فتاوى قمّة الدوحة، فتاوى قمّة الكويت

لم يحصل أن تراشق المسلمون بهذه الكمية من الفتاوى والفتاوى المضادة، كما أنّه لم يحصل أن اختلف العرب إلى درجة عقد قمّة لكلّ طرف. وهذا دليل واضح على خضوع الديني للسياسي، ففتاوى جماعة قمّة الدّوحة واضحة، وفتاوى جماعة قمّة الكويت جليّة.

سيسارع البعض لشرعنة الظاهرة بالتذكير بمبدأ “الاختلاف رحمة على المسلمين”. غير أنه إذا كان الاختلاف محمودا بالنسبة للفتاوى المتعلّقة بالمعاملات الاجتماعية الخاضعة لعوامل الزمان والمكان والعرف، فإنّ اختلاف الفقهاء في القضايا السياسية كان في الأغلب نقمة على المسلمين. والتاريخ يشهد على الفتن التي انطلقت شرارتها الأولى من موقف رجل دين أو زوجة رجل دين. كما تشهد مدوّنة صحيح البخاري على التلاعب بالأحاديث خدمة لتوجهات سياسية.

فالبخاري لم يرو لجعفر الصادق شيئا، وهو حفيد الرسول، كما لم يرو لفاطمة ابنة الرسول سوى حديث واحد، بينما روى 242 حديثا لعائشة و 446 حديثا لأبي هريرة و8 أحاديث لمعاوية. أما أحمد فقد أسند إلى علي 818 حديثا في حين لم يرو عنه البخاري سوى 29 حديثا.

مع العلم أن أغلب الأحاديث ذات الطابع السياسي رواها أبو هريرة وعمرو بن العاص وغيرهما ممن تحالفوا مع معاوية ضد علي. وبصفة عامة أخرجت كل فرقة سياسية من قبّعتها الأحاديث المناسبة لتأكيد مقولاتها. ولم تخرج فتنة الفتاوى التي رافقت الحرب على غزّة على المنوال التقليدي.

فقد أصدر الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية فتوى تحرم المسيرات المندّدة بالعدوان على غزة واعتبرها “بعدا عن ذكر الله”. هذا عن جماعة قمّة الكويت.

وقد ذكّرتني هذه الفتوى بأخرى مماثلة روحا ومختلفة شكلا، للشيخ حمدي كنجو المخزومي، من حلب، تتعلّق بارتداء قمصان تحمل صور أبطال الأعمال الدرامية التركية المدبلجة. وتنص هذه الفتوى على أنّ “الصور التي تطبع على قمصان الشباب والمراهقين والأطفال يحرّمها الإسلام، لأنّها تشغل المصلّين، وتبعدهم عن روح الصلاة”. وإن اختلف المجال فالتعبير مماثل، وكأنهم يقومون بعملية”انسخ وألصق” فالمهمّ هو تحريم كل تحرّك غير مرغوب بالادّعاء أنه يلهي عن ذكر الله.

وطبعا خرج مفتو “قمّة الدوحة” لمعارضة زميلهم في الشغل وغريمهم في السياسة. فاستنكروا فتوى تحريم المسيرات ونعتوا فتواه بالتسييس ووجدوا المبررات الكافية لجعل المسيرات حلالا. بل أكد علماء الفتوى بالأزهر “أن فتوى آل الشيخ فتوى باطلة، وغير شرعية ومن يقول بها فهو مشارك في العدوان على شعب غزة المسلم” وطالبوا مفتي السعودية “بعدم تسييس الفتوى وتفصيلها على هوى الحكام والرجوع عن هذه الفتوى الباطلة”، وكأن هذه الفتوى المعارضة أنجزت لوجه الله وليس لوجه حماس والولّي الفقيه وحزب الله.

وزاد عليهم الداعية الإسلامي الشيخ فرحات المنجي رئيس البحوث بالأزهر “هذا لم يقل به السابقون ولا الأولون وأرجو ألا نسيّس فتوانا (…) وكان أولى بصاحب الفتوى أن يصمت ويترك الشعوب لربها”.

والحقيقة أنه كان من الأفضل لجميع هؤلاء أن يصمتوا ويتركوا السياسة لأهلها والشعوب لرأيها. فكلّ هذه الفتاوى تنعكس سلبا على الدين والسياسة.

أما الخطورة على الدين فتتمثّل في تحويل الدين من مجال المعتقد الثابت إلى مجال الرأي المتحوّل. فيفقد بذلك رجال الدين مصداقيتهم حتى عندما يتحدّثون في أمور الدين.

أمّا الخطورة على السياسيّ فتكمن في إيهام المؤمن بأنّ ما ينطق به الفقيه هو الحقّ المستمدّ من مقاصد الشريعة، وهو بالتالي واجب التطبيق، وليس مجرد رأي سياسي.

وقد ظهر مفعول الفتاوى السياسية في الدّعاوي التي أطلقها البعض لإقالة محمود عباس من منصبه. فليلة عقد قمة الكويت اعتصم نواب كويتيون، من مناصري قمة الدوحة، احتجاجا على حضور محمود عباس للقمة وادّعوا أنه لم يعد رئيسا للسلطة الفلسطينية. وهذه تعتبر سابقة عالمية.

فما الذي جعل مواطنين كويتيين (وهم عادة غيورون جدا على مواطنتيهم) يتجرّؤون على التدّخل في الشؤون السيادية لمواطني دولة أخرى؟

الجواب يكمن في تديين القضية الذي أعطاها بعدا كونيا. فالمسلمون يقدمون الإسلام كدين كونيّ يتجاوز الحدود وجوازات السفر ويعلو على الدساتير.

ألم يقل الداعية الإسلامي الشيخ فرحات المنجي: “إنّ الأمر يتعلق بشيء مقدّس مثل المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، فكلّ ما حول هذا البيت يجب على المسلمين أن يدافعوا عنه ومعلوم شرعاً أنّ العدوّ لو دخل ديارنا كان الجهاد فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة”. هكذا تصبح فلسطين ملكا للمسلمين كافّة، فطوبى للفلسطينيين باكتفاء الإسرائيليين بنصف البلد. وبالمنطق الإسلامي هذا، يصبح لكافة المسلمين الحقّ في اختيار حاكم فلسطين وإقالته.

إنّ قراءة وابل الفتاوى المتهاطلة تجعلنا نقف على حقيقة مهولة. لقد تحوّل رجال الدين عندنا إلى علماء متعدّدي الاختصاصات، فهم إلى جانب تخصّصهم المذهل في الإعجاز العلميّ للقرآن، أصبحوا يفتون في القانون الدولي والقانون الدستوري وفي المحكمة الجنائية الدولية وفي قانون الصحافة. ويلخص بيان أصدره أكثر من مائة من علماء الدين والمفكرين العرب والمسلمين هذه الاختصاصات مجتمعة، فقد اعتبروا فيه ما سمّوه “تعاون بعض الدول العربية بإغلاق معبر رفح وتتبع الأنفاق وهدمها حتى لا يصل الغذاء والدواء إلى أهالي قطاع غزة، تعاونا صريحا مع العدوّ الإسرائيلي في قتلهم ومن أعظم الخيانات التي مرّت على الأمة عبر التاريخ”.

واتّفق هؤلاء العلماء على أنّ “مظاهرة الكفّار على المسلمين كفر وردّة عن الإسلام” وقالوا “إنّ هذا هو الناقض الثامن من نواقض الإسلام العشرة، ويخشى أن يدخل في هذا الحكم من تعاون على إغلاق المعبر أو الأنفاق أو الدلالة عليها أو منع دخول المساعدات وكذلك تسليم المعابر لليهود أو القوات الدولية الموالية لهم.

كما يدخل في هذا الحكم الأفراد والمنظمات والوسائل الإعلامية التي تمالأت مع اليهود على المجاهدين في سبيل الله في غزة” انتهى.

ويخبط فقهاؤنا أحيانا خبطات عشواء، فرغم إفتاء 96 عالما سعوديا، من جماعة قمّة الدوحة، بأنّ “من يحمّل غير إسرائيل مسؤولية العدوان على غزّة يرتكب جريمة قانونية وأخلاقية” تجرّأ الداعية العراقي الشيخ أحمد الكبيسي بتحميل الله المسؤولية. فالشيخ أحمد يرى بكلّ بساطة “إن ما يحدث في غزة أمر أراده الله حتى تتكشف الأقنعة وتظهر خيبة العرب جلية”.

أمّا لماذا تلاقي هذه الفتاوى السياسية كل هذا الرّواج فتلك قضية أخرى، ربّما تكون فتاوى رجال الدين أوضح من فتاوى مجلس الأمن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق