فاروق بيلدرجي أو الكتابة كبطولة

في تقصيه لسيرة الناشطة السياسية الكردية ” ليلى زانا ” في كتابه الجديد ” yemin Gecesî” – ليلة القسم- يعلن الكاتب والصحافي التركي فاروق بيلدرجي أن هدفه ورؤيته من الكتاب غير قائمة على سياق رؤية المروي حوله ( وهنا هي الناشطة الكردية ليلى زانا) كبطل أو ذات إنسانية خارقة، بل فقط محاولة الكشف عن مسارات أخرى وتيارات أخرى في بنية النخبة السياسية الكردية في تركيا، وذلك لتعميق الحوار بين الأكراد والأتراك في ” تركية الواحدة “.

ويضيف في نفس السياق: ” وبذلك أنا متحرر تماما من طغيان شخصية المكتوب عنها على ذاتي ككاتب بالرغم حضورها واستحواذها الكاريزمي الطاغي. فتتبع الحياة الخاصة والعامة للسيدة زانا، ومحاولة عزل ما هو حقيقي عن القسم المتخيل والمؤسطر واكتشاف العوالم والأحاسيس النفسية الداخلية لها ، وبناء علاقة سليمة قائمة على الود من طرف والحفاظ على مسافة مناسبة للضرورة، وذلك بغية أن لا تطغى ذات المروي حولها على ذات الراوي من طرف آخر، وتقديم نموذج عن السياسيين الأكراد غير متوفر عادة للقراء باللغة التركية، لكنه حقيقي في وجوده في الساحة الكردية في تركية . بالضبط هذا ما كنت أعمل عليه طوال السنوات الثماني الماضية”|.

قارئ الكتاب سيكتشف بسرعة فائقة ما هو العكس، أي طغيان كاريزما الراوي على نظيرتها للمروي حولها ” ليلى زانا ” وذلك لسببين وجيهين :

{{أولا :}} مدة السنوات الثماني التي قضاها بيلدرجي في إعداد كتابه، والتي تساوي حسابيا من الزمن ما يكفي لتحضير رسالتين في الدكتورا، تكشف مدى الدقة العلمية والإرهاق الفكري والجسدي الذي عاناه الكاتب لتحقيق ما يبرهن عليه ( وجود سياسيين أكراد جديرين بالتعارف والكشف والحوار ) في 448 صفحة من القطع الكبير، تلك البرهنة التي لم تعد تشفي غليل الأغلبية الطاغية من الكتاب الراغبين في عالم النجومية والكاميرات.

يضاف إلى ذلك أن البحث قد بدأ في عام 2000 ، أي في الوقت الذي لم تكن فيه السيدة زانا ذائعة الصيت . فقد كانت مجرد واحدة من البرلمانيين الأكراد المحبوسين ( سُجن عشرة برلمانين أكراد في تركيا عام 1994 بتهمة مساندة حزب العمال الكردستاني المحظور، وأطلق سراحهم عام 2004، وكانت زانا منهم ) . ولم تكن قد نالت بعد جائزة ساخاروف لحقوق الإنسان من البرلمان الأوربي ( نالتها ليلى زانا عام 2005 ) مما أكسبها شهرة واسعة في الأوساط السياسية والثقافية الأوربية، ولم تكن الأجواء السياسية والشعبية العامة في تركيا، مثل الوقت الراهن، راغبة في فتح نقاش سياسي مدني مع الأقلية الكردية. وفي كل ذلك ما يثبت الحدس السياسي الخارق لبيلدرجي . كما أنه يكشف عن قدرات المثقف العضوي الساعي إلى كشف كل الممكن في قلب التاريخ، الممكن المقوض لأسباب العنف والصراع في المجتمع الذي يحيا فيه المثقف . وذلك بفتح مسارات الحوار والنقاش بأوسع قدر ممكن .

{{ثانيا :}} ينتمي بيلدرجي بأصوله السياسية إلى اليمين القومي المحافظ ( الأتاتوركيين ) . فهو كاتب يومي في صحيفة ” الحرييت” المعبرة عن مزاج ذلك التيار. مما يعني أنه قد نشط في حقل قد لا يوافق مزاج قرائه ووسطه السياسي . وهو رهان بالغ الخطورة على مستقبل المرء وشعبيته، في دولة ذات مزاجية حادة في فهم المسألة القومية مثل تركيا . خصوصا إذا ما أدركنا أن مسألة السياسيين الأكراد المعتدلين من أمثال السيدة زانا تقترن في الصحافة والرأي العام التركي بالعموم بالموجة الهادئة الراغبة في نحت جسد ” الأمة التركية ” لكنها في النهاية تبقى راغبة في نحت جسد الأمة بغض النظر للأسلوب الذي يتبعونه حسب رأي الأتاتوركيين. طبعا هنا لا داعي للتذكير بما تعنيه عبارة ” الأمة التركية” في الأيدلوجية الاتاتوركية، ومدى ما قد تسببه لمن يحاول مسها، كحقيقة أو كأيدلوجية. لذا فأن عمل بيلدرجي يندرج في سياق هز المثقف للبنى الفكرية الجامدة في عقلية جماعته البشرية . هز يقع في الوسط بين منزلتي الرجم والتبعية .

لاقى الكتاب بعد صدوره بأسابيع ( صدر في شباط 2008 ) أصداء واسعة في كل الرأي العام في تركيا . حتى أن الكاتب الصحفي التركي الأشهر محمد علي بيراند قد كتب في صحيفة الملييت بعد صدور الكتاب بأيام : هل كنا بالفعل نجهل كل هذا الأشياء الواضحة ؟!! . وهو ما كان بيلدرجي قد قاله في أحد أجزاء الكتاب 🙁 حينما ارتدت تلك النائبة الصغيرة ليلى زانا عام 1991 العلم الكردي في البرلمان التركي، ورفضت ترديد القسم بغير لغتها الأم، اللغة الكردية ( ومن هنا منبع تسمية الكتاب بـ ” ليلة القسم ” ) .

أحدثت صاعقة في وجداننا القومي، وصورناها كالزرافة التي لن تنحني إلا بكسر رقبتها، لكن بعد طول متابعة وحوار، اكتشفت، ولو بشكل شخصي، أن تلك الزرافة ليست سوى قطة لطيفة ! ) .

وهل للمثقف من مهمة وبطولة سوى تفنيد تلك الأوهام التي تصور قطط العالم وزهوره في شكل زرافات وذئاب ومدافع وصواريخ… الخ . تلك الأوهام التي تقوض رغبتنا في العيش سوية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق