فرص العلمانيّة في سوريا جديدة

وُصِمَت الانتفاضة السورية منذ بداياتها بخلوّها من بعدٍ فكري يحوز رضى الأغلبية ويجذب دعمها، وإنْ كانت سلميتها ذروة بهائها الأخلاقي ورصيد قوتها الضميرية الاجتماعية، فهي لم تزل تعاني ضعف مستوى طرحها السياسي لسوريا جديدة. ولئن بدا ذلك تجريحاً في رقيّ الناشطين الفكري، فهو في الآن نفسه يخفي برمَ الجيل الشابّ، الذي يقاسي وحده تقريباً حمل أثقال العمل الميداني المعقدة والخطرة، بأفكار نظرية وطروحات متعالية سبق أن خبر عقمها في شعارات البعث “العلمانية”، ولم تكن غير غطاء يخفي العسف وانعدام الفكر من أصله لدى طبقة حاكمة دمّرت أوّل ما دمّرت الدراسة الجامعية وتحرّرها العقلي. والحال الذي أخرج الرفض من السرّ إلى العلن، في المجتمع السوري، نشأ دون تنظيم مسبق وبلا سند فكري. وما يجمع السوريين نزوع وطنيّ جامح إلى كسب الحرية وكسر الاستبداد، دونما تفكير في حوامل فكرية مجردة.
ولعل غياب الحامل الفكري الجامع يبرر تشتت المعارضة إلى هيئات تتوالد وتسبب في تناقضاتها تمزّقاً أخطر لدى الشارع. وواقع الحال الأشبه بحرب داخل سوريا يمنع تحوّل نشاط كهذا إلى الحيز العام. وربط البعث بالعلمانية أقرب إلى الدجل منه إلى الفكر، فكيف لنظام دولة علماني تضمين الدستور شرط الدين فيمن يتولّى رئاسة الجمهورية، ناهيك عن القبول بجرائم الشرف، والأخذ برأي مجلس الإفتاء، وتبني تدريس الشريعة الإسلامية واتخاذ قانون الأحوال الشخصية تلك الشريعة مصدراً أساساً. ويمكن درءاً لتعارك الديني مع اللاديني اللجوء إلى نظام قضائي مزدوج، ديني ومدني، يترك الحرية للأفراد فيما يتعلق بالحقوق اللصيقة بالشخص كفرد.
ويأخذ علمانيون سوريون على البعث تفريطه بالقيم التي ألهمت بناء الدولة السورية الحديثة “دولة البعث”، والتي إن لم تأخذ بالعلمانية الخالصة، لم تشأ ولم تسمح بطغيان البعد الديني على الحياة العامة، وإن سمحت لرجاله المقربين، خلال العقد الماضي خاصة، بشبه سيطرة عامة على ما يسمى مجازاً بـ”الإسلام الاجتماعي”، على هدي نظرية بعثية ما بعد حداثية شعبوية تربط الرسالة الإسلامية بالجوهر العروبي. فتضاعُفُ عدد الجوامع، ومدارس حفظة القرآن انتهاء بمركز الدراسات الإسلامية، عدا عشرات المعاهد الدينية، دون نسيان نشاط القبيسيات الرجعي، ليست سوى أمثلة على ازوداجية الدولة وارتباكها في معايير السماح من عدمه بنشاط ديني يبدأ اجتماعيا ثم لا يلبث أن يطغى ويستفحل إلى ما وراء اللباس والزي والآداب العامة. وما سبق يعكس تذبذب السلطة السورية في وضع حدّ واضح إزاء علمانية الدولة من عدمها. والآن بعد أن تجاوز السوري الخوف، وخطت حركة الاحتجاج ظروفاً شديدة الصعوبة، تظهر دعوات قوية تعيد طرح العلمانية كحامية للدولة المأمولة، فهي القادرة على أخذ مسافة واحدة إزاء المكوّنات المذهبية والدينية في المجتمع السوري، وتنظيم العلاقة الحرجة بين الديني والسياسي، مما لا يسمح لها بتجاوز أي فئة أو تفضيل واحدة على أخرى.
وقد قوى النظام من الميول العلمانية “الحليفة” إبان أزمة الثمانينات العنيفة، وأصدرت وزارة الثقافة كتباً وترجمات كانت ممنوعة في بلدان كتّابها لدواع تتعلق بالحياء والحرج ذي المنشأ الأخلاقي الديني، وعرضت أفلام بدمشق منعتها الكنسية في روما، وكان مردّ تلك التقوية وذلك الدعم ضرب جذور الفكر الإخواني، وتضييق الخناق على أي بوادر سياسية دينية تهدد السلطة الحاكمة، وحوادث نزع الحجاب عن النساء في وسط دمشق تتناقلها الألسن إلى الآن، والسؤال الجدير بالطرح هنا، إذا ما كان صائباً طرح العلمانية من فوق أم انبثاقها من تحت، أي كونها تفرض بإرادة الدولة ممثلة بالسلطة العامة التي يعنيها ضبط الشؤون العامة في البلاد، أم إن ضبط الشؤون هذه تعود إلى حركة المجتمع وميوله الفكرية والسياسية، وأنها قيد التبدل والتحول رهناً بقوة النشاط الاجتماعي. فالعلمانية يجب أن تبقى من باب الاختيار ويحسن ترسيخها في سوريا الجديدة من باب الحريات العامة لا الفرض والقسر.
ولئن كان العقد الأخير عقد تضييق على العلمانيين وحراك المجتمع المدني، ونقل النقاش الاجتماعي السياسي من حيز الشارع الذي يطلق الأفكار ويختبرها، فإن ثمانية أشهر مضت تظهر مدى القرابة الغامضة بين الميول الدينية الدفينة، غير الأصولية ولا الجهادية، لدى غالبية السوريين وحمْل هذه الميول محمل مقارعة البعث حكمه الأبدي، وما يساعد في زيادة الخوف من الميول الإسلامية مبالغات إعلامية، وللأتراك دور في تضخيم قوة الإسلاميين في سوريا مذ بدأت رعايتها الباذخة لقادة الإخوان، وحال الإسلام التركي أقرب إلى البيزنس الترويجي منه إلى الإيديولوجيا الصلبة، وهذا لا يفوت على السوريين الذين يحميهم تنوع المكونات السكانية مما يمنع لاحقاً احتكار أي فئة وطغيانها على فئة أخرى.
وفي الأسابيع القليلة الماضية ظهر في سوريا وخارجها طوفان من الأفكار السياسية واللقاءات والمؤتمرات المعارضة، كان آخرها ائتلاف القوى العلمانية المعارض، وحركة الشباب العلماني، والتي تظل في العموم داخل حيز اجتهاد سياسي مبكّر، لا يبالي به أسياد النظام الذين ربما يريحهم مثل هذا الجهد الفكري يبذله المعارضون السوريون بجدية بالغة، فيما للعسكر “النظامي” على الأرض ما يفوق الفكر والعقل نفاذاً، وتلك ربما، أي قوة النفاذ والحسم، ستحدد الميول وتقلب التوقعات، دونما إغفال أنّ ثمة روحاً جديدة لدى العسكريين السوريين الأحرار، الذين -لأول مرة في تاريخ سوريا- يحملون السلاح لإنقاذ الشعب السوري من جرائم نظام عسكري قمعي احتكر حكم البلاد وضرب الأفكار كلها ببعضها لغرض واحد هو الاستمرار في الحكم. كانت علمانية البعث ضد الشعب، فيما علمانية المعارضة تندرج ضمن الخوف من احتكار تيار ديني تمثيل سوريا التي يتجاوز تركيبها السكاني وذاكرتها الحضارية العوامل الدينية، التي يمكن للعلمانية المرنة أن تحميها بدل أن تسقط البلاد التي اختفت لخمسة عقود تحت حجاب حماية القومية العربية، في حجاب أثقل وأشد هو حماية مبادئ الديانة الإسلامية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق