فرضيات؟! إنسَ الأمر…

قال نيوتن عبارته الشهيرة “أنا لا أكوّن فرضيات hypotheses non fingo” أو بالأحرى الموقف المذهل الذي يدافع عنه العالِم. أليس العلم بالتحديد هو فاعلية بناء وتجريب الفرضيات حول العالم الطبيعي؟ وبالتحديد هذه كانت وجهة نظر الفلاسفة المؤثرين بالعلم مثل “كارل بوبر”. قال بوبر إنّ الفرضيات العلمية لا يمكن أن إثبات صحّتها أبداً، لكن يمكن تكذيبها، أو إثبات أنها خاطئة. وبالنسبة لبوبر، العمليات العلمية من خلال الإقصاء الناجح للفرضيات الخاطئة. معظم الفلاسفة يتجاهلون وبفخر الفلسفة، لكنّ التكذيب البوبري هو واحد من تصوّرين فلسفيين اثنين من المحتمل أن تجدهما في أيّ كتاب علميّ تمهيديّ. (الأوّل هو الفكرة التي طرحها “توماس كون” عن الباراديغمات Paradigms أو النماذج الإرشادية. وهذا غريب بالأحرى، بما أن كون كان ناقداً شرساً لبوبر).

وجدت ورقة مذهلة دوّنها كلٌ من ديفيد غلاس ونيد هول -الأوّل يعمل باحثاً دوائياً حيوياً، والآخر فيلسوفاً- ومنشورة في مكانٍ غير محتمل، مجلة “سيل Cell” [8 أغسطس 2008]. وكما يصرّح عنوانها، إنّ لنقطة الرئيسية في الورقة هو تزويد القرّاء “بتاريخ مختصر للفرضية A brief history of the Hypothesis”. وهذا ما يكسبه صفة (واجب قراءته) حتى بالنسبة للعلماء الشبّان، وربّما ليس الشبّان فقط. لكنّ الذي شدّ انتباهي في الورقة هو أنّ غلاس وهول أقترحا أنّه -على نقيض مفهوم بوبر للعلم- من الأفضل للعلماء أن يستبدلا الفرضيات بمرشدين آخرين في بحثهم: الأسئلة والنماذج.

دعوني أوضّح الأمر بشكلٍ أفضل، نصف مشاكل الفرضيات تمّ توضيحها في الأعلى: ليست هناك أيّ طريقة لإثبات أنّ الفرضية صحيحة كلياً بشكل نهائيّ، لأنّ هناك دوماً احتمالا أن تكذّبها مجموعة من الملاحظات والأرصاد الجديدة. والأخبار السيئة هي – ويجهل ذلك الكثير من العلماء- أنّ الفلاسفة قدّموا حججاً مفحمة أنّ الفرضيات لا يمكن تفنيدها بشكلٍ حاسمٍ أيضاً. التكذيب لا ينفع، لأنّ الفرد يمكنه دائماً أن يلوي الفرضية حتى تناسب البيانات المخالفة أولياً، أو يسائل بعض الفرضيات الملحقة، أو حتى يسائل دقة البيانات نفسها. (وهذا ليس كلاما متكلّفا كما يبدو الأمر في منح التعقيد للآلات التي تستعمل في الوقت الحاضر لإنتاج البيانات العلمية، من مصادمات الجزيئات إلى مسلسلات الجينوم).

وماذا بعد؟ ينصحنا غلاس وهول بأن نعود إلى الأساسيات. فالعلم شأنه أن يطرح الأسئلة، ويقترحان: “سيبدو الأمر أنّ السؤال هو الأداة الأنسب لأنّ السؤال -عكس الفرضية- يعرّف العالم ككائن في حالة من الجهل عند غياب البيانات.” صحيح، أنا أصبحت عالماً لأنّ العلم يملك القوّة للإجابة عن الأسئلة المتعلّقة بالطبيعة. ويمكن تشكيل الأسئلة إمّا بطرق منفتحة أو بطرق محدّدة جداً، ويمكن في كلا الطريقتين تقديم الإرشاد للوصول إلى بحوث تجريبية مثمرة. علاوةً على ذلك -كما لاحظ غلاس وهول- في الكثير من المجالات العلمية المعاصرة لن يعرف الإنسان كيف الابتداء بتشكيل فرضيات محسوسة. على سبيل المثال، في مجال الهندسة الوراثية، من السهل طرح الأسئلة: كم عدد الجينات في الخريطة الوراثية؟ ما مدى اختلاف الجينوم البشري عن باقي الرئيسيات، وبأي شكل؟ ولكن ما نوع الفرضيات التي يمكن للإنسان أن يكوّنها لتحلّ محلّ هذه الأسئلة؟

إنّ البحث الجينومي بحث استكشافيّ للغاية، لذا من الطبيعي تأسيسه على أسئلة مطروحة بشكلٍ جيّد وممتاز. حتى عندما يكون البحث أكثر تقدّماً وأقل استكشافيةً، يزعم كلٌ من غلاس وهول أنّ الفرضيات ما زالت لن تعمل، حيث أنها لا يمكن لإثباتها ولا يمكن دحضها. وبدلاً من ذلك، فنحن نحتاج إلى نماذج عن الظاهرة تحت الدراسة.

بخلاف الفرضيات، تبنى النماذج بعد أن يتمّ إدخال بعض المعلومات، ثمّ تستخدم النماذج لتوقّع بيانات جديدة. ويمكن للنموذج أن يكون عرضياً بشكل إحصائيّ أو مباشر في الطبيعة، رياضيّ أو لغويّ، لكنّ تنبؤاته احتمالية، وتخضع للتكرير والتنقية بشكلٍ دائم.

إنها ديناميكية النماذج ذاتها التي تجعلها أدوات ثقافية وفكرية قوية في المسعى العلمي للمعرفة. كتب غلاس وهول يقولان: (( إنّ إقصاء مصطلح “الفرضية” واستبداله بمصطلح “سؤال” في الأمكنة التي تتكوّن فيها التجارب قبل أن تتوفر كمّيّة كافية من البيانات، و”النموذج” من أجل الأوضاع التي يعمل فيها العالم مع مجموعة كافية من البيانات لإنتاج بنية يمكن اختبارها للقوّة الاستقرائية [التنبؤية] )).

في المجالات التي تعتمد على بشدّة على التحليل الإحصائي، مثل البيولوجيا والعلوم الاجتماعية، قام بعض العلماء مسبقاً بالانتقال من حالة اختيار الفرضية إلى مقارنة النموذج. كانت تلك الاختبارات الإحصائية قد انطلقت لتحرّض “نظرية بسيطة -سيقول البعض مبسّطة- لاغية” ضدّ فرضية بديلة شاملة. وبالتدريج، استنتج الناس أنّ هذه الطريقة غير مجدية، ونلاحظ أنه خلال السنوات الأخيرة زيادة ثابتة في استخدام البرامج الإحصائية أكثر ممّا يمكن تحريض مجموعة من النماذج البديلة ضدّ بعضها البعض، بالطرق التحليلية التي يمكنها إخبارنا عن أي واحدة منها أكثر احتمالاً، معطيةً البيانات المتوفّرة.

الأمر المضحك بشأن ذلك أنه ومنذ عدّة سنوات قامت المؤسّسة الأمريكية القويمة لدعم العلم بحركة فلسفية في مناهجهم لإعطاء المنح. لقد طلبوا من العلماء بصراحة للتخلّص من الأسئلة (الطريقة التقليدية لتشكيل المنح) واستبدالها بمفهوم أكثر صلابةً من الفرضيات. لذا الآن في الوقت الحالي من المتوقع أنّ طالبة المنحة ستعاقب بشكل جدي إذا لم تضع اقتراحها بطريقة ما تتناقض بوضوح مع قول نيوتن المأثور (أنا أخاطر بالقول أنّ الاستشهاد بنيوتن كمرجع لن يساعد أبداً). ولكن هذا ما يحدث عندما لا يدفع العلماء سوى القليل من الانتباه إلى الفلسفة والتي منذ عدّة عقود خرجوا من فلسفة الأدب العلمي. على الأرجح أنّ علينا أن نفوّض فلسفة العلم 101 لكافّة الطلاّب المتخرّجين من الكليات العلمية.

{{ د. ماسيمو بيغلوتشي: رئيس قسم الفلسفة قي جامعة سيتي يونيفيرسيتي في نيويورك، كلية ليهمان، كما أنه مؤلف عدّة كتب أهمّها: Making Sense of Evolution: The Conceptual Foundations Of Evolutionary Biology (Chicago Press, 2006). ويمكن إيجاد إلهاماته الفلسفية على الموقع التالي: www.platofotnote.org

عن مجلة “الفلسفة الآن” عدد تموز/ آب 2009

موقع المجلة: www.Philosophynow.org}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق