فرسان الـ”فايسبوك” العلمانيون هل يُسقطون النظام الطائفي اللبناني؟ / بقلم حسن عبّاس

في زحمة الانتفاضات العربية المطالبة بالديموقراطية وباحترام الكرامة الإنسانية، بدأ بعض اللبنانيين بتنظيم تحركات تطالب بإسقاط النظام الطائفي قبل إضافة كلمة "ورموزه" إلى الشعار المرفوع، مع بقاء اختلافات كثيرة بين "المنظّمين المستترين" حول تفسير هذه الكلمة المضافة: هل هي أشخاص ومَن هم؟ هل هي المنظومة الايديولوجية لهؤلاء الأشخاص؟ للأسف تشوب هذه التحركات سلوكيات كثيرة لا ديموقراطية لا بل مسيئة إلى الكرامة الإنسانية. لكن الهدف هنا ليس استعراض هذه السلوكيات بل تحليل الأفق الذي تراه هذه التحركات لنفسها، أي الفكر السياسي، وإن استخدمنا هذا المصطلح بتواضع، القابع خلفها والمحرّك لها.

تتردد الشعارات المرفوعة والبيانات والتصريحات الصادرة عن "المنظّمين المستترين" بين الحديث عن العلمانية وإلغاء الطائفية السياسية. في الأمر دلالة سلبية لأن طرح هذه الشعارات يستعيد سجالاً قديماً بين أفكار أثارها مطلقوها السابقون على أساس أنها إصلاحية وتحديثية ليتبيّن أن تجسيدها في الواقع اللبناني المتنوّع لا يمكن أن يكون إلا احتراباً أهلياً.

 

للشعارات محمولاتها

 

في الوقائع التاريخية المستقاة من الماضي القريب، يحضر تغيير "الحركة الوطنية اللبنانية" طرحها السياسي من علمنة الدولة إلى الاكتفاء بمطلب إلغاء الطائفية السياسية، لا لسبب إلا لرفض مجلس العلماء المسلمين فكرة العلمانية في اجتماع عقده في 24 آذار 1976! مذذاك بات الطرح الإسلامي في السياسة اللبنانية هو إلغاء الطائفية السياسية، وهو طرح يقضي بالالتفاف الخجول على صراحة المطالبة بتمثيل الطوائف، كلّ وفق حجمها الديموغرافي في مراكز السلطة.

اعتراض الأوساط الإسلامية على طرح علمنة الدولة اللبنانية، تلقفته تكتيكياً بعض الأوساط المسيحية اللبنانية، آخذة بطرح علمنة الدولة في مواجهة إلغاء الطائفية السياسية، لا حبّاً بالعلمانية بل لإحراج طارحي الشعار المقابل. لم يحدّد هذا الفريق ما يقصده بعلمنة الدولة. اكتفى بالجانب التكتيكي من الشعار وباستخدامه سجالياً. لا ينتبه العلمانيون إلى أن للعبارات محمولات ودلالات طائفية، وإلى أنهم باستخدام هذه العبارات يصطفّون عن قصد أو عن جهل في مواقع طائفية.

لذلك لا بدّ لكل مَن يريد تحديث النظام السياسي اللبناني، وتحديثه بات ضرورة ملحّة، أن يرتقي فوق السجال على شعارات تشرّبت الأطروحات الطائفية اللبنانية وباتت كناية عن التعبير الخجل عنها. فمثلاً يمكن السياسي الإسلامي أن يقول "نريد الديموقراطية العددية" إذا ما أراد التصعيد في خطابه، كما يمكنه أن يطالب بإلغاء الطائفية السياسية إذا ما أراد الأمر نفسه من دون أن يرغب في تصعيد لهجته. يتوقف الأمر على ما يريده من كلامه: في الحالة الأولى يكون مراده تفاوضياً: أتوقف عن طرح شعاري إن أعطيتني موقتاً كذا وكذا، وفي الحالة الثانية يكون مراده إحداث وقائع جديدة في التركيب الطائفي للسلطة في لبنان. المهم أن لا مكان للمدني التحديثي في الحالتين على رغم عِظم الشعارات المطروحة!

إن المجتمع اللبناني مجتمع ديني. ليس مجتمعاً شديد التديّن، لكن الدين يحتلّ مساحة واسعة من وعي اللبنانيين. هذه واقعة يجب عدم تجنّبها. من لديه شكّ فيها، فليراجع السجال الذي دار منذ فترة غير طويلة بين رجال دين حول مسألة زواج المرأة المسلمة من رجل مسيحي، ولير رأي معظم اللبنانيين في مسألة الزواج بين شباب من أديان مختلفة بل حتى من طوائف مختلفة داخل الدين الواحد. لا أطرح هذا الأمر للقول إنه يجب علينا كمدنيين أن نكفّ عن المطالبة بزيادة الفسحة المدنية في النظام السياسي وفي الاجتماع اللبناني. بالعكس. الهدف هو مزاوجة الفكر المدني بالواقعية السياسية، أي خلق حيّز مدني من دون تعميمه قسراً.

 

 فصل الدين عن الدولة!

 

رداً على سؤال عن فهمه لشعار العلمانية الذي يطالب به، سؤال طرحته طالبة جامعية على أستاذ جامعي علماني كان يسير في تظاهرة تريد إسقاط النظام الطائفي ورموزه، أجابها الأستاذ: العلمانية التي أطالب بها هي فصل الدين عن الدولة. لم ينتبه هذا الأستاذ إلى أن النظام اللبناني ليس نظاماً دينياً، فالدولة اللبنانية يمكن وصفها بأنها "دولة محايدة" على ما وصفها المجلس الدستوري في أحد قراراته. لا دستورنا ولا قوانيننا تستلهم أيّاً من الأديان (طبعاً باستثناء قوانين الأحوال الشخصية). دولتنا هي، وهذا على سبيل المزاح، دولة مؤمنة كما يمكن أن نستشف من المادة 9 من الدستور اللبناني التي يرد فيها: "الدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى". وضعت هذه الفكرة على سبيل المزاح لأن النص المذكور فارغ من المعنى ومن الآثار العملية التي يمكن أن تنشأ عنه. فالدولة ليست شخصاً طبيعياً لكي تؤدي فروض الإجلال لله تعالى!

إذاً ماذا يبقى من شعار صديقي الأستاذ؟ في زحمة الشعارات الرنّانة تضيع المعاني ويضيع مضمون الإصلاح. التمثيل الطائفي في بعض مواقع السلطة في لبنان ليس مبنياً على أساس ديني بل على أساس نظرة الى الطوائف كتكوينات سوسيولوجية لها خصوصياتها. يجب فهم هذه المسألة – المنطلق لكي نعرف ماذا علينا كمدنيين أن نبتكر من أفكار إصلاحية لنظامنا السياسي.

هنا تتبادر إلى الذهن بعض الشعارات المرفوعة كـ"إسقاط النظام الطائفي" و"18 ثورة" و"نطالب بتغيير الدستور".

شعار "إسقاط النظام الطائفي" جميل وخصوصاً بعد إضافة كلمة "ورموزه" عليه. لكن ماذا يعني؟ أي كيف يترجم هذا الشعار مطلباً واضحاً؟ لماذا قصر المطالبة بتغيير بعض الرموز الطائفية دون رموز أخرى؟ لماذا الشتاء والصيف تحت سقف الشعار الواحد؟ وأيّ من أركان هذا النظام الطائفي نريد أن نسقط؟

شعار "18 ثورة"، ومحبّوه كثر، لا أعتقد أن مطلقيه يوافقون على منطقه! شعار رُمي في زحمة الشعارات ولم يجد من يقرأه. أولاً هذا الشعار تعميمي يطالب، على سبيل المثال لا الحصر، بثورة الأقليات والبروتستانت والإسماعيليين على زعاماتهم الطائفية التي تنهك البلد، بالتساوق مع مطالبة الشيعة والسنّة والدروز والموارنة بالثورة على زعاماتهم، أي على ديناصورات النظام الطائفي اللبناني! كيف يستوي ذلك. ثانياً، يستلهم هذا الشعار فلسفة النظام اللبناني التي تراعي التنوّع. منطقه، وأنا على فكرة لست ضد هذا المنطق بالمطلق ولكن هل مطلقوه ورافعوه هم كذلك أيضاً، أن الشعب اللبناني هو حاصل جمع مجتمعات متنوّعة، وعلى كلّ من هذه المجتمعات الـ18 (هي للأمانة 6 وليست 18، أي هي الطوائف اللبنانية الست الكبرى) أن تتضامن بخصوصياتها لإصلاح النظام السياسي اللبناني. هذا الشعار يغيّب مساحة الحراك المدني العابر للطوائف، وهذا من مثالبه، وينظر إلى واقع كلّ من الطوائف كحيّز خاص باللبنانيين المنتمين إلى تلك الطائفة! على فكرة، هذا هو المنطق عينه الذي يمكن أن يرتدي رداء المطالبة بالفيديرالية الجغرافية.

أما شعار "نطالب بتغيير الدستور"، فهو على الرغم من مظهره الحداثي، أكثر الشعارات المرفوعة سطحية. البعض يريد تغيير الدستور الذي ينص على التقاسم الطائفي للرئاسات الثلاث! يريد هذا البعض تغيير دستور لم يقرأه!

 

هل استثناءات المطالب قاعدة؟

 

من ينقّل نظره بين الشعارات المرفوعة في التظاهرات، يلفته ميل سياسي، واضح في كثير منها. هذا أمر مفهوم. فكثير من المتظاهرين، وأنا لا أشك في نيات معظمهم الإصلاحية، لكنني أخاف عليهم مما يقع خلف الشعارات الرنانة التي تأخذهم، ينتمون إلى الأحزاب العلمانية التقليدية التي تتحالف حالياً مع أحد جناحي الإنقسام السياسي اللبناني، وبنت على مدى عقدين خطابها السياسي وصاغت أدبياتها بالتركيز على أفكار يساروية مطلبية. غيّبت هذه الأحزاب المساوئ غير الحريرية عن اهتماماتها، فاعتاد محازبوها على لون من الشعارات لا يكفي لبناء دولة.

ليس كلّ من يمشي في التظاهرات العلمانية منتمياً إلى تشكيلة الأحزاب هذه. هناك أشخاص تجذبهم فكرة إصلاح النظام اللبناني لانهم كلبنانيين يعانون نماذج شتّى من المعاناة. هؤلاء كثر، لكن يهمّشهم "المنظّمون المستترون" المتخفّون خلف فكرة شباب مستقل يدعو إلى التظاهر عبر موقع الـ"فايسبوك" الالكتروني للتواصل الاجتماعي. لم يدلوا بدلوهم من مطالب في التظاهرات، ويمنعهم "المنظّمون المستترون" من رفع بعض الشعارات بحجة البقاء تحت سقف مطلبي موحّد وجامع! هل بدأ القمع منذ الآن؟ إذا كان الأمر كذلك، فنِعم البديل!

المطالب تشوبها استثناءات قاتلة في مقدمها مسألة سلاح "حزب الله". هو عينه منطق البيضة والدجاجة الذي يحكم السجال الإصلاحي. يقول البعض بوجوب إلغاء الطائفية من النصوص قبل النفوس فيردّ آخر بأن إلغاءها من النفوس يجب أن يسبق إلغاءها من النصوص. لا ينتبه أصحاب الطرحين إلى أن المسألتين متداخلتان، وكل أسبقية ستترك آثاراً على اللاحق في هذه الفكرة ذات القطبين. كذلك الأمر بالنسبة الى سلاح "حزب الله". آخر صرعات مبررات عدم طرح فكرة حصر السلاح بيد أجهزة الدولة الرسمية الأمنية، أن السلاح وجد بسبب ضعف الدولة، وأن تقويتها تستتبع إلغاء مبرر حمل فئة للسلاح. قصة البيضة والدجاجة من جديد! يبدو أنها طريقة تفكير لبنانية! نريد دولة مدنية ولا نريد الالتفات إلى واقع أن في لبنان حزباً دينياً يمتلك السلاح. نوع من عبقرية الفكر السياسي اللبناني. لا يلتفت العلمانيون إلى أن مشكلتنا الأساسية أساسها زيادة قوة الطوائف على قوة الدولة المركزية الجامعة حيث يمكن طرح تشكيل حيّز مدني. وأن كل إصلاح لا يمكن إلا أن يمرّ عبر مدخل تقوية الحيّز الجامع بين اللبنانيين، أي الدولة.

 

استسهال الممرات الآمنة

 

يعمل البعض على التنظير لفكرة تحذو حذوَ الثورتين المصرية والتونسية اللتين طالبتا بإسقاط النظام كخطوة أولى، وبعد النجاح بدأ النقاش حول شكل النظام الجديد. في مصر وتونس مجتمعات متجانسة دينياً إلى حد بعيد، لذا ليس هناك جماعات تخاف على مستقبلها. في مصر وتونس هناك رأس للنظام، بتدحرجه يمكن القول إن النظام سقط. في مصر وتونس حيّز اجتماعي مدني واسع عابر للجغرافيا الداخلية، نفتقر اليه في لبنان الذي ترتبط فيه أنماط التفكير بالجغرافيات المحلية ذات الغالبيات الديموغرافية الطائفية. لا يمكن الاكتفاء في لبنان بالمطالبة بإسقاط النظام لأن الشعار فارغ من المضمون بفعل تشظي المواقع السلطوية. لا يمكن إلا إعمال التفكير في البديل الملائم لجذب المدنيين والمواطنين الذين لا تزال فكرة القلق على مصير جماعاتهم الطائفية متحكمة بتفكيرهم. بديل مقنع يتضمن خطوات عملية ترتقي قدماً بالمجتمع اللبناني. التفكير المسبق أصعب لكنه شرط لنجاح كل تحرك مدني في لبنان. البديل الآخر هو تحقيق الشعارات غير المرتبطة بمطالب عملية على قياس بعض الطوائف. لنكن صريحين: على قياس الطوائف الإسلامية.

يطرح البعض تطبيق ما ورد في نص المادة 95 من الدستور اللبناني من إنشاء مجلس شيوخ على أساس قسمة طائفية وتحرير مجلس النواب من القيود الطائفية في التمثيل، من دون إضافة. ماذا يعني؟ لا شيء. ماذا مثلاً لو رحّلت الصلاحيات المهمة من مجلس النواب الى مجلس الشيوخ؟ هل نلاحق الشكليات أم المضمون؟

يحاول بعض آخر أن يزيد كمية المطالب، من منطلق أن الكمّ يعني تفكيراً أعمق، ما يضفي الصدقية على مجمل الطرح، كتوحيد كتاب التاريخ، أي باستسهال الأمور.

 

من هم العلمانيون؟

 

مسألة أساسية يجب عدم التهرب منها. من هم العلمانيون في لبنان وماذا يعني مصطلح العلمانية لهم؟

سؤال تصعب الإجابة عنه. لا مضمون موحداً لاستعمال مصطلح العلمانية، ولا تقارب في أفكار المتسمين بالعلمانيين. ما يجمعهم خيط رفيع لا يصلح قاعدة لبناء خطاب سياسي مشترك. هناك العلماني الذي يريد إلغاء كل زعماء الطوائف ما عدا زعيم طائفته بحجة أن هذا الزعيم تقدمي واشتراكي، لكن الفاسد هو النظام. وهناك العلماني الذي يدافع بشراسة عن زعيم طائفته بحجة أنه مقاوم لإسرائيل من دون الالتفات إلى أن سلاح المقاومة هو الاسم عينه لسلاح "حزب الله" الشيعي ذي الوقع الخطير على العلاقات السياسية والاجتماعية اللبنانية. وهناك العلماني الذي يريد شعاراتياً دولة لبنانية علمانية ويزدري فكرة لبنان نفسها ويصف معتنقيها بالأفاعي العاملين على قسمة الجغرافيا الحقة. وهناك العلماني الذي يعيش خارج التاريخ محاولاً إسقاط أفكار من القرن التاسع عشر على الواقع اللبناني. لا يبقى من قاسم مشترك بين العلمانيين إلا مطالبتهم بالزواج المدني الاختياري، كأن العلمانية مفهوم جنسي، وكأن النظام العلماني يقتصر على كونه إطاراً يسمح للمختلفين بالتناكح!

 

ما العمل؟

 

لنطرح هذا السؤال المحبب على قلوب اليساريين. ليسأل كل مدني نفسه ماذا يريد. بالنسبة اليَّ، مطالبي متواضعة جداً، وإن تكن صعبة التحقق ويجب النضال الضروس من أجل تحقيقها: أريد ان أعيش كمواطن في دولة، كمواطن مساوٍ لبقية المواطنين من حيث الإمكان. وأريد نظاماً ديموقراطياً في لبنان يتيح لي وللمواطنين الحياة وفق معايير الكرامة الإنسانية، ويوفّر لي الضمانات بعدم انتهاك هذه المعايير. المسألة ليست في تكبير الشعارات التي عادةً ما يكون مضمونها سطحياً. المسألة هي في انعكاس كل فكرة نطرحها على حياتنا وعلى مستقبل وطننا.

ما يرتقي بواقعنا اللبناني هو تحقيق إمكانات الحياة المدنية لمَن يريد، وليس في الضرورة فرض المدنية على الجميع. هو رفع مطالب تسمح بتشكل فسحة مدنية عابرة للطوائف تستطيع النمو من دون معوقات، وتكبر بقدر ما تستهوي اللبنانيين، وتبقى ضيّقة إن لم تستهوهم (دفاع عن منطق المطالبة بقانون مدني اختياري للأحوال الشخصية وهو مطلب يرفعه المتظاهرون). يجب التخلي عن فكرة قيادة المجتمعات إلى صالحها العام، وترك المجتمعات تختار ما تريده. مشكلتنا كمدنيين أن النظام اللبناني يفرض علينا للتواصل مع السلطة المركزية المرور عبر حلقات وسطية هي الطوائف التي سرعان ما تصبح زعيم هذه الطائفة أو تلك. هذا ما يجب كسره. ليست المشكلة في المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في مجلس النواب؛ المشكلة في تقسيم الدوائر الانتخابية واعتماد نظام اقتراع يحفّز على انتاج خطابات طائفية دون خطابات عابرة للطوائف. ليست المشكلة في المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في وظائف الفئة الأولى؛ المشكلة في عدم تطبيق مبدأ الكفاية في توظيف كلّ من النصفين، وفي التعميم غير الدستوري لمبدأ المناصفة وعدم حصره في وظائف الفئة الأولى. ليست المشكلة في أن للطوائف حق إنشاء مدارسها الخاصة؛ المشكلة في المستوى المتدني للمدارس الرسمية والوضع المتردي لجامعتنا الوطنية…

يجب عدم طرح شعارات برّاقة لمّاعة سرعان ما يصيبها الصدأ إن حكّت قشرتها. يجب طرح مطالب ترتقي بواقعنا اللبناني ولا تكون انتصاراً لطائفة على أخرى. يجب عدم النضال من أجل مطالب يدعمها الشيعي أو السنّي لأنها تمكّنه كشيعي أو سنّي من زيادة مواقع طائفته في السلطة.

 

الإصلاح لا الثورة

 

ليس على المدني أن يُظهر نفسه بمظهر الطهراني المنزّه من دنس الطائفية المتغلغلة في وعي اللبنانيين. على كل حركة مدنية تحديثية إصلاحية، اجتراح حلول تخرق السيستام القائم بشكل يزاوج بين أثرها الإصلاحي وعدم تخويف بعض الطوائف اللبنانية من أثر الإصلاحات على وجودها. هكذا نستطيع الارتقاء بحياتنا. مع الوقت، عندما يزول خوف الطوائف بعضها من بعض، ستخرج إلى النور أفكار أكثر تقدماً وتكون لها فرصة التطبيق.

هناك مجموعة من المطالب الإصلاحية التي، وإن كانت لا ترضي غرور من يستسيغ تسمية نفسه ثورياً، تساهم في دفع عجلات التحديث في نظامنا السياسي وفي مجتمعنا اللبناني:

– المطالبة بقانون انتخابي يعتمد نظام الاقتراع النسبي على أساس لبنان دائرة واحدة لكي يستطيع اللبناني أن يقترع لمن يشاء من أبناء وطنه، ولكي لا تتشظى أصوات المدنيين وحملة الأفكار الإصلاحية في الدوائر الضيّقة. مع قانون كهذا، تبطل المادة 65 من الدستور اللبناني أن تكون متسببة بالتعطيل الدوري للحياة السياسية اللبنانية ويصبح تطبيقها ممارسة ديموقراطية للسلطة.

– المطالبة بقانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، كمخرج لمن يريد من أحكام الدين.

– إصلاح القضاء اللبناني وإبعاد التأثيرات السياسية عنه لأن الحيّز المدني لا يتشكل إلا في ظل دولة القانون.

– إصلاح التعليم الرسمي وخصوصاً الجامعة اللبنانية وجعلها أماكن تنشئ مواطنين يمتلكون مستوى تعليمياً رفيعاً. هكذا نجذب اللبنانيين إلى المدارس المدنية لا بمنع الطوائف من إنشاء مدارسها الخاصة.

– إصلاح مؤسسة الضمان الإجتماعي كي لا يبقى الللبنانيون إما تحت رحمة مؤسسات المساعدات الاجتماعية الطائفية وإما أمام الموت لعدم القدرة على الاستشفاء.

– مركزة السلاح بيد أجهزة الدولة الأمنية الرسمية، فلا دولة مدنية في ظل وجود حزب ديني مسلّح، ولا دولة مدنية في ظل وجود فتوّات الأحياء التابعين لديناصورات الطوائف (على فكرة بعضهم يتسمّون علمانيين أيضاً!).

– إبقاء حقوق الطوائف المنصوص عليها في الدستور اللبناني، مع الاهتمام بزيادة حريات الأفراد. فليس مقبولاً أن تبقى رؤية اللبناني محصورة في كونه جزءاً من طائفته.

هذه الافكار نماذج، ويمكن أن يصل عددها إلى مئات. كخلاصة: نريد أن نبني الوطن اللبناني باللبنانيين الموجودين، ولا نريد أن ننظر الى وطن نستورد مواطنين له، ولا نريد أن تتحول المطالب المدنية درعاً بشرية تتقدّم خلفها بعض الأطروحات الطائفية الإستئثارية ¶

 

عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار البيروتية 3/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق