فرنشيسكا ديماتيو تُخرج الفن من محنته / فاروق يوسف

فرنشيسكا ديماتيو تُخرج الفن من محنته / فاروق يوسف

منذ مطلع تسعينات القرن العشرين بدا واضحا أن حظ الرسامين والنحاتين قد أصابه النحس. لم تعد القاعات الفنية الكبيرة ولا المتاحف العالمية تظهر اي اهتمام يذكر بفنَّي الرسم والنحت. بل عزفت اللقاءات الفنية الدورية (البيينالات) بشكل قاطع عن عرض اللوحات والمنحوتات كما هي حال بيينال البندقية و"ديكومنته بازل"، اللذين هما أكثر التظاهرات الفنية تأثيرا في المشهد الفني العالمي وأكثرها عراقة. أكبر تظاهرتين فنيتين في المنطقة العربية (بيينال القاهرة وبيينال الشارقة) انساقتا منذ سنوات وراء هذا المزاج أيضا. لقد بتنا قريبين من الاعتراف بانقراض فنّي الرسم والنحت لولا أن السنتين الأخيرتين حملتا رياحا غير متوقعة أعادت إلى الرسم خصوصا جزءاً من مكانته المضاعة. ليس من اليسير على المراقب أن يصدّق ذلك التحول. فهناك مبالغ هائلة انفقت من أجل أن تكون فنون ما بعد الحداثة (المفاهيم والحدث والفيديو والمواد الجاهزة والتركيب والانشاء  والأرض والجسد وسواها) هي الأنواع الفنية البديلة التي تعبّر عن مزاج المستقبل. لكن الاهتمام برسوم فرنشيسكا ديماتيو على سبيل المثال يجعلنا نقتنع بأن في إمكان الرسم على الأقل أن يكون جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه من حيوية الفن في عصرنا. ولكن، ما الذي فعلته تلك الفنانة لكي تحظى بكل الاهتمام العالمي الذي أحيطت به؟

 

1

 

 

ترسم فرنشيسكا ديماتيو المولودة في نيويورك عام 1981، عالماً هو مجموعة من المشاهد المتشابكة لا يمكن أن نعثر عليها مجتمعةً في مكان واحد. شظايا مرآة تجرح، وبقايا مرئيات تمتزج بما لا يمكن توقع وجوده أو النظر إليه إلا من خلال عين تتخيل مفردات معجم سري. من طريق ذلك الهذيان البصري، تعيدنا فرنشيسكا ديماتيو إلى الرسم. تعيد الرسم إلينا. لكنها من طريق ذلك الرسم، تجعلنا نشك في واقعية وجودنا. نحن الذين نقف خارج المشهد نكون فجأة جزءاً من المشهد. لِمَ لا؟ في إمكان اللوحة أن تتسع لكل خيال. لكل حركة. لكل جسد. لوحة مثل نص مفتوح على كل ما يلحق به، أو ما سبقها أيضا. تأوهات وتناغمات وتقاطعات لا تنتهي. دورة حياة تتكرر من غير أن تكون نفسها دائما. أحد ما نسي الاسطوانة على الحاكي تدور، ولكن ما نسمعه في كل مرة ليس الشيء نفسه. في البدء يكون في إمكاننا أن نرى تفصيلا ما، لكن دوام النظر يعني الضياع في شبكة لا تنتهي من العلاقات الشكلية ذات المستويات المتشابكة من المعاني. فوضى متخيلة تركز على الحواس. البصر أولا. ليس هناك من موضوع في عينه إلا في ما ندر. يمكنك أن تقول اي شيء ما دام ليس هناك من يسمع. أسلوب لقول ما تراه مناسبا لمزاج تغلب عليه الهلوسة. واقعيتها مضنية لمن يبحث عن مستوى واحد للواقع.

 

 

 

2 

 

 

لم تتجاوز ديماتيو الثلاثين بعد. قد يعتبرها البعض صغيرة (هي كذلك، وليست كذلك. الأمر كله لا يستقيم لمنطق في عينه)، غير أن حال الفن تقول شيئا آخر. منذ عقدين لا يضمّ المشهد الفني العالمي إلا شبابا لم يتجاوزوا الثلاثين من أعمارهم. طبعا، الآن كبروا وصاروا مكرسين بطريقة لم يتمتع بها فنانو الأجيال الماضية إلا في ما ندر. نذكر: تريسي امين، منى حاطوم، داميان هيرست، أنش كابور، شيرين نشأت، سندي شيرمان، جيف كونز، نان غولدن، سارة سزز وآخرون، كانوا ولا يزالون تحت الضوء دائما. ترعاهم القاعات الفنية وتهتم المتاحف الكبرى بتجاربهم الفنية المحيّرة في أهدافها والمكلفة ماليا. بل صارت شؤونهم الشخصية الصغيرة محط اهتمام المجلات الأسبوعية. ديماتيو دخلت على هذا الخط في الوقت المناسب إذاً. لكنها تقف في الجانب المقابل للجانب الذي يقف عليه معظم الفنانين الذين يحملون لواء ما بعد الحداثة. تمسكها بالرسم لم يمنعها من اختراع تقنيتها الخاصة التي أعانت الرسم في الخروج من محنته. لأقلْ بوضوح: هي ابنة فكر ما بعد الحداثة. لا تفكر في الرسم انطلاقا من المبادئ التي ارسى أسسها كبار رسامي الحداثة الفنية في القرن العشرين، على الرغم من التزامها قواعد الرسم. براعتها وقوتها مدرسياً، ماثلتان ولا يمكن اغفالهما. ما يثير الاهتمام في تجربتها، لا يبتعد عن هذه الحقيقة كثيرا. هي ذي رسامة تعرف الرسم جيدا. تجيد لعبته تماما، غير أنها تريد أن تمضي به إلى أماكن لم يتعرف اليها من قبل. أخذت من الحداثة قواعد الرسم ومما بعد الحداثة مبادئ النظر. فماذا كانت النتيجة؟

 

 

3

 

 

قد يشعر دعاة تيارات ما بعد الحداثة بالحسرة وهم ينظرون إلى رسوم فرنشيسكا ديماتيو. سيقولون: "كان في إمكانها أن تشيد في الفضاء أبنيتها المتطايرة هذه لتخلق فضاء جديدا مبتكرا هو مزيج من العمارة والرسم والنحت". فرنشيسكا ديماتيو التي ترسم الوجوه كما لو أنها تنحتها، يفرحها هذا المديح المتأسي، ذلك لأنه يضعها في قلب مغامرتها: رسامة تجهز فنها بإيحاء فضاء تخيلي مختلف. فهي لم ترسم من أجل أن تصف تلك الامكنة المتشظية، الآتية من تناقضاتها، بقدر ما سعت إلى تمرين عين المتلقي على توقع المفاجئ والصادم وغير المبرر من العلاقات بين الأشكال. ما يتخطى قدرتنا الذهنية، تستوعبه أبصارنا المنبهرة. وهي بذلك ترسي قواعد فكرة مغامرة عن الرسم تستمد جزءاً من خيالها المتشنج من السوريالية. أعتقد أن الرسامة استطاعت من طريق هذه الاستعادة أن تستل من السوريالية خيطا خفيا قد يكون الخيط الوحيد الذي لا يقود إلى الأدب. تمدّ الرسامة يدها إلى الزمن لتسرق فكرة كامنة، تكون بمثابة القاعدة التي تبني عليها كياناتها المجهزة بأحدث المظاهر التقنية. هناك تحت سطوحها تتحرك رؤى السورياليين كلهم، وفي الأخص ماكس ارنست. تعتمد فرنشيسكا ديماتيو مبدأ الهدم والتفكيك، ومن ثم اعادة البناء، بما يشبه المصادفة، وإن كانت تلك المصادفة مقررة سلفا، ولكن من قبل مَن؟ هي ذي رسامة تستخرج من العدم الذي هو صورة من الواقع، مشاهد لم يرها أحد من قبل. في حدود التشاؤم الضيقة يمكننا أن نزعم أن تلك المشاهد هي نبوءة لما يمكن أن ينتج من حرب ناعمة، لن تكون بأفضل حال عما نعرفه من حروب خشنة. ماكس أرنست كان يتخيل ذلك من خلال أعماله الورقية التي اعتمد في انجازها على تقنية الكولاج. الخرافة اختلفت. فبدلا من اساطير وحكايات ماكس ارنست، لجأت فرنشيسكا ديماتيو إلى الأبنية المعاصرة، وهي خرافتنا التي لا نعرف إلى أين تقودنا متاهتها.

 

 

 

4

 

 

تبدو لوحات فرنشيسكا ديماتيو كما لو أنها رسمت على الجدار مباشرة. خدعة تمارسها الرسامة. لا تحتاج رسومها إلى خلفيات بيضاء. لا تحتاج لكي تكون موجودة إلى محيط يشير إليها. لوحة تصنع جدارها الخاص الذي يتماهى مع حيوية حركتها. يكون الجدار موجودا لأن اللوحة تشاء ذلك. تتمدد اللوحة فتعجز الزاوية عن إيقافها. تذهب اللوحة إلى هدفها السري الغامض من غير أن يفكر احد في ماهية ذلك الهدف. لن يقول أحد: لنرَ ما سيحدث. ذلك لأن اللوحة سبقتنا إلى ذلك السؤال وفككته مستغلةً خواءه. ما حدث يكفي للإجابة. الأمكنة تتداعى. الجمال يتخيل تداعيه. لن نقف في النقطة ذاتها لنرى الماضي ونرى المستقبل بالقوة نفسها. علينا أن نتحاشى ما يقع على رؤوسنا، وفي الوقت نفسه علينا أن نخشى الوقوع في فخ أرضي. فرنشيسكا ديماتيو تمزج الفضاءات ليمهد لها ذلك المزيج فكرتها عن مزج الأفكار والتأملات. اخلاصها لعصرها يبدو جليا من خلال نوع الأبنية، مادتها واساليب استعمالها. ما من شيء آتٍ من جهة مجهولة سوى الرسم. وهو الذي يضبط ايقاع كل الاشكال الواقعية التي صارت رهينة تجلياتها غير الواقعية. ربما لا يجد البعض في تجربة ديماتيو رسما مؤثرا، وهذا تجد فيه الرسامة جانبا ايجابيا في مغامرتها، ذلك لأنها لا تبحث عن تأثير الرسم العاطفي بقدر ما تسعى إلى أن يكون الرسم وسيلة للمعرفة. من يدقق النظر في رسوم فرنشيسكا ديماتيو لا بد أن يقول لنفسه أشياء كثيرة عن الزوال ¶         

 

 

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق