فجر كاذب / حسام عيتاني

لم يوفّر السيد علي خامنئي وسيلة لإقناع معارضي إعادة انتخاب محمود احمدي نجاد رئيسا لإيران، إلا واستخدمها. من التهديد بسفك دماء المتظاهرين الى البكاء على أئمة الشيعة، ومن انتقاد سلوك بعض عناصر قوات الأمن التي أطلقت النار على المحتجين في شوارع طهران الى الإشادة بالرئيس السابق علي اكبر هاشمي رفسنجاني.

ولم يتردد في إظهار قوة النظام وتمسكه بنتائج انتخابات الثاني عشر من حزيران (يونيو) واضعا خصوم احمدي نجاد أمام خيارين هما إما الخضوع والتسليم لأحمدي نجاد بولاية رئاسية ثانية، وإما الخروج على النظام الإسلامي الذي يزعمون انهم من بُناته ومن مؤسسيه. ولم يكن غريبا ان يتأخر مير حسين موسوي في إعلان موقف من خطاب مرشد الجمهورية ولا ان يسارع مكتب هاشمي رفسنجاني الى نفي اعتزامه إصدار بيان “مهم” بحسب ما كانت وكالة انباء محلية قد نقلت عنه. فالخياران صعبان ويحملان في طياتهما نهاية الحياة السياسية (وربما الجسدية) لمن يجرؤ على تحدي توجهات خامنئي.

هذا، باختصار، ما فُهم من الكلمة التي ألقاها خامنئي يوم الجمعة الماضي والتي يفترض ان تكون قد وضعت حداً لتوقعات مستعجلة عن قرب نهاية نظام الجمهورية الإسلامية في ايران او، على الاقل، عن بداية تغييرات جذرية فيه.

الأرجح ان تظاهرات طهران تشير الى تفاعلات عميقة تحت سطح المظهر الهادئ لنظام موحد وراء قيادته الثورية. ثمة احتقان لا يمكن إنكاره أمكن رصده في الصدامات بين المتظاهرين وبين عناصر الأمن وفي اتساع حركة الاحتجاج على ما يعتقد انه تزوير صريح لنتائج الانتخابات. والغالب الأعم ان النظام سيخسر المزيد من القواعد بين الطلاب والأكاديميين والمثقفين وأصحاب المهن (وهي قواعد هزيلة أصلاً) وانه قد يواجه معركة مع مجموعة من رجال الأعمال المشتغلين بالاستيراد خصوصاً والمتمحورين حول رفسنجاني…

لكن بين الحديث عن التفاعلات والاحتقان وبين الإعلان عن قرب انهيار الحكم، بون شاسع يتعين الحذر حيال قطعه بقفزات هي الى التمنيات اقرب.

ربما تساعد عودة سريعة الى ردود الفعل الأولى على الأزمة الاقتصادية العالمية في أيلول (سبتمبر) الماضي في تحديد ظاهرة مشتركة مع ما عمّ العالم في أعقاب الانتخابات الإيرانية. لقد قيل في تلك الأيام ان الرأسمالية انتهت وأنها دخلت مرحلتها الأخيرة التي ستشهد موتها. وذهب البعض الى التهليل لعودة ظافرة للماركسية. يمكن القول اليوم ان الأزمة الاقتصادية التي لم تنته بعد، تشكل بداية جديدة للنظام الاقتصادي العالمي القائم على الرأسمالية. بداية تحاول الاستفادة من دروس الحقبة السابقة، بغض النظر عن الموقف من الرأسمالية او الاشتراكية.

فلا موازين القوى الاجتماعية والسياسية في الغرب تتيح حاليا التخلي عن النظام الرأسمالي ولا نظيرتها في إيران تبرر القول ان أيام حكم آيات الله أصبحت معدودة (مع التشديد، في الوقت ذاته، على رفض ما يروج عن ان شيئاً لم يحصل في إيران في الأيام العشرة الماضية وان الأمور ستسير من دون تغيير).

وعلى رغم التنافر الواضح بين الأزمتين الاقتصادية والإيرانية، إلا انه يجوز الاعتقاد ان رغبة في القفز الى الاستنتاجات وإلى رؤية تغيرات كبرى على المستوى العالمي يتشارك فيها “الليبراليون” و “الثوريون”، فيما يبدو ان الأحداث تسير وفق إيقاع بطيء يخلو من المفاجآت ومن الإثارة، حيث لا يزيد كل تأكيد عن بزوغ نجمة الصبح عن كونه إعلاناً عن فجر كاذب جديد.

جريدة الحياة 24/6/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق