فاروق حسني وطريق الوصول الصعب الى اليونسكو / حمدي رزق

صحت القاهرة على الترجمة العربية لمقال نشرته صحيفة «الموند» الفرنسية يعرب فيه وزير الثقافة المصرى فاروق حسني عن إعلانه في العام الماضي انه على استعداد لحرق اي كتب عبرية يجدها فى المكتبات المصرية.
في المقال الذى أدهش القاهرة جمعاء جاء تحت عنوان « لماذا أنا مرشح ؟« يقول فاروق حسني «إنني رجل سلام، وأعلم أن السلام يعني التفهم والاحترام، وباسم هذه القيم أريد أن أعود عن الكلمات التي تفوهت بها في ايار الماضى، والتي اعتُبِرت دعوة إلى إحراق الكتب بالعبرية، وأثار هذا التصريح صدمة وأتفهم ذلك».وأضاف: «أريد أن أعرب عن أسفي لكل ما قلته»، وقال: «هذه الكلمات تتناقض مع شخصيتي وقناعاتي».
مقال حسني جاء تاليا لتغيير قدّره البعض بنحو 180 درجة فى موقف الدولة العبرية من ترشيح وزير الثقافة المصري «فاروق حسني»، لمنصب مدير اليونسكو. قال متحدث رسمي باسمها قبل أيام وبصورة غير منتظرة انها لا تمانع في ترشيح فاروق حسني ، ولن تقف ضد هذا الترشيح، خصوصا ان القاهرة تصر على الترشيح .. وان هذا يقرب وجهات النظر بين البلدين.
الرأي العام في مصر انقسم على نفسه تجاه هذا التغيير العاصف في موقف الدولة العبرية، فريق يقول ان هذا التغيير سببه تقارب بين أفكار فاروق حسني الذي أعلن أنه سيزور الدولة العبرية بشروط أهمها تحقيق السلام في المنطقة، وأنه سيكون محايدا تجاهه حين يتولى منصب مدير اليونسكو، وان الدولة العبرية تكافؤه على هذا الموقف، وفريق آخر يقول ان فاروق حسني ذاته ليس المعني بهذه الرسالة، وانما هي القاهرة التي بات على تل أبيب استرضاؤها بشتى السبل، بعد أن أظهرت القاهرة ـ الممسكة وحدها بالملف الفلسطيني اليوم ـ عدم رضاها عن الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وبطرق عملية.. وبعد أن حددت شخص ليبرمان ـ وزير خارجية الدولة العبرية ـ كشخص غير مرغوب فيه في مصر، كونه لديه تاريخ من العدائيات ضد القاهرة بالأفكار والتصريحات.
والحقيقة أن التفسير الأخير أقرب الى الواقع، وربما يحار المرء من مفارقة متحققة الآن هي أن الحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة نتنياهو هي التي وافقت على ترشيح فاروق حسني، وان الحكومة الوسطية التي تتبع «كاديما» برئاسة أولمرت هي التي كانت ترفض ترشيح الوزير المصري لليونسكو. لكن الغرابة تنتفي لو أدركنا أن ما تغير هو الظروف وليس الأشخاص، فالحكومة اليمينية اضطرت الى استرضاء القاهرة اضطرارا، فيما كانت ظروف الحكومة الوسطية لأولمرت مغايرة تماما، وكانت أولوياتها مختلفة.
عموما، يبقى ملف اليونسكو مفتوحا الى إشعار آخر.. في القاهرة، يدعم الرئيس مبارك ترشيح الوزير فاروق حسني من دون حدود لهذا الدعم، ولموقف الرئيس أسبابه، ويمسك وزير الخارجية «أحمد أبو الغيط» بملف الترشيح ويباشره بتوسع منذ كلفه الرئيس بذلك، فيما يبدو الوزير فاروق حسني ذاته عازما على مواصلة القتال في هذه المعركة الى النهاية، والوصول إلى النصر فيه..وفي الخلفية تبدو مواقف بعض القوى في حاجة الى تفسير / منذ بداية المعركة وحتى اليوم.
الموقف الإسرائيلي
على الرغم من موافقة الدولة العبرية رسميا على تعليق رفضها لترشح فاروق حسني لليونسكو، الا أن كثيرا من القوى في إسرائيل لا تزال على رفضها لترشيحه، وتصف فاروق حسني بأنه «معادٍ لإسرائيل». ونقلت بعض الصحف العبرية عنه قوله أمام مجلس الشعب المصري في 10 أيار ـ مايو من العام 2008 «إنني مستعد لحرق كتب إسرائيلية في حال عثرت عليها في المكتبات المصرية». واعتبر بعض المحللين العبريين المتطرفين أن هذا نوع من خضوع الدولة العبرية لارادة القاهرة التي تسعى حكومة نتنياهو لاسترضائها بكل السبل تكفيرا عن ذنوب ليبرمان.
وتوقعت صحف من الدولة العبرية أن يؤدي تعيين حسني أمينا عاما لـ«اليونسكو» إلى «موجة جديدة من المبادرات المعادية لإسرائيل»، بعد أن وجّهت «اليونسكو» في الماضي انتقادات لإسرائيل خصوصا فيما يتعلق بالحفريات الأثرية في القدس الشرقية والضفة الغربية
حسني بعد الموقف الأخير لحكومة نتنياهو بات يحظى بتأييد 31 دولة من أصل 58 دولة لها الحق في اختيار الرئيس القادم لليونيسكو في الاقتراع الذي سيجري في أيلول/ سبتمبر القادم .
الحقيقة أن الدولة العبرية، منذ مجيء فاروق حسني لمنصبه كوزير للثقافة في العام 1987 وقفت منه موقف المستريب ثم المعادي ، كونه الوزير الوحيد في الدولة المصرية الذي حافظ طوال الوقت ـ 22 عاما تقريبا في الوزارة ـ على مناهضته للتطبيع الثقافي مع الدولة العبرية ، وتضامن في موقفه هذا مع مجموع المثقفين المصريين الذين يناهضون التطبيع منذ توقيع المعاهدة السلمية بين القاهرة وتل أبيب قبل 30 عاما من اليوم.
وبالتدريج تراوح الموقف العبري من فاروق حسني ما بين العداء له وما بين اتهامه المباشر بالعداء للسامية، وهو اتهام يعني ـ لو تم ترسيخه في ذهن الدول الكبرى ـ أن الرجل لا يمكن أن يتولى أية حقيبة رسمية دوليا، وهو الأمر الذي سعى فاروق حسني لنفيه طوال حملته في الفترة الماضية لحشد أصوات الدول الثماني والخمسين التي ستوصله لمنصب مدير عام اليونسكو.
وحاول الوزير ـ ولعله نجح حتى الآن في هذا الى درجة ملموسة ـ في التفريق بين اليهودية والصهيونية وبين التراث الإنساني وبين الدولة العبرية، وحصد قبل موافقة إسرائيل 30 صوتا من بين 58 صوتا، لكن المنظمات الصهيونية الدولية وكذا قطاعات كبيرة من الدولة العبرية ـ بعيدا عن حكومة نتنياهو ـ لا تزال على رفضها لترشيح حسني أولاً لكونه عربيا وثانيا لكونه مناهضا للتطبيع طوال فترة وزارته.
مواقف أخرى
برغم أن وزير الخارجية الفرنسي «برنار كوشنير» أعلن الصيف الماضي تأييد بلاده لترشيح فاروق حسني كمدير عام لليونسكو إلا أن البعض من المثقفين في القاهرة يقول ان الوزير الفرنسي لا يحبذ وصول فاروق حسني للمنصب، وأن كوشنير هو في النهاية يهودي ولديه شيء من التعصب، كما أن دولا أفريقية مثل بينين تربطها علاقات وثيقة بفرنسا رشحت أشخاصا في مقابل ترشيح فاروق حسني، ويدور كثير من اللغط في هذا السياق.
والحق أن كوشنير الى اليوم والحكومة الفرنسية برمتها وكذا الرئيس ساركوزي ، يبدون جميعا موقفا قويا جدا في تأييد فاروق حسني، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية لهذا أو لذاك,ورسميا لم يصدر عن باريس تصريح واحد معادٍ لترشح الوزير المصري للمنصب.
والحقيقة كذلك ان دول الاتحاد الافريقي جميعا كانت اعلنت تأييدها لترشيح فاروق حسني لليونسكو، حتى بينين التي قيل انها ضد ترشيحه وستضع أمامه مرشحا مقابلا.
من وراء هذه الشائعات اذن؟
يبدو أن ثمة لوبي معاديا لترشيح فاروق حسني سواء في الغرب أو داخل مصر، وهذا اللوبي وان كان لا يعلن عن نفسه جهاراًُ، الا أنه نشط في عدائياته ويتخذ من الشائعات سلاحا ماضيا ـ فيما يظن ـ ضد الترشيح، للشوشرة عليه.. والحقيقة أن ثمة تشابها بين الترشح لمنصب اليونسكو وبين البورصات الدولية، الشائعات هنا وهناك مؤثرة للغاية، لاسيما ان كان المترشح عربيا، وعلى وجه الخصوص لديه تاريخ من كراهية الدولة العبرية ضده وضد أفكاره!
عقبات
لا نقول انه مع ما تحقق للمرشح المصري فاروق حسني من دعم ومساندة من الرئيس المصري حسني مبارك ومن الدولة المصرية على اختلاف أجهزتها، صارت الطريق أمام ترشيحه مفروشة بالورود، لا..بل إن ثمة عقبات لا تزال في الطريق، الذي يتبقى على الانتهاء منه ما يقرب من أربعة أشهر، فتسمية المدير الجديد ستكون في أيلول ـ سبتمبر المقبل.

لعل واحدة من أبرز هذه العقبات موقف بعض الدول على جانبي الأطلنطي من ترشيح فاروق حسني.
مثلا ألمانيا لا تزال متحفظة على الترشيح الى اليوم، وكذلك لم يصدر عن الولايات المتحدة الأميركية ـ رسميا ـ ما يفيد أنها باتت تدعم ترشيح فاروق حسني للمنصب، وثمة مثقفون وكتاب مصريون من شتى الاتجاهات، رفعوا مطالبات إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما عشية زيارته المرتقبة للقاهرة ـ 4 حزيران، يونيو المقبل ـ والتي يزور فيها العاصمة المصرية ليلقي من خلالها كلمته الى العالم الاسلامي، لكي يدعم ترشيح الوزير المصري لليونسكو.
ربما..ولو ان أحدا لا يستطيع ان يراهن على موقف الرئيس الأميركي الذي تقود بلاده في المجال الثقافي والاعلامي مجموعات ضغط صهيونية تقف ضد ترشيح الوزير المصري.
ولكن لو صح أن أوباما سوف يقف مع ترشيح فاروق حسني لليونسكو ، فسوف يكون لهذا تأثير ضخم لصالح الملف المصري، كون الولايات المتحدة لها دور كبير وتأثير واسع النطاق داخل هذه المنظمة سواء من حيث توجيه سياساتها او من حيث تمويلها ايضا، ما سيجعل لموقفها تأثيرا مهما على من لم يوافقوا بعد كألمانيا مثلا.
على أي حال تتبقى شهور أربعة، يمكن أن يزيد فيها عدد الدول التي وافقت ويقترب العدد من الرقم 58، وربما لا يحدث ذلك، فملف اليونسكو واسم فاروق حسني تقاطعا مثلما لم يتقاطع ملف ثقافي مصري آخر مع ملفات سياسية بالغة التعقيد، وان كان الأمل الى اليوم في نجاح الوزير المصري يتزايد والحلم يقترب من التحقيق، فهل يتحقق برغم العقبات أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ سؤال لا يجيب عنه سوى الزمن.

عن جريدة المستقبل – ملحق نوافذ 31//5/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق