تشترك فيها كلّ أفعال البشرية، كذلك العلوم، وبدون تحديد نجدهما- البيئة والعلوم- يتحوّلان إلى ديوان لسجلّ من التجارب الفنية، ليصبح ما تحتويه اللوحة مشاعا للجميع. اليوم لم أجد في معرض فاخر الأخير – كاليري أكّد عام 2009 – ذلك الشبه مع ميرو، ليتكرّر ثانية، بل بحث شخصيّ وخاصّ في البيئة العراقية المحلّية، وخاصة “الحلّة” مدينته المنقوعة بالتراث، في تلك الحكاية التي تتكرر بصريا يوميا، وفي تكرارها ثمّة نموّ للعقلية، فاخر فنان يستثمر العقل كثيرا، بالرغم من عفوية الحركة وتشابه الخطوط، التي توحي بالعفوية والاعتباطية، عقليته تبدأ أوّلا بالبحث عن أشكال جديدة لذلك لا تشبه لوحته اليوم لوحته بالأمس، وتبدأ ثانية باختلاط كتلها وتشابكها في مساحة كبيرة تبدو فيها مغايرة لسياق وجودها البيئي السابق، إنّه يخلقها من جديد ليلغي وجودها القديم، فهو فنان تدميريّ، عندما يضخّ في أحشائها دما عراقيا محليا مغايرا لأيّ سياق مستعار أو محتذى من فنون أخرى.. ومن هنا فتدميريته بنائية، لأنّ ميدانه بكر، ولم يدخله أيّ مجرب غيره، ليس لأنه فهم جدلية أن يملأ الفجوة بين الإنسان والطبيعة بالفنّ كما يقول هايدغر، وإنّما لأنّ أيّ تقليد لتجربته لا يمكنه أن يصل لجدلية المزج بين الحروف والبيئة المحلية، ثمّة قراءة عميقة للثقافة الإسلامية وللحروف العربية ولفنون الأربسك، دون أن تكون ظاهرة للعيان،هذا العمق التشكيليّ، تأمّلي، تراه وتحسّه من تراكيب كتله وألوانه وخطوطه..

ميزة فاخر محمد أنّه شاعر الكتل والخطوط، ثمّة تأثير واضح لشاكر حسن آل سعيد عليه، إذ كثيرا ما يتناول الأشياء المحلية والمغرقة بشعبيتها، ليوزّعها بتناغم شعريّ جميل بدائيّ، وبتراكيب فضائية متقنة، كما لو أنه يرسم خارج أي غرفة أو جدار، شيء من كارل أبل في رسومه، والكثير من تأمّلات شاكر حسن في أعماق روحه، ولذلك لا فرق عنده بين أشياء وحيوات لوحة صغيرة الحجم أو كبيرة، فالسيطرة على الفضاءات تتم عبر تكملة مشروع اللوحة وكتلها، ثمّة عقلية رياضية تمارس ثقلها المعرفي على تنظيم بنية اللوحة، لا أعرف إن كان قد درس الهندسة أو الرياضيات، بما يفيد فاعلية التنظيم الهارموني للكتل وللفضاءات، أما قدرة الأشكال المحلية البيئية في مرونة التشكّل، تمنحه حرية التركيب والتحليل، بالرغم من أنّك تراها متشابهة، لكنها في أعماق وجودها غير متشابهة بالمرة.. هذا العمل الدقيق، يجعل الأشياء تسبح في تناغم لونيّ وتشكيليّ منفتح على التأويل والبحث، يقرّبك من أن تجد فيها متعة حسية، أو فكرة لمّا تزل غير مكتملة البحث، أو قضية سياسية يمكن أن تكون مباشرة، فالتجريد الذي يلجأ إليه في لوحاته، هو تكوينات لكائنات غير مبهمة تتشكل في الوعي وفي البيئة،، لذلك يتحول التجريد عنده إلى خطوط وكتل، جذر هذه الخطوط والكتل مستل من الثقافة الإسلامية، من فنّ الأربسك الذي يكون الواحد فيه هو الكلّ، حيث التكرار ثيمة دينية عميقة وهو أن تجد الشكل الواحد محتويا على أشكال قديمة ومعاصرة، إنه فنّان لتجميع المتشابهات واقعيا وتاريخيا، ليس ثمّة ما يفتعله في لوحاته ولكن هناك ما يقتنصه حين يجمع بين ذاكرته عن حياته وهو طفل، وأحلامه وحكايات البيئة وهو فنّان. ثمّة كيان إنسانيّ مستمرّ النموّ في لوحاته، كيان يقف خلف هذه الجموع المحتشدة من الأشكال ليصهرها في بوتقة التاريخ الشخصي له، هذا الكيان هو المفكّر الباحث عن مجريات القول والتجسيد القديمة، وكيفية إعادتها إلى الواقع ثانية، بالرغم من عصر العولمة والصناعة والاتصالات والعولمة، نحن نعيش في حماية تلك النوى القديمة التي تدخل حياتنا وأحلامنا وخيالاتنا، بأسمالها بهيئاتها القديمة، وكأنها تمتلك الحقّ بذلك، بالرغم من أننا ابتعدنا عنها، وقد صيرتنا كائنات عاقلة علنا نعود كلما وجدنا فرصة إليها، فهي المجهريات البشرية الأولى لكياناتنا، هذه الإنسانية المتشظّية الموزعة ليست غريبة عن تركيبة المدينة الحديثة، وثقافتها، بالرغم من ريفيتها وبيئتها القروية.. المدينة هنا بمعناها الفني هي الحاضنة للتجريب، تكمن لغة المدينة في الفنية، في صياغة مشروع الرؤية، في تجسيد تلك الطفيليات واستحضارها فنيا، في تلوينها وخطوطها وكتلها وسيرورتها حية تواجه أعيننا ومساراتنا وأفعالنا، في العودة إلى حداثة المدينة الأوروبية، في استنهاض القيم المحلية، دون أن تلغي اللوحة ثقافة وهيمنة السوق والعولمة، فاتجاه أن نجعل البيئات القروية الصغيرة متناغمة في جسد المدينة الكبير، هو جزء من فنّ ما بعد الحداثة..

ليس من تاريخ معلن لأشياء فاخر محمد في لوحاته، كل التواريخ تنصهر في الآن /المكان، هذه الحيوات الضاجة بالحركة والفعل والتشكيل تعيش في كل الأزمنة وكل الأمكنة، وقد حاول الفنان أن يجعل منها خطابا عالميا للروح البدائي الذي يكمن في فكرنا وممارستنا بمواجهة الحروب والتسلط، إنه الخيال الخلاق الذي يعيد تشكيل الواقع المجرد بصور مقروءة ومعاينة وبحسّ ثري، لذلك تبقى لوحته حية ومتناغمة مع الحداثة، باستبطانها المدينة وثقافتها. وعبثا يضع عناوين للوحاته، أو أسماء، كل لوحاته تتجدد بالعنوان الكبير لها، وهو جدلية البيئة المحلية المرئية بعين المدينة..

{{4}}

للمكان في لوحات فاخر محمد حضور مهم وفعاّل، ليست لوحته تجريدية بحث بل ترسو لوحته على أمكنة عراقية غائرة في العالمية، ارض الحلّة- بابل- وبيئتها الشعبية المستعارة من أرض الرافدين الغنية بالموروث والتراث والحكاية والفكر، إنها تستقرئ لك البيئة الجنوبية والوسطى، ليس ثمة جبلية فيها، بل تلك التي نرعى جميعا من خيراتها، البيئة أو المكان هنا ليس جغرافيا مؤطرة بحدود ومسميات، أنها اللوحة ذاتها وقد جسدت كل الجغرافيات بأشيائها الصغيرة والمجهرية وبتشكيلاتها المغايرة حتى لنفسها.. الجغرافيا في فنية فاخر ولود حية فاعلة وطاقة على تنشيط المخيلة، وقدرة صورية على الابتكار والتلوين، وفعل لا ينضب من الدوران حول طبقاتها وحفرياتها، فمنها يطل على العالم ويطل العالم عبرها على اللوحة، لذلك ثمة جدلية خلاّقة تصنع من البيئة المحلية رحلة نحو المجهول، لذلك الذي لم نره، ولم نختبره، فاللوحة تعيد تصورنا عنه، بل وتبتكره، هذه الجدلية تعيش في الوقائع قبل المخيلة تتفاعل مع المشاهد ليضيف إليها، وتغتني بالفنون العالمية فتجد امتدادها فيها….

ثمة تركيبة مختبرية نراها في أعمال فاخر لم أجدها لدى الآخرين وهي إلغاء الحدود بين الألوان ضمن التشكيلة الخاصة بالأشياء، فهو يدمج بين ألوانه ضمن سياق شعري، تأملي، يلغي بينها فواصل النسب وهوية الخطوط، لأنه يميل إلى تكوينات متداخلة الحيوات والأزمنة، لذلك تتداخل ألوانه وتندمج في وحدة كونية خاصة وكأنها تتبع سيرورة هذا التداخل، فليس ثمة حواف صلبة عازلة لأي كتلة، بل مرونة ورخوية ضاجة تتجاوب والمشاعر، لذلك تميل أشكاله للتشابه في حين أنها ليست كذلك، لأن لوحته بالرغم من تجريديتها تتحول من المفاهيمية إلى التعبيرية، ومن الواقعية إلى الرومانسية الغنائية، ثمة رومانسية ريفية كامنة في أحشاء مخلوقاته، وإلا لما تجاورت ذاتها داخليا وكونت هذه التركيبة الغنائية الجميلة المنطلقة في فضاء اللوحة، وثمة كورس غنائي كبير يشكله فاخر من أشيائه يمارس فعل التكملة، هذا الكورس المختزل هو الطاقة التجريدية لأشياء الواقع وقد صيرت ذاتها تكوينات تستفز حياتنا البدائية وتستخرجها من مكنونها الخيالي لتندلق بها على القماشة وقد ابتسمت في وجوهنا كي تتشكل كما لو كانت على مسرح عرائس بطريقة مغايرة لما كانت عليه بالأمس..هذه الحركية تنسجم وروح فنان يجد العالم كله منصهرا في البيئة المحلية. هل ثمة سخرية معاصرة في لوحاته؟ ربما ،فالسخرية اليوم إحدى أهمّ نوافذ الفن الشعري/ الفني،هذا التهكم هو جزء من فنون البحث عن الجذور المشتركة مع المعاصرة، فن ما بعد الحداثة يميل بوضوح للسخرية أسلوبا ومادة..

{{ 5}}

ثلاث مصادر كبيرة تمارس ضغوطها على ثقافة القرن العشرين وما بعده:

البعد المثيولوجي، متمثلا بالبعد المحلي والثقافة البدائية الكامنة في أشيائنا وحياتنا. وفي الفن يتمثل هذا البعد في البحث المستمر عن المصادر القديمة، كما لو كنا نعيد أي مصطلح نقدي حديث إلى اللغة اليونانية..
البعد الفلسفي الذي ينظم بنية العقل ومصادره، وهو بعد لا يستغني عنه أحد حتى لو لم يمارسه. وفي الفن يكون التركيب والتنظيم ممثلا لهذا البعد.
مزج الثقافة المحلية بثقافة المدينة، فليس للمدينة ثقافة بلا جذور، كما لا تبقى ثقافة القرية والريف عاجزة عن الدخول إلى المدينة، خاصة وان مدينتنا الشرقية هي مكون مزدوج، وفي الفنون التشكيلية، نعيد بها أشكالنا القروية بتقنية فنية حديثة..
ففي لوحات فاخر ثمة بعد مثيولوجي، ليس لأنه يقيم على بقايا أرض بابل القديمة وحكاياتها وريفها، وإنما لأن حداثة اليوم تجد تمثلاتها وهي تستخدم التقنية الحديثة في المثيولوجيا، هذه المثيولوجية الضاجة بها تكويناته، وأفعال، هي أزمنة وأمكنة، هي أحياء مبهمة وميتة، أشياء أتت عصرنا، لا لتحكي حكايتها القديمة بل لتباشر حضورها معنا بوصفها كائنات لما تزل حية، فالمثيولوجيا قد تفرض رؤى كثيرة من بينها الرؤية الدينية وما رؤية فاخر دينية إلا أنه متمسك بما تحت القديمين من أعماق، دون أن يرفع يده بدعاء إلى السماء، إنه هناك، في الحفريات والمستنقعات والتلال، مصاحبا لعمال التنقيب والمجاهل ولبقايا الحكايات، انه هناك يعيد صياغة رؤية قديمة / حديثة للمدينة، بأسلوب بصري شعري، وبكثافة لونية مركزة، وبانعدام الفواصل بين الأشياء. قد تكون ثمة انطباعية خفيفة تشف من بين ألوانه وكتله، ولكنها انطباعية حرر نبضها اللون من ارتباطها ببيئة معينة وألغى قوة وفاعلية الضوء المعتمدة على قدرة اللون في إظهار مكنون الشيء وقدراته المبهمة، هذه تعبيرية وليست انطباعية، لذلك لجأ فاخر إلى شيء من التشويه، كي يحقق للشكل الفني انسجامية بصرية، لأن مادة الأشياء الطبيعية ليست بمعزل عن سمائها ومائها ومكانها، فبدت كما لو كانت أشياء بهيئات بشرية، هل هذه خبطة فنية، أم بحث عن مدرسة؟ أعتقد أن مسعى فاخر سيغير الكثير من مفاهيمنا المدرسية عن المدارس وأشكالها، أنه يبحث في المرئي واللامرئي معاً، في الحياتي وفي الخيالي، في الواقعي وفي السحري، في الممكن وفي المحتمل، وبحث كهذا لا يقف عند مدرسة أو اتجاه بالرغم من توصيفاتنا السابقة عنه، أنه بحث عن مثيولوجيا جديدة تلائم سياقات المدينة في المثيولوجيات القديمة..

في الجانب الآخر عبثا يتحرك الفن التشكيلي خارج أطر الفلسفة، بالرغم من أن أحدا من الفنانين لم يدّع أنه قرأ أو اهتم أو تمثّل فلسفة ما، كل ما نعرفه عن فننا العراقي، أنه يوازي الفنون العالمية، وإن لم يَفُقْها، وهذه حقيقة معروفة للجميع، ولكننا لم نجد ناقدا قد أعطى بعدا فلسفيا للفنّ العراقي أو أهمية يمكنها أن تسلط الضوء على إنتاج الفنانين العراقيين وأفكارهم، وهي حقيقة يبدو تجاهلها مؤقتا بعدما وجدنا أن الكثير من لوحات فنانينا تتجاور مع لوحات فنانين عالميين، حيث يجري الحديث نقديا عن اللوحة، وعن علاقتها بفلسفة الحداثة وما بعد الحداثة، بينما نحن نخجل من الحديث عن فلسفة الفنان أو اهتماماته الأخرى، التي لو سلطنا الضوء عليها لمنحت اللوحة جمالية وبعدا فكريا ..

فاخر محمد كما يبدو من معارضه واهتمامه، يميل إلى العقائد الفطرية، لطبيعتها الكونية كما يقول ليونيللو فينتوري بهذا الصدد، وهذا الميل يشير إلى أن حساسية الفنان بعيدة عن التمثيل الواقعي لهذه الأشكال الفطرية، فاخر محمد يمزج بين الفطرية والتجريبية، وهو بهذا يمزج بين فلسفتين، فلسفة أفلاطون التي تقول بأن الحقيقة ليست إلا جهاز أفكار مجردة عن الواقع، وفلسفة أرسطو التي تقول إن الحقيقة هي الواقع ولذلك ثمة قيمة كبرى للأفكار عنه، في حين أن “كانط” جاء بالمزاوجة بين الفطرية التي عليها الوقائع، والتجريبية التي عليها الفنان، فاخر في هذه الدوامة من الفعل الفلسفي دون أن يعي أنه وهو يتعامل مع الفطرية الكائنة في الطبيعة يبني عبرها أفكارا واقعية معاشة ومهيمنة، خاصة في الأربعين سنة الأخيرة، حيث يمكنها أن تؤسس رؤية لفهم العالم كله، دون أن يعني ذلك أنه يتجرد من مشاعره وقواه الذاتية ورؤيته لما يحيط به من ويلات ومشكلات وحروب. فلوحته تمزج بين الحسي والعقلي، وهذا ما يجعله تجريبا باستمرار.. لذلك يبتعد فاخر عن تصوير الأجسام البشرية، كي لا يجسد مألوفا وإن لم تخل من تجسيدات تجريدية للإنسان، ويذهب إلى تصوير الأحياء المجهرية والموروثات القديمة، والمركبات الهلامية الحية، وهي تختلط هيأة وتراكيب مع الإنسان.. وهذا يعني أنه يبتعد عن السطح وعن الإضاءة المباشرة، وعن الانطباعية، وعن الواقعية الفوتغرافية.. أنه هناك في قلب الأعماق، يستحم بكائناته مع عشتار ودموزي، ليخرجها في كل ربيع للعالم وهي بأشكال تجريدية جديدة..

ربما نجاهر بالقول إن فنّ فاخر ينتمي لما بعد الحداثة، أنه يسبق زمن اللوحة العراقية الراسية على قواعد وأسس مدرسية، لذلك تبدو لوحته تستحم في هذا القلق الوجودي الذي وجد ضالته في الأشياء المهملة والمتروكة والمتكورة على ذاتها، والمكتفية بمناخ المحلية والعزلة والتشظي، هذه محاور مهمة في لوحة ما بعد الحداثة، ولنقل أن فاخر محمد كان سباقا ومنذ عشرين سنة للتعامل مع أجواء غريبة عن أجواء اللوحة الواقعية، صحيح أن التجريدية هي المهيمنة على لوحاته، لكن موضوعاته ليست مكتشفة إلا بعد أن مهدت ما بعد الحداثة أسساً معرفية للكشف عنها.. ألا تلاحظون معي ثمة سخرية وفنتازيا كامنة في لوحته، تباشر رؤيتها لنا عبر تحولها من رسم الطبيعة والوجوه البشرية والموضوعات السياسية والاجتماعية الحديثة وتذهب إلى هناك، حيث اختلاط المعاني والأشكال، إلى البدائية حيث السخرية تتشكل عبر هلامية الأشكال ولا محدوديتها، وحيث التشظي هو القوة الفاعلة التي تكون لنا أشكالا غير متشابهة، هذا العالم بحق هو عالم ما بعد الحداثة،عالم جزئي، ومرحلي، ومحلي، ومناطقي، واميبي، وبأبعاد صغيرة ..وفي السياق المعرفي لهذه الأشكال التي تحاكي مكوناتنا المادية والروحية، أن لا زمنية محددة لها، ماضيها هو حاضرها ومستقبلها، وهذا يعني أن أهميتها تكمن في تشكيلاتها الآنية، وليس في دلالاتها وموضوعاتها، العالم من حولنا ممتلئ بمثل هذه الجزئيات التي تشكل بمجموعها لغة حديثة، ربما يكون التشيؤ الاقتصادي المشوه البنية قاعدة لها،نحن لا نعيش عصر الرأسمالية كي نتشيّأ، ولكننا نعيش عصر الفوضى المدمرة بنماذجها السياسية والثقافية والاقتصادية، وقد هيمنت على الساحة ومقدرات الناس، فبدت سلطتها قامعة ومؤثرة وسلطوية، وعقائدية، لذلك لجأ الفن والثقافة إلى التجزيء والتشويه والتشظي والفردانية أيضا، كي تواجه هذا البعد السياسي، وهو يفرض أجندته على سياقات كانت شبه متماسكة، كي يفككها ثانية ويشظيها ويوزعها، هذا التفكك الذي اعتمده السياسيون أسهم في اغترابنا عن أشيائنا، عن بيئاتنا، عن محليتنا، وصيرنا كائنات معزولة نعتمد على ذواتنا الصغيرة في المواجهة، ولذلك كثرة المشاريع الفردية وتعددت الجزر السياسية، وتشظت التنظيمات الحزبية، وتنوعت القدرات على لملمة مشهد غير واضح.. أن ما نعيشه اليوم من اضطراب هو جزء من بينة مفككة يزيدها الاقتصاد المشوه،تفكيكا وشرذمة، وبالطبع سيكون مثل هذا الواقع قوة ضغط كبيرة، على الفنون والثقافة، وعبثا نتجاوزها، لأنها مرفوضة من قبلنا،أو مقبولة من قبل السياسيين، بل قوة تمارس سلطتها المعرفية المشوهة على الواقع، فثمة ماء يجري تحت أقدامنا يغير من اتجاهات السير،ويقلل من الحركة الممنهجة. هذا هو واقع ما نعيشه ونمارسه في مدينة اليوم، فكيف بنا نطلب من الفنون أن تكون مغايرة ومضادة لمنهجية مفروضة بقوة السلاح والعقائد على المدينة وفنونها؟ الفنان فاخر محمد قد يكون على دراية بهذا التمزق والتشرذم، فهو يعكس في لوحاته حقيقة معاشة، من أن مجريات الواقع وتراثياته المرئية والمتخيلة، أصبحت بفعل هيمنة الاقتصاد المشوه والعقائد، سلطة معرفية تمارس حضورها اليومي على أفكارنا ولوحتنا الفنية، كما تدخل في تنظيم هندسة الشارع والبيت والمؤسسة، فتجزئ الوظائف وتعدد المناصب، وتعيد تشكيل الواقع وفق سياقات رفضها العالم..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق