فتوى بعدم جواز دوران الأرض

لامني أحد الأصدقاء بسبب بعض ما ورد في مقالي السابق (مجتمعات التكفير ومجتمعات التفكير)، ورأى أنّ الأهمّ اليوم هو اجتماع الآراء بمختلف مشاربها للحدّ من ظاهرة التكفير ودعاني إلى أن لا انخرط في موجة المبالغة والتصوير الكاريكاتوري للأوضاع واعتبر أن إيراد مسألة دوران الأرض مثالا على المسائل التي وقع تكفير قائليها هو من هذا القبيل، مرجّحا أن بعض علماء الفلك المسلمين قديما ربما سبقوا الغربيين بالقول بدوران الأرض.

لم يكن موضوع مقالي السابق دوران الأرض وإنما ظاهرة التكفير، وضربت مثلا على مسائل التكفير دوران الأرض لأبيّن خطر الفتوى في مسائل لا تتعلق بالدين. وبما أننا خرجنا للتوّ من شهر رمضان فلا شك أن صديقي قد نال مثلي نصيبه من الوعاظ الذين فتحت أمامهم القنوات الإعلامية على مصراعيها ليشبعوننا كل يوم بالكلام في ما أثبته الطب من فضائل الصيام، وهذا أيضا من مظاهر التدخل في ما يتجاوز كفاءاتهم. أما وجود أو عدم وجود فلكيّين مسلمين قالوا قديما بدوران الأرض فلا علاقة له بالموضوع لأنّ هؤلاء لا يدخلون في عداد أصحاب الفتوى ولا يعتدّ بآرائهم في التكفير أو التحليل. ولقد نقلت مسألة تكفير القائل بدوران الأرض من كتاب “الفرق بين الفرق” للبغدادي وهو من أكبر مراجع العقيدة الأشعرية وهي العقيدة الرسمية لأغلبية المسلمين ونجد مثله في مراجع أخرى كثيرة لذلك لا يصح اعتباره مجرد طرفة عابرة بما أنه حكم يترتب عليه قتل نفوس بشرية (لكني أتفق مع صديقي في أنه ليس رأي جميع اللاهوتيين المسلمين وأن المسألة لم تكن بنفس الأهمية التي عرفتها في أوروبا).

وإذا افترضنا أني ملت إلى التصوير الكاريكاتوري فلا شكّ أني عاجز عن أن أبلغ فيه مستوى الذين أتحفونا في السنوات الأخيرة بفتاوى مثل رضاع الكبير والتبرك ببول الرسول وصحة عقد الزواج أو الطلاق الحاصل في شريط سينمائي أو مسرحية وغير ذلك. وقضية التكفير هي حالة خاصة من قضية عامة هي قضية الفتوى. ومن الخطأ أن يظن البعض أنّ هذا النوع من الفتاوى لم يظهر إلا في الفترة الأخيرة. الواقع أن ما يميز الفترة الأخيرة هو تنزيل الفتاوى على شبكة الإنترنت وقد ترتب عليه اطلاع جمهور واسع عليها، عكس ما كان يحدث في السابق عندما كان تداولها لا يتعدّى المساجد أو كتب الفقه التي لا يطلع عليها إلا روّاد المساجد. فالجديد هو كشف ما كان مخبأ أما المحتويات فهي قديمة ولكم كان خطأ أن نتركها متداولة في مجتمعاتنا دون نقد وتمحيص.

وسأختار هذا المثال بالذات، مثال دوران الأرض، لأبيّن أنّ القول بتكفير قائليه لم يصدر فقط عن عبد القاهر البغدادي وبعض أشاعرة العصر الوسيط ولا من شيوخ الديانة التقليدية الذين عاشوا قبل حملة نابليون بونابرت على مصر ولكنه صدر مقترنا بحكم الردّة من جهة دينية لم يمض على وفاتها إلا بضع سنوات وكانت تعتبر من أكبر مراجع الفتوى في كل العالم الإسلامي. وأرجو أن اقنع صديقي هذه المرّة بأنّ الوضع أخطر مما يظنّ، ومهما بالغنا في تصوير ما هو عليه من قتامة فإنّ الحقيقة هي أكثر من ذلك بكثير وهي تدعو كل العقلاء مهما كانت مواقفهم من الدين إلى أن يكونوا شاهدين على العصر ومشاركين في دور التنوير وجريئين في عرض مواقفهم بدل التعلل بالأسباب الواهية. وإذا كان ممكنا لرجال الديانة التقليدية أن يخطئوا في مسائل من قبيل ما سأعرضه لاحقا فكيف يمكن أن نسمح لهم بالاحتفاظ بحق تكفير الناس؟ فالحلّ لا يمكن أن يكون غير ما ذكرنا في المقال السابق وهو إبطال أحكام التكفير من الأساس فنضمن على الأقلّ أن لا تطبق أحكام خطيرة بسبب جهل رجال الديانة التقليدية بأبسط بديهيات المعرفة الحديثة. وليس مهما أن يقال إنّ الفتوى المعروضة هنا لا تمثل إجماع رجال الديانة التقليدية فقد بينّا سابقا أن النظرية الفقهية التقليدية تجعل الفتوى ذات قوة تنفيذية وإن صدرت عن شخص واحد يعتبر مؤهلا للفتوى.

الفتوى موضوع هذا المقال صدرت في بداية الستينيات عن الشيخ عبد العزيز بن باز الذي لا يجهل أحد الموقع الذي كان قد احتله في هرم المرجعية الدينية الإسلامية ناهيك أنّه تولّى رئاسة المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وقد توفي سنة 1999. وكانت مناسبة فتواه وصول السوفيات ثمّ الأمريكان إلى سطح القمر. وما سنقتبسه مأخوذ من نصها الأصلي. تبدأ الفتوى بعد الديباجة العادية كما يلي: “تكرّر السؤال عما يدعيه بعض روّاد الفضاء من الوصول إلى سطح القمر وعما يحاولونه من الوصول إلى غيره من الكواكب ولكثرة التساؤل والخوض في ذلك رأيت أن أكتب كلمة في الموضوع تنير السبيل وترشد إلى الحق”. وهذا الأسلوب يميّز أدب الفتاوى منذ القديم وهو يصدر عن مبدأ أنّ المفتي لا يجيب إلا عندما يسأل، ومعنى ذلك أنه لا ينتج أي معرفة ولا يدفع أي تطوّر وإنما يضطلع بدور شرطي الأخلاق الذي يتعقّب الجديد بأحكامه القيمية. والسؤال يتعلق بتحديد “الجديد” الذي يمكن للمفتي أن يحاكمه في عالم أصبح كل شيء فيه جديدا. فخطاب الإفتاء السائد لا يعترف بحدود في هذا الميدان ويرى من حقه تعقّب كل جديد بالتقييم ويجعل المفتي وصيّا على كلّ صغيرة وكبيرة ويمنحه التأهيل للخوض في شتى المواضيع ومختلف الاختصاصات دون استثناء. وفي المسألة المثارة في هذه الفتوى ثمة “منطق” ما يربط المفتي بجمهوره وهو يستند إلى كون روّاد الفضاء أو العاملون في وسائل الإعلام التي نقلت حادثة الوصول إلي سطح القمر هم من غير المسلمين وهؤلاء لا يمكن القطع بصدقهم ولا بكذبهم والقاعدة في التعامل مع رواياتهم هي الآية القرآنية (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا). والتبين المأمور به في هذه الآية هو مراجعة المفتي ليحكم بصدق الرواية أو كذبها. ولو كان هؤلاء من المسلمين فإن الوضع ليس بالضرورة أفضل، ربما تطلب حينئذ أن تطبق عليهم قواعد الجرح والتعديل المعروفة في كتب الحديث وتصنف رواياتهم حول الفضاء إلى صحيحة وحسنة وضعيفة وموضوعة.

أخبار غير المسلمين توجب التثبت، والغريب أن رجل الديانة التقليدية هو الذي يضع نفسه في موقع المرجع للتثبت في قضية تتصل بالفضاء، ولا نجد في أي موضع من نصه إحالة إلى فلكي مسلم يمكن أن يتخذ مرجعا في الحكم على رواية الفلكي “الفاسق”، لا نجد اسما واحدا من المعاصرين ولا من القدامى، وفي هذا دلالة جديرة بالتوقف وهي مفهوم العلم نفسه الذي يستعمل في حدود العلم الديني أساسا. من هنا يرهب المفتي نفوس جمهوره بالتأثيم، إذ يضخم المسؤولية الأخلاقية والدينية المترتبة على المعلومة، فليس المطلوب مراجعة المفتي وحسب ولكن المطلوب أيضا التوقف عن “العلم” ما لم تصدر فتوى بجوازه والاكتفاء بـعبارة “الله ورسوله أعلم”. فالأفضل للإنسان بمقتضى هذه الرؤية أن لا يعلم من أن يعلم شيئا يمكن أن يكون محلّ تخطئة، فالمفتي ينشد العلم اليقيني ويرى من الأفضل أن يظل المرء جاهلا من أن ينخرط في العلم “الظني”، وما أسماه القدامى العلم الظنّي هو العلم بالمعنى الحديث وتاريخ العلم هو تاريخ مراجعة أخطائه، كما تقول ابستمولوجيا العلوم.

والغريب أنّ هذا المنطق نفسه هو الذي يدفع المفتي إلى التحذير من التكفير، أجل هو الذي يكتب: “وأعظم من ذلك كله الإقدام على التكفير أو التفسيق بغير حجة يعتمد عليها من كتاب الله أو سنة رسوله ص ولا شك أن هذا من الجرأة على الله وعلى دينه ومن القول عليه بغير علم وهو خلاف طريقة أهل العلم والإيمان من السلف الصالح”. ومعنى هذا أن محاصرة التكفير لا تحصل بتحديد ميدان المفتي بل العكس تحصل بجعله وصيا على كلّ شيء فهذا الاحتكار هو الضامن بأن لا تبرز فتاوى تكفر وتفسق بالهوى. الضامن لحسن سير الأمور هو استقامة المفتي وقدراته في الإفتاء، هذا جوهر الرؤية التقليدية للموضوع. والثورة الكوبرنيكية في مجال الفتوى تتمثل في قلب هذا “المنطق” يوما ما، عندما يقرّ الخطاب الديني السائد بأنّ الاستقامة الأخلاقية لا علاقة لها بصحة الرأي أو بطلانه، والفتوى التي نقوم بدراستها هنا هي شاهد من جملة شواهد كثيرة على ذلك.

كيف يمكن للمفتي أن يقضي في صحة الوصول إلى القمر أو بطلانه؟ منهجه هو عرض المسألة على النصوص الصحيحة (الكتاب والسنة) ليرى هل توافق هذه النصوص أم تخالف الخبر الذي أورده الفاسقون. وقد تعقب الشيخ ما ورد في هذه النصوص فلم يجد ما يخالف هذا الخبر. وقد يشعر المؤمن بالارتياح لتوافق الدين والعلم فيلهيه ذلك عن التدقيق في هذه النصوص وفي منهج الشيخ في التعامل معها. فهذه النصوص هي من نوع “ولقد جعلنا السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين” أو: “ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا”. ويعلم كلّ من يتمتع بالحدّ الأدنى من التكوين العلمي الحديث أنّ التفسير الحرفي لآيات من هذا القبيل، وهي كثيرة، يتعارض معارضة تامة مع معطيات العلم الحديث وأنها لا تعدو أن تعبّر عن الرؤية الساذجة للكون كما كان يتمثلها الإنسان في العصور القديمة، فالمؤمن الذكي الذي يسعى إلى التوفيق بين إيمانه ومعطيات العلم الحديث الثابتة لا يتورط في التفسير الحرفي لهذه الآيات ولا يراها إلا خطابات وعظ تتناسب مع حالة الناس ومعتقداتهم قبل أربعة عشر قرنا ولا تتضمن “علما” بالفضاء ولا نظريات في الفلك. لكن المفتي يدرك أنّ التسليم بهذا الأمر البديهي يتضمن خطرا على مركزه وسلطته، فهو سيفقد دوره إذا فقد التفسير الحرفي أوليته. التفسير الحرفي يتضمن مواجهة الواقع بالنص فيفتح مجال الإفتاء شاسعا ويجعل سلطة المفتي شبه مطلقة، أما التأويل العقلي فيتضمن مواجهة النص بالواقع فيضيق مجال الفتوى ويوسع دائرة انفتاح العقل الديني على العقل العلمي ولو حصل ذلك لأغراض تمجيدية، لكن المشكل هنا أن سلطة المفتي ستضمر لأنّ التأويلات هي تمارين ذهنية يمكن لكلّ العقول أن تمارسها. لا يمكن للمفتي أن يحافظ على سلطته المطلقة إلا في بيئة تجعل التفسير الحرفي هو القاعدة. وسعي المفتي للمحافظة على هذا الوضع لا يعدو أن يكون في نهاية المطاف إلاّ استماتة للمحافظة على مكانته الاجتماعية ومركزه المرموق وكلمته النافذة بين الناس. عندما يكون مدار الفتوى النقل عن قتادة والطبري والنسفي وابن كثير ولغة العرب القديمة يمكن للمفتي أن يصول ويجول فهذه علومه ومعارفه، لذلك بات ضروريا عنده أن تعالج قضية الوصول إلى القمر في هذا الإطار، وكان الجزء الأكبر من فتواه ترجيحا بين ما ورد من روايات عن القدامى.

تنتهي الفتوى بإقرار إمكانية صدق خبر الوصول إلى القمر دون تأكيده لأنه لم يرد في النصوص الصحيحة ما يفيد أنّ الوصول إلى القمر سيحصل يوما ما ولكن لم يرد أيضا أنه لن يحصل. وربما حمد المؤمن هذه النتيجة التي جنبته مأزق التعارض بين كلام المفتي الذي هو عنده الدين والإيمان ومعطيات العلم الحديث. لكن فرحته هذه لن تدوم طويلا، فالمناهج المعوجة في التفكير لا بدّ أن تنتهي في لحظة ما إلى فضيحة معرفية.

يبدو أن الشيخ قد غرّته نفسه ورأى أنه أصبح من كبار العارفين بالفلك وأسراره بعد هذه الفتوى الأولى، وصادف أن دخل شهر رمضان الذي هو دائما شهر تجاسر الوعاظ على العلم وقضاياه، فنشر فتوى ثانية موضوعها هذه المرّة حكم دوران الأرض… فكانت الكارثة.

تبدأ الفتوى الثانية بالطريقة نفسها التي بدأت بها الأولى: “لقد شاع بين كثير من الكتاب والمؤلفين والمدرسين في هذا العصر أن الأرض تدور والشمس ثابتة وراج هذا على كثير من الناس وكثر السؤال عنه فرأيت من الواجب أن أكتب في هذا كلمة موجزة ترشد القارئ.” ومن المعلوم أن ظهور نظرية دوران الأرض حول الشمس قد أحدثت فعلا ضجة بين الناس، لكن ذلك إنما حصل سنة 1632 عندما نشر غاليليو كتابا يرجّح فيه منظومة كوبرنيكوس على منظومة بطليموس فقامت الكنيسة الكاثوليكية بمنعه ومحاكمة مؤلفه. ويبدو أنّ القضية وصلت متأخرة جدّا على أنظار المفتي، أو ربما كانت ثلاثة قرون وثلاثون سنة لا تعدّ فترة طويلة لمن كان علمهم يبدأ مع بداية الخلق وينتهي بنهايته.

يعتمد المفتي نفس المنهجية المستعملة سابقا إلاّ أنّ الموضوع الثاني يختلف عن سابقه بسبب وجود نصوص دينية يراها المفتي متصلة بالسؤال المطروح: ‘لا شك أن المسائل الفلكية المنصوص عليها في القرآن أو في السنة الصحيحة من جملة المسائل الشرعية التي يجب على المسلمين أن يؤمنوا فيها بما دل عليه كتاب الله عز وجل وسنة رسوله ص وأن لا يحيدوا عن ذلك من أجل آراء الفلكيين أو غيرهم بل يجب عليهم أن يعرضوا آراء الفلكيين على ما دل عليه الكتاب والسنة”. وسيكون المفتي مرّة أخرى هو الشخص المؤهل للقيام بهذه العملية، إذ يعتبر أنّ المهمّ ليس القدرة على فهم القضايا الفلكية وإنما القدرة على التفسير الصحيح للنصوص الدينية. وتنقسم أدلة المفتي في هذا الباب إلى نوعين: الأدلة النصية والأدلة الحسية، وهي تتعاضد على نفي دوران الأرض. الأولى مراجعها ما قاله المفسرون القدامى مثل الطبري والبغوي والقرطبي وابن قيم الجوزية وما نقلوه عن ابن عباس وقتادة وعكرمة وما قاله علماء اللغة في شرح المفردات الواردة في القرآن وما ورد في الأحاديث النبوية الصحيحة. أما الثانية فهي من هذا النوع: “لم يزل الناس مسلمهم وكافرهم يشاهدون الشمس جارية طالعة وغاربة ويشاهدون الأرض قارة ثابتة ويشاهدون كل بلد وكل جبل في جهته لم يتغير من ذلك شيء ولو كانت الأرض تدور كما يزعمون لكانت البلدان والجبال والأشجار والأنهار والبحار لا قرار لها ولشاهد الناس البلدان المغربية في المشرق والمشرقية في المغرب”. ويضاف إلى ذلك مسألة أخرى مهمّة هي أن الأرض لا يمكن أن تدور كي لا يتغيّر اتجاه القبلة على المسلمين وتضطرب صلواتهم أو تبطل، فلو كانت الأرض تدور ” لتغيرت القبلة على الناس حتى لا يقرّ لها قرار”، كما يقول.

ومن الطريف أن بعض المدافعين عن الإعجاز العلمي للقرآن يزعم بأن القرآن سبق بالإشارة إلى دوران الأرض في آية “وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون”، لكن الشيخ يعتبر ذلك من قبيل الشبهات لأن الآية ذكرت في سياق الخبر عن يوم القيامة كما يتضح بمراجعة بقية الآيات المحيطة بها، وهو محقّ في هذا القول ويمكن لكلّ قارئ أن يتثبت بنفسه من مراجعة السياق.

ما العمل والحال أنّ الفلكيين المحدثين يصرّون على دوران الأرض؟ ينبّه الشيخ إلى أنّ رأي الفلكيين ليس حجة لأن الإجماع بينهم لم يحصل على دوران الأرض، فقد اختلف القدامى والمحدثون حول ذلك، بل إن الشيخ يتحفنا بمعرفته الواسعة في هذا المجال فيطلعنا بأن المحدثين أيضا ليسوا متفقين وينقسمون إلى مصدق بنظرية كوبرنيكوس وغاليليو ومكذب بها، وما دام الاختلاف بينهم متواصلا فليس للمسلمين أن يأخذوا برأيهم، ومن المعلومات المفيدة التي يحصل عليها القارئ في هذا المجال أن بوانكاريه “الفلكي البولوني” كان من معارضي كوبرنيكوس ونظريته في دوران الأرض ومن مساندي فيثاغورس القائل بثباتها (هنري بوانكاريه هو رياضي وفيلسوف فرنسي ولد سنة 1854 وتوفي سنة 1912)!

لكن إذا فرضنا إجماع الفلكيين على الأمر فذلك ليس حجة أيضا، “لأنهم غير معصومين في إجماعهم وإنما الإجماع المعصوم هو إجماع علماء الإسلام الذين اجتمعت فيهم أدوات الاجتهاد”. وبما أن الشيخ يطبق القواعد الفقهية على القضايا الفلكية فهو يرى أيضا أن إجماع علماء الفلك على دوران الأرض لو حصل حديثا فلا يكون صحيحا فقد سبقه إجماع علماء الفلك قديما على عكسه وإجماع المحدثين لا يبطل إجماعا أكثر منه قدما كما تقول قواعد أصول الفقه الإسلامي. ثم لا ننسى أنّ آراء أهل الفلك هي مثل آراء كل الفاسقين تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم لم يرد الشرع بتكذيبه ولا تصديقه فينبغي انتظار حكم المفتي ليصدق منه ما ثبت صدقه أو يتوقف فيه إذا كان موضوع اختلاف بين أصحابه، وقسم دلت الأدلة الشرعية على كذبه فيكذب، وقسم يوافق الشرع فيصدق لتصديق الشرع له. ومع أنّ الشيخ من أكبر مراجع السلفية الحديثة وأنّ كلّ فتاواه قائمة على نقل ما قال زيد وروى عمرو فإنّنا نجده في هذه المسألة بالذات يتحوّل إلى داعية للاجتهاد فيشدد النكير على المقلدين ويدعو إلى إعمال العقل والإعراض عن الإتباع الأعمى لقول الفلكيين بأن الأرض تدور، فالمجتهد هو من راجع نصوص الدين ليعلم نسبة القول بدوران الأرض من الصحة أو الخطأ.

لم يبق بعد هذا الاجتهاد المتميز إلاّ أن يصدر المفتي حكمه في القضية وهذا نص الحكم ننقله حرفيا: “علماء المسلمون المعروفون المعتمد عليهم في هذا الباب وغيره قد صرحوا بما دلّ عليه القرآن الكريم من كون الشمس والقمر جاريين سائرين في فلكهما على التنظيم الذي نظمه الله لهما وأن الأرض قارة ساكنة قد أرساها الله بالجبال وجعلها أوتادا لها فمن زعم حلاف خلاف ذلك وقال إن الشمس ثابتة لا جارية فقد كذب الله وكذب كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وهو القائل سبحانه “ومن أصدق من الله حديثا” “ومن أصدق من الله قولا” “قل أأنتم أعلم أم الله” “ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم” وكل من قال هذا القول فقد قال كفرا وضلالا لأنه تكذيب لله وتكذيب للقرآن وتكذيب للرسول ص لأنه عليه الصلاة والسلام قد صرّح في الأحاديث الصحيحة أن الشمس جارية وأنها إذا غربت تذهب وتسجد بين يدي ربها تحت العرش كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه وكلّ من كذب الله سبحانه أو كذب كتابه الكريم أو كذب رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام فهو كافر ضال مضل يستتاب فإن تاب وإلاّ قتل كافرا مرتدّا ويكون ماله فيئا لبيت مال المسلمين كما نص على مثل هذا أهل العلم والإيمان”.

ثمة اليوم حوالي مليار ونصف المليار من المسلمين في العالم يمكن أن نقدّر أنّ ثلاثة أرباعهم على الأقلّ لا يمكن لهم أن يتنازلوا عن اعتقادهم بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وربما لم يبلغهم إجماع أهل السنة والجماعة على سكون الأرض كما نقل البغدادي في “الفرق بين الفرق” ولا فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز التي عرضناها هنا، فهم لا يدركون أنّ إيمانهم قد بطل وأنه يحقّ فيهم إقامة حدّ الردّة وانتزاع الأموال. فإذا أدركوا ذلك كان أمامهم حلاّن: إمّا أن يرضوا بوضع طه حسين وطاهر الحداد وعلي عبد الرازق وفرج فودة ومحمود محمد طه ونصر حامد أبو زيد ونجيب محفوظ الخ وإمّا أن يقتنعوا بأنّ التكفير لا معنى له في العصر الحديث ولا بدّ أن يلغى من الأصل وهذا ما كنّا دعونا إليه في المقال السابق. ولا يقال إنّ مسألة دوران الأرض مسألة بديهية فلا يعتدّ بالفتوى فيها لأنّ كونها كذلك يمثّل حجة إضافية على ضرورة إبطال التكفير، فإذا كانت شخصيات من العيار الثقيل في الإفتاء يمكن أن تخطئ في مسائل بديهية مثل دوران الأرض فكيف نثق في رأيها إذا تعلّق الأمر بمسائل أكثر دقّة وتعقيدا مثل الشعر الجاهلي والفن القصصي وقضايا الرسم والدراما وهرمنطيقا النص الديني وتاريخ القرن الإسلامي الأوّل والعلمانية والليبرالية وغير ذلك من القضايا التي كانت محاور التكفير منذ بداية القرن العشرين إلى اليوم؟
ولعلّ أفضل تعليق نختم به المقال هو هذه الفقرة القصيرة التي كان أوردها الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه الشهير “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” في معرض وصف المعرفة في مجتمع حديث، فقد توجه إلى قرّاء رحلته بالتنبيه التالي: “ولا تتوهّم أن علماء الفرنسيس هم القسوس لأن القسوس هم علماء في الدين فقط وقد يوجد من القسوس من هو عالم أيضا وأما ما يطلق عليه اسم العلماء فهو من له معرفة في العلوم العقلية فإذا قيل في فرنسا هذا إنسان عالم لا يفهم منه أنه يعرف في دينه بل إنه يعرف علما من العلوم الأخرى”. وليس أشدّ تعبيرا على قتامة وضع المعارف عندنا بعد أكثر من قرن ونصف القرن من كتابة هذه الفقرة أنّ الالتباس الذي أشار إليه الطهطاوي ما زال قائما بل إنّ كلمة عالم إذا وردت دون إضافة ما زالت تعني إلى حدّ الآن رجل الديانة التقليدية.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق