فروقات المصاحف (8)

 من هو زيد:

 زيد بن ثابت هو الرجل الأهمّ في تاريخ القرآن الذي بين أيدينا اليوم؛ فمن هو هذا الرجل؟. يقول الصفدي في " الوافي بالوفيات" : "زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد أبو سعيد، ويقال أبو حارثة، الأنصاري الخزرجي النجاري المدني الفرضي، أحد كتّاب رسول الله (ص)، تعلّم له السريانّية في سبعة عشر يوماً، واعتمد عليه أبو بكر وعمر وعثمان في جمع القرآن وكتبة المصاحف، وتحاكم إليه عمر وأبيّ بن كعب في منزله، وكان مع عمر لما خطب بالجابية، وتولّي قسمة الغنائم باليرموك، وشهد الدار مع عثمان وكان يذبّ عنه، وكان يقول: يا للأنصار كونوا أنصاراً لله مرّتين انصروه، والله، إنّ دمه لحرام! … وقال أبو أحمد الحاكم : قدم رسول الله (ص) المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنةً، وكان رسول الله (ص) إذا نزل عليه الوحي بعث إليه فكتبه، وقال: أجازني رسول الله يوم الخندق وكساني قبطيةً، وقال أنس : جمع القرآن على عهد رسول الله (ص) أربعةُ كلُّهم من الأنصار: أبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت ورجل من الأنصار يقال له أبو زيد، وزاد الشعبي: وأبو الدرداء وسعد بن عُبيد … وعن عطيّة بن قيس الكلابي قال، قال رسول الله (ص) : "من أحبّ أن يقرأ القرآن غضاً أو غريضاً فليقرأه بقراءة زيد".

 وقال الشعبي: غلب زيد بن ثابت الناس على اثنتين : الفرائض والقرآن، وكان زيد يكتب الكتابين جميعاً : العربيّة والعبرانيّة، وأوّل مشهد شهده مع رسّول الله (ص) الخندق، وهو ابن خمسة عشر سنة، وكان مّمن ينقل التراب يومئذٍ مع المسلمين، فقال رسول الله (ص): أما إنّه نعم الغلام! وقال سليمان بن يسار: ما كان عمر وعثمان يقدّمان على زيد بن ثابت أحداً في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: الناس، على قراءة زيد وفرض زيد. وتوفّي بالمدينة سنة إحدى أو اثنتين أو أربع أو خمس أو ستّ وخمسين، وقيل سنة خمسة أو ثمان وأربعين، وصَلى عليه مروان، وارتجّت المدينة لموته وكثر البكاء عليه" (2000).

 يقول ابن منظور في "مختصره" : "وزيد بن ثابت أمه النوار بنت مالك بن معاوية بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. وقيل: كانت كنية زيد بن ثابت أبو سعيد، وكان كاتب سيدنا رسول الله (ص)، ثم كان كاتب عمر بن الخطاب، وله القراءة والفرائض. قال زيد بن ثابت: قدم النبي (ص) المدينة وأنا ابن إحدى عشرة سنة. قال زيد بن ثابت : أتي بي النبي (ص) مقدمه المدينة، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أنزل إليك سبع عشرة سورة. قال : فقرأت على رسول الله (ص) فأعجبه ذلك، فقال: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي، قال: فتعلمته، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب لرسول الله (ص) إذا كتب إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له" ( 1224 ).

 في " المعرفة والتاريخ " للفسوي، نقرأ نصّاً هامّاً حول زيد : "قال النبي (ص) [ لزيد ]: تأتيني كتب لا أحبّ أن يقرأها أحد، فتحسن السريانية ؟ قلت: لا. قال: فتعلمها. فتعلمتها في سبعة عشر يوماً… عن مسروق قال: أتيت المدينة فسألت عن أصحاب النبي (ص) فإذا زيد من الراسخين في العلم… عن الشعبي قال : ذهب زيد بن ثابت ليركب ووضع رجله في الركاب فأمسك ابن عباس بالركاب؛ فقال: تنحّ يا ابن عم رسول الله (ص). فقال: لا هكذا نفعل بالعلماء والكبراء… قال ابن عباس: وزيد بدفن ! ألا من سره أن يعلم كيف يذهب العلم، ألا فهكذا يذهب العلم" ( 101). راجع أيضاً :  ترتيب الأمالي الخميسية، محيي الدين العيشي 55؛ تاريخ الذهبي 502.

 في "تاريخ الذهبي" نقرأ : " ما كان عمر وعثمان يقدمان أحداً على زيد بن ثابت في القضاء والفتوى والفرائض والقراءة. وقال حجاج بن أرطأة، عن نافع قال: استعمل عمر زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقاً. وقال ابن شهاب: لو هلك عثمان وزيد بن ثابت في بعض الزمان لهلك علم الفرائض، لقد أتى على الناس زمان وما يعلمهما غيرهما. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: الناس على قراءة زيد وفرض زيد…  وقال يحيى بن سعيد: لما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات حبر الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفاً " ( 502 ).

 من هنا، يعلّق الغزالي: "ولذلك قال ابن عباس (رض): ما من أحد إلا يؤخذ من علمه ويترك إلا رسول الله (ص) وقد كان تعلم من زيد بن ثابت الفقه وقرأ على أبي بن كعب ثم خالفهما في الفقه والقراءة جميعاً" (احياء علوم الدين، 84 ).

 بعودة إلى ما كتبه جفري حول زيد بن ثابت، نورد التالي: [ إن دور زيد بن ثابت في الروايات التي تتناول تحرير القرآن معروف إلى درجة أنه ليس بحاجة إلى مزيد من الذكر. وفي الروايات الاعتياديّة يصوّر زيد على أنه الجامع الفعلي للنص الذي يفترض أنه أساس التحرير الأول الذي قام به بإشراف أبي بكر والتحرير الرسمي الذي تمّ بإشراف عثمان. ويقال إنه كان واحداً من كتّاب النبي بل يقال إنه كتب سوراً من الوحي بإملاء من النبي ذاته. وحقيقة أن النبي كان يستدعيه لكتابة مقاطع معينة من الوحي كان لها سمة رسميّة تم توسيعها لاحقاً بحيث أضحت قصّة مفادها أنه كلما جاء جبريل إلى النبي كان الأخير يستدعي زيداً لكتابة ما أوحي إليه. ثمة توسيع إضافي حدث على هذه القصّة وذلك في الرواية التي تقول إن النبي قال " إن كل من يرغب أن يتلو القرآن غضّاً دعه يتلوه وفق قراءة زيد بن ثابت ".

 يرد اسم زيد ضمن قوائم أولئك الذين جمعوا القرآن في حياة النبي ( نشر، 6:1 ). قد يكون هذا استنتاجاً من علاقته بجمع النص الرسمي، لكن يبدو أنه كان أحد الصحابة المهتمين بجمع مادة الوحي ( مما يستحق الذكر هنا هو أنه في بعض القوائم يرد اسمه جنباً إلى جنب مع أبي ومعاذ بن جبل وأبي زيد على أساس أنهم الأربعة الذين اهتموا وحدهم بجمع القرآن والنبي على قيد الحياة؛ البخاري 397:3؛ مسند 233:3؛ ابن عساكر 445:5)، وبالطبع فإن قد يكون بدأ جمعه وقت كان النبي على قيد الحياة. ومن عبارة لابن قتيبة في المعرف، 133، والتي تقول " إن مصحفه كان آخر ما فحصه النبي ، وهو بالتالي الأقرب إلينا من كل ما عداه"، يتوضح لنا أنه امتلك مصحفاً خاصّاً به. هذه العبارة التي لا يخفى على أحد تحيّزها، كانت المراد منها إضفاء مرجعيّة نبويّة على مجموعات الصحابة، لكن التمييز الذي نجده بين " مصاحفنا "، أي النص العثماني ومصحف زيد يبدو دليلاً واضحاً على أن مصحف زيد اعتبر واحداً من المصاحف ما قبل العثمانيّة.

 إن الحقيقة التي تقول إن اسمه لا يرد في بعض المراجع إلا ضمن علاقته مع المجموعة التي تم تحضيرها تحت رعاية أبي بكر لا مع تلك التي تم تحضيرها برعاية عثمان ( الخزرجي، خلاصة تهذيب الكمال، 108 )، قد تعطينا أساساً قويّاً كي نفترض أن مصحفه الذي عُرف باسم مصحف زيد قد يكون المصحف الذي تم تحضيره للخليفة أبي بكر، وقد صنع نسخة لذاته عن هذا المصحف بينما صارت نسخة أبي بكر إلى حفصة كما روي للتوّ.

 لا يذكر ابن أبي داود مصحف زيد، لكن ابن الأنباري في عمله كتاب المصاحف، كما يستشهد به الألوسي، 49:28، يقدّم قراءة في السورة 7:59؛ كما وجدت في مصحفي ابن مسعود وزيد. لا بدّ أن القراءات التي تقدّمها لنا التفاسير نقلاً عن زيد إنما ترجع إلى مصحفه القديم بقدر ما تفترض تلك القراءات نصّاً ساكناً مختلفاً عن ذلك المتضمن في النسخة المعياريّة، لأنه بعد توطيد أسس النص المعياري العثماني فإن أي قراءات تأتي من زيد ستأخذ حتماً طبيعة تفسير ذلك النص الساكن.

 لقد كان نصّه الأصلي يمثّل أحد أشكال تقليد المدينة، ويقال إن كلاً من أبي هريرة وابن عبّاس أخذا نصيهما منه ( الجزري، طبقات 206:1 )] جفري.

 الصراع حول المرجعيّة:

 تتناقض الروايات الإسلاميّة بشدة – كالعادة – حول أفضليّة عبد الله بن مسعود على زيد بن ثابت في مسألة المرجعيّة القرآنيّة. ولا نعتقد إلا أن دور العامل المصلحي- السياسي كان مرجّحاً – كالعادة أيضاً – في تفضيل هذا الراوي لواحد على الآخر. وقد كان لدعم الخليفة الحاكم أكبر الأثر في النهاية المأساوية لعبد الله بن مسعود وقرآنه. مع ذلك، والحق يقال، لم يستطع الرواة طمس كل الحقائق؛ فالمراجع الإسلاميّة تحتفظ لنا بكمّ لا بأس به من أخبار ابن مسعود وأخبار قرآنه ومكانته ومكانة قرآنه عند النبي والجماعة الإسلاميّة الأولى.

 يقول الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد الحافظ" : "عن محمد بن اسحق قال: عبد الله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن الحرث بن تميم بن الهذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان حليف بني زهرة بن عدنان وقد شهد بدراً، وفي رواية ابن مخزوم بن كاهل بن حارث بن سعد بن هذيل حلفاء بني زهرة… عبد الله بن عتبة بن مسعود بن كاهل بن حبيب بن ثابت بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار… وعن عبد الله بن مسعود؛ قال: لقد رأيتني واني لسادس ستة ما على الأرض مسلم غيرنا…قال…عمر:… قال رسول الله (ص): من سرّه أن يقرأ القرآن رطباً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد!… وعن عبد الله يعني ابن مسعود أن رسول الله (ص)؛ قال : من سره ان يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد… وعن عبد الله عن أبي بكر وعمر أنهما بشراه ان رسول الله (ص) قال له: سل تعطه….  وعن مجاهد عن ابن عباس؛ قال: أي القراءتين كانت آخر قراءة؟ عبد الله أو قراءة زيد؟ قال: قلنا : قراءة زيد! قال : ألا ان رسول الله (ص) كان يعرض القرآن على جبريل عليه السلام كل عام مرة فلما كان العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين وكان آخر القراءة قراءة عبد الله! …وعن عبد الله يعني ابن مسعود؛ قال: قرأت على رسول الله (ص) سبعين سورة وختمت القرآن على خير الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه! " ( 1738 )؛ القواعد والاشارات في أصول القرآن لابن أبي الرضا الحموي 3.

 وفي "الوافي بالوفيات" نقرأ عن عبد الله بن مسعود : "عبد الله بن مسعود بن غافل – بالغين المعجمة والفاء – بن حبيب بن شمخ، أبو عبد الرحمان الهذلي، حليف بني زهرة. كان أبوه في الجاهلية قد حالف عبد الله بن الحارث بن زهرة وأم عبد الله أم عبد بنت عبدودٍ من هذيل. كان إسلام عبد الله قديماً حين أسلم سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب قبل إسلام عمر بزمانٍ، وكان سبب إسلامه أنه كان يرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمر به رسول الله (ص)، وأخذ شاةً حائلاً من تلك الغنم فدرت علينا لبناً غزيراً فحلبه في إناءٍ وشرب وسقى أبا بكرٍ ثم قال للضرع: اقلص! فقلص. قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله! علمني من هذا القول. فمسح رأسي وقال: يرحمك الله فإنك عليمٌ معلمٌ. قال ابن عبد البر: ثم ضمه إليه رسول الله (ص)، وكان يلج عليه ويلبسه نعليه ويمشي أمامه ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام. وقال له رسول الله (ص): إذنك علي أن ترفع الحجاب وأن تجمع سوادي حتى أنهاك. وكان يعرف في الصحابة بصاحب السواد والسواك. شهد بدراً والحديبية ، وهاجر الهجرتين جميعاً الأولى إِلى الحبشة والثانية من مكة إلى المدينة، وصلى القبلتين وشهد له رسول الله (ص) بالجنة. وقال (ص): رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبدٍ، وسخطت لها ما سخط ابن أم عبدٍ. وقال (ص): اهدوا هدي عمارٍ وتمسكوا بعهد ابن أم عبدٍ. وقال (ص): رجل عبد الله أو رجلا عبد الله في الميزان أثقل من أحد… وقال عمر فيه: كنيفٌ ملئ علماً " ( 2502 ). راجع أيضاً: طبقات ابن سعد 395.

 في طبقات ابن سعد نقرأ النص السابق مع إضافات لا بأس بها: قال ابن عبّاس: " أي القراءتين تعدون أولى؟ قال: قلنا: قراءة عبد الله! فقال: إن رسول الله (ص) كان يعرض عليه القرآن في كل رمضان مرة إلا العام الذي قبض فيه فإنه عرض عليه مرتين فحضره عبد الله بن مسعود فشهد ما نسخ منه وما بدل…  قال عبد الله [ بن مسعود ]: ما أنزلت سورة إلا وأنا أعلم فيما نزلت ولو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل أو المطايا لأتيته. [ و ] كان نفر من أصحاب النبي (ص) … في دار أبي موسى يعرضون مصحفاً؛ قال: فقام عبد الله فخرج؛ فقال أبو مسعود هذا أعلم من بقي بما أنزل الله على محمد (ص)… [ و ] قال أبو موسى الأشعري: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم يعني ابن مسعود! " ( 395 )؛ راجع أيضاً: كنز العمال 295؛ 
 حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني 64؛ تاريخ آداب العرب للرافعي 149؛  فضائل القرآن للنسائي 3؛ كنز العمال 295؛ شرح النهج لابن أبي الحديد 236. " وقال مسروق: إنتهى علم الصحابة إلى علي وابن مسعود " (  تاريخ الذهبي 432 ).

 يضيف الذهبي في "تاريخه" أموراً أخرى إلى مناقب ابن أم عبد، أو عبد الله بن مسعود: " قال رسول الله (ص) : "لو كنت مؤمراً أحد عن غير مشورة لأمرت عليهم ابن أم عبد"… وعن علي؛ قال: أمر رسول الله (ص) ابن مسعود فصعد شجرة فنظر الصحابة إلى ساقي عبد الله، فضحكوا من حموشة ساقيه، فقال رسول الله (ص): "ما تضحكون لهما في الميزان يوم القيامة أثقل من أحد".. عن حذيفة؛ قال: قال رسول الله (ص): "اقتدوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدى عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد"…لكن لفظه: "وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه". وقال منصور، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال رسول الله (ص): "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد"… وقال علقمة: كان ابن مسعود يشبه النبي (ص) في هديه وله وسمته… كتب عمر إلى أهل الكوفة: إنني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميراً، وابن مسعود معلماً ووزيراً، وهما من النجباء من أصحاب رسول الله (ص) من أهل بدر، فاسمعوا لهما، واقتدوا بهما، فقد آثرتكم بعبد الله على نفسي. وقال عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله (ص) يقول: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى حذيفة" " (  432 )؛ راجع:  فضائل القرآن للنسائي 3؛ القواعد والإشارات في أصول القرآن لابن أبي الرضا الحموي 3؛ الوافي بالوفيات 2502؛ البداية 3222؛ كنز العمال 162؛ بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي 336.

 يبدو واضحاً للعيان أن عبد الله بن مسعود لم يكن راضياً عن تحميل عثمان زيد بن ثابت مسئوليّة كتابة أول مصحف رسمي في تاريخ المسلمين. ونحن هنا لا نحاول التحليل أو استنطاق النص، بل جمع ما أمكن من وثائق لتركها في عهدة تحليل مستقبلي، يكون أساساً لما أسميناه بالنقديّة القرآنيّة. يذكر طبقات ابن سعد عن ابن مسعود قوله: " والذي لا إله غيره لقد أخذت من في رسول الله (ص) بضعاً وسبعين سورة وزيد بن ثابت غلام له ذؤابتان يلعب مع الغلمان " ( 395 )؛ راجع أيضاً: تاريخ الذهبي 432؛ سير أعلام النبلاء 109؛ مختصر ابن منظور 1899. في أحد المراجع نقرأ نصّاً هامّاً حول المسألة؛ ينقل عن ابن مسعود قوله: " وإن زيْدَ بن ثابت ليهودي له ذؤابتان" (  تاريخ ابن شبة 294؛ تاريخ ابن شبة 295). راجع أيضاً: طبقات ابن سعد 395؛ تاريخ الإسلام للذهبي 432؛ أنساب الأشراف 1517؛ المعرفة والتاريخ للفسوي 308؛ سير أعلام النبلاء للذهبي 109. في نص ابن أبي الحديد؛ يقال: " وإن زيد بن ثابت لغلام في الكتاب، له ذؤابة " ( شرح النهج 236 ). في " البداية والنهاية "؛ يقال: " له ذؤابة يلعب مع الغلمان " ( 3222 )؛ في سير أعلام النبلاء نص قريب ( 109 )؛ راجع أيضاً: الانصاف للباقلاني 30؛ الاستيعاب لابن عبد البر 304؛ الوافي بالوفيات 2502؛  حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني 64؛ مختصر ابن منظور 1898. لكننا لا نعرف إن كانت الذؤابة إشارة مبطنة إلى أصل زيد اليهودي، خاصّة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار العلاقة بين زيد، من بين كل الصحابة، واليهودية والعبرانيّة؛ وهو ما أشرنا إليه آنفاً في "من هو زيد؟".

 إضافة إلى إشارة ابن مسعود المبطّنة إلى "يهوديّة" زيد، نجد منه إشارة أخرى إلى أن أباه كان كافراً : "عن الزهري؛ قال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن ابن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف؛ وقال: يا معشر المسلمين! أعزل عن نسخ المصاحف ويولاها رجل والله لقد أسلمت وأنه لفي صلب أبيه كافر؟! يريد زيد بن ثابت!" ( سير أعلام النبلاء للذهبي، 109؛ أنظر أيضاً : مختصر ابن منظور 1899؛ تاريخ ابن شبة 295 ). يمكن هنا الإشارة إلى ما ورد في شرح النهج لبن أبي الحديد : "ومثل قول أبي بن كعب في القرآن: لقد قرأت القرآن وزيد هذا غلام ذو ذؤابتين يلعب بين صبيان اليهود في المكتب " ( 2091 ).

 إضافة إلى ما سبق يمكن القول إن بني النجّار، الذين ينتمي زيد إليهم (راجع هنا نسب النبي ذاته)، كانوا إما يهوداً كلّهم أو أن قسماً منهم كان متهوداً. في نص "عهد المدينة" الذي كان أول معاهدة بين النبي محمد واليهود، نقرأ : "وليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف " ( نهاية الأرب 1841 ). وفي " تهذيب سيرة ابن هشام " نص مطابق: " وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف" (151). وفي "عيون الأثر" نقرأ : " كتاباً بين المهاجرين والأنصار ووادع فيه يهود … وذكر مثل ذلك ليهود بني النجار" ( 125 ). راجع أيضاً: سيرة ابن هشام 177. في " سيرة ابن هشام "، نقرأ أيضاً: " ومن يهود بني النجار … سلسلة بن برهام … فهؤلاء أحبار اليهود ، أهل الشرور والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأصحاب المسألة ، والنصب لأمر الإسلام الشرور ليطفئوه ، إلا ما كان من عبدالله بن سلام ، ومخيريق " ( سيرة ابن هشام 182). راجع: البداية 1789. وفي نص آخر رواية حول كيف " نصبت أحبار يهود العداوة لرسول الله … ومن يهود بني النجار: سلسلة بن برهام؛ هؤلاء أحبار يهود، وأهل العداوة لله تعالى ولرسوله، لم يستثن منهم إلا عبد الله بن سلام ومخيريق، فانهما أسلما " ( نهاية الأرب 1848 ). راجع: تهذيب السيرة 155. وفي مرجع آخر: " ومن يهود بني النجار: سلسلة بن برهام… قال ابن إسحاق: فهؤلاء أحبار يهود وأهل الشرور والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم " ( البداية 1797 ). في "  تهذيب الكمال في اسماء الرجال للمزي 502 "، يطالعنا ذكر ليهودي: " وسعد بن زرارة من بني مالك بن النجار وهو المدخن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أصغرهم سناً وأخبثهم ".

 بالمقابل، هنالك نصوص واضحة تخبرنا أن بني النجار كانوا من " موالي اليهود ". في نهاية الأرب للنويري، يسأل النبي " نفر من الخزرج، قال: أمن موالي يهود ؟ قالوا: نعم … وهم من بني النجار: أسعد بن زرارة بن عدس، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء " ( 1825 ). راجع أيضاً: عيون الأثر في المغازي والسير لابن سيد الناس 100؛ تهذيب سيرة ابن هشام عبد السلام هارون 150؛ سيرة ابن هشام 147؛ البداية والنهاية 1729. لا بد أن نذكّر هنا بنص في التهذيب يحكي عن رجم النبي ليهوديين زنيا " عند باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار " ( تهذيب 174 ).

 خطب ابن مسعود على المنبر فقال: من يغلل يأت بما غل يوم القيامة، غلوا مصاحفكم، كيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله (ص) بضعاً وسبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، ما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بأكبركم، ولو أعلم مكاناً تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته. أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، فقال: يا معشر المسلمين، أعزل عن نسخ كتاب المصاحف، ويولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب أبيه كافر- يريد زيد بن ثابت- ولذلك قال عبد الله: يا أهل الكوفة-أو يا أهل العراق- اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها فغن الله عز وجل يقول:" ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة" فالقوا الله بالمصاحف. قال الزهري: فبلغني أن ذلك كره من مقالة ابن مسعود كرهه رجال من أفاضل أصحاب النبي (ص). قال ابن أبي داود: عبد الله بن مسعود بدري وزيد ليس هو بدرياً وإنما ولوه لأنه كاتب رسول الله (ص) . منظور 1899

 من هنا، فقد طلب ابن مسعود من أهل الكوفة أن يكتموا مصاحفهم ويغلوها؛ قال: " اكتموا المصاحف التي عندكم وغلوها" ( تاريخ الذهبي 432؛ سير أعلام النبلاء للذهبي 109؛ راجع أيضاً:  تاريخ ابن شبة 295 )؛ وفي طبقات ابن سعد، يضيف ابن مسعود: " فلأن أقرأ على قراءة من أحب أحب إلي من أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت " ( 395 ) راجع أيضاً: مختصر ابن منظور 1899.

 يحاول المتأخرون أن يجدوا تبريراً لعلة عثمان؛ فمن قائل: " وإنما ولى عثمان زيد بن ثابت لحضوره وغيبة عبد الله، ولأنه كان يكتب الوحي لرسول الله (ص) " ( كنز العمال 295 )؛ ويقول غيره: " وإنما عدل عنه عثمان لغيبته عنه بالكوفة ولأن زيداً كان يكتب الوحي لرسول الله (ص)، فهو إمام في الرسم وابن مسعود فإمام في الأداء؛ ثم إن زيداً هو الذي ندبه الصديق لكتابة المصحف وجمع القرآن: فهلا عتب على أبي بكر؟ وقد ورد أن ابن مسعود رضي وتابع عثمان ولله الحمد. وفي مصحف ابن مسعود أشياء أظنها نسخت! وأما زيد فكان أحدث القوم بالعرضة الأخيرة التي عرضها النبي (ص) عام توفي على جبريل " ( سير أعلام النبلاء للذهبي 109 ). كلام الذهبي يدحضه ما أورده ابن منظور في مختصره: " إن رسول الله (ص) كان يعرض عليه القرآن في كل رمضان مرة إلا العام الذي قبض فيه، فإنه عرض عليه مرتين بحضرة عبد الله، فشهد ما نسخ منه وما بدل " (  مختصر ابن منظور 1899 ). ويزيد الطين بلة أحد الباحثين المعاصرين: " وإلى هذا نظر رسول الله (ص) حين عرض عليه القرآن العرضة الأخيرة، وما كان يعلم أنها الأخيرة لولا ما علمه الله، فاختار قراءة زيد بن ثابت صاحب هذه العرضة، وبها كان يقرأ وكان يصلي إلى أن انتقل إلى جوار ربه " ( تاريخ آداب العرب للرافعي 149 )؛ ويقال أيضاً: " قال ثعلبة ابن أبي مالك: سمعت عثمان يقول: من يعذرني من ابن مسعود غضب إذ لم أوله نسخ المصاحف! هلا غضب على أبي بكر وعمر إذ عزلاه عن ذلك ووليا زيداً فاتبعت فعلهما " (  سير اعلام النبلاء 222 ).

 لكن الوقائع تدحض كثيراً مما يقوله الذهبي آنفاً. فالرافعي، على سبيل المثال، يقرّ أن الناس زمن عمر كانت تعتمد على الأقل في الرتيب نصين واحد لابن مسعود والثاني لأبي: " ثم كانوا في أيام عمر يكتبون بعض المصاحف منتسقة السور على ترتيب ابن مسعود، وترتيب أبيّ بن كعب " ( تاريخ آداب العرب 146 ) – وهذان المصحفان تم إحراقهما على يدي عثمان بن عفّان: " إن عثمان أحرق مصحف ابن مسعود ومصحف أبي وجمع الناس على مصحف زيد بن ثابت " ( الرياض النضرة للطبري 234 )؛ وابن مسعود لم يرض عما فعله عثمان، الذي " ضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر بعض أضلاعه " لأن " عبد الله كره منه جمعه الناس على قراءة زيد بن ثابت وإحراقه المصاحف، وثقل ذلك عليه كما يثقل على الواحد منا تقديم غيره عليه " ، وكان طلبه على فراش الموت، " ألا يصلي علي عثمان " ( شرح النهج لابن أبي الحديد 234؛ راجع أيضاً: كامل ابن الأثير 492).

 يقول ابن أبي الرضا الحموي إن المصحف عرض في العرضة الأخيرة بحضور أبي، لكنه لا ينفي رواية وجود زيد: " كتب الإمام على حرف أبي في الأصح؛ لأنه على العرضة الأخيرة . وقيل على حرف زيد بن ثابت " ( القواعد والإشارات في أصول القرآن 3 )؛ مع ذلك، فالكاتب ذاته، يرد على الحديث النبوي القائل، من أراد أن يسمع القرآن كما أنزل فليسمعه من في ابن أم عبد، بأن النبي " حض على متابعة ابن مسعود في الترتيل"، فهو " يعني الترتيل لا حرفه المخالف للرسم " ( المرجع السابق ).

 من هنا، بدأ الطعن بابن مسعود ومصحفه، دون إغفال لدور السياسة في ذلك: " جحد من كتاب الله تعالى سورتين … وشتم زيد بن ثابت بأقبح الشتم لما اختار المسلمون قراءته لأنها آخر العرض…عمل بالفرقة في أمور كثيرة ولم يزل يقول في عثمان القول القبيح منذ اختار قراءة زيد " ( تأويل مختلف الحديث للدينوري 5 ).

 تدفعنا المسألة إلى التساؤل عمّا حذى بالأمويين إلى محاربة مصحف ابن مسعود إلى درجة أن يخبرنا أحد المراجع أن " الحجاج – قبحه الله – يقول: … ولا أجد أحداً يقرأ على قراءة ابن أم عبد [ ابن مسعود ] إلا ضربت عنقه، ولأحكنها من المصحف ولو بضلع خنزير… وإنما نقم على قراءة ابن مسعود رضي الله عنه لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الذي جمع الناس عليه عثمان… [ ويخبرنا ] الصلت بن دينار، سمعت الحجاج على منبر واسط يقول: عبد الله بن مسعود رأس المنافقين لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه " ( البداية 3222 ).

 مصحف زيد:

 كما جرت عليه العادة، تتناقض الروايات حتى التعارض فيما يتعلّق بمسألة دور زيد بن ثابت في القرآن العثماني الذي فرض على عامة المسلمين في العقد الثالث للهجرة، وما يزال مفروضاً إلى اليوم.

 يقول المكي في " قوت القلوب ": " وقبض رسول اللّه (ص) عن عشرين ألف صحابي لم يقرؤوا القرآن غير نظر فلم يحفظ القرآن كله منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين، وقال بعضهم: ولم يكن جمعه من الخلفاء الأربعة أحد، وختم ابن عباس على أبي بن كعب وقرأ عبد الرحمن ابن عوف على ابن عباس وقرأ عثمان بن عفان على زيد بن ثابت وقرأ أهل الصفة على أبي هريرة " ( 82 ).

 ويكمل اليافعي، فيقول: " الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله (ص) وكلهم من الأنصار: معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو زيد فيما رواه مسلم؛ وروى غيره: حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي (ص) وذكر بعض العلماء منهم خمسة عشر صحابياً، وثبت في الصحيح: قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن، وكانت اليمامة قريباً من وفاة النبي (ص)" ( مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان 35 ).

 تختلف الأسماء قليلاً عند المتقي الهندي؛ حين يقول: " جمع القرآن على عهد رسول الله (ص) ستة نفر من الأنصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعيد بن عبيد، وأبو زيد، وكان مجمع ابن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاثة…  جمع القرآن في زمان رسول الله (ص) خمسة نفر من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وأبو الدرداء، وأبو أيوب. عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: كان ممن ختم القرآن ورسول الله (ص) حي عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود" ( كنز العمال 290 ).

 تحت عنوان " اختلف فيمن جمع القرآن في عهد رسول الله (ص) "، يقول ابن أبي الرضا الحموي في كتابه " القواعد والإشارات في أصول القرآن ": " فقيل: أربعة، وقيل: ستة وقيل: خمسة؛ فعد المربعون أبياً، ومعاذاً، وزيد بن ثابت، وأبا زيد؛ وهو قول أنس. فقيل: من أبو زيد؟ قال: بعض عمومتي. وعد بعضهم مجمع بن جارية وسالماً مولى أبي حذيفة وترك زيداً، وأبا زيد وعثمان، وتميماً الداري. وعد بعضهم أبا الدرداء مكان تميم. وحكى ابن عيينة عن الشعبي؛ أنه قال: لم يقرأ القرآن على عهد رسول الله  (ص) إلا ستة كلهم من الأنصار: أُبي، ومعاذ، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد القاري وأبوزيد، وزيد. فقيل هو ابن ثابت، وقيل: لا. والأول أظهر "( 2 ).

 متى بدأ زيد بن ثابت جمع القرآن؟ في "اتقان السيوطي"، نعرف أن زيد جمع القرآن على عهد أبي بكر: "  قال زيد: قال أبو بكر : إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (ص) فتتبع القرآن واجمعه " ( 67 )؛ أنظر أيضاً: المعرفة والتاريخ للفسوي 101. تفاصيل إضافيّة مررنا على بعضها في الملفات السابقة نورد منها: " عن زيد بن ثابت إن عمر بن الخطاب (رض) جاء إلى أبي بكر؛ فقال: إن القتل قد أسرع في قرّاء القرآن أيام وقد خشيت إن يهلك القرآن فأكتبه! فقال أبو بكر: فكيف نصنع بشيء لم يأمرنا فيه رسول الله (ص) بأمر ولم يعهد إلينا فيه؟… قال زيد: فدعاني أبو بكر فقال انك رجل شاب قد كنت تكتب الوحي لرسول الله (ص) فأجمع القرآن واكتبه … فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات ثم كانت عند عمر حتى مات ثم كانت عند حفصة " (  المقنع للداني 1 ).

 لكن الرافعي في "تاريخ آداب العرب" يذكر شيئاً آخر: "جمعوا القرآن كله لذلك العهد، وقد اختلفوا في تعيينهم، بيد أنهم أجمعوا على نفر، منهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وهؤلاء كانوا مادة هذا الأمر من بعد فإن المصاحف التي اختصت بالثقة كانت ثلاثة: مصحف ابن مسعود، ومصحف أبيّ، ومصحف زيد، وكلهم قرأ القرآن وعرضه على النبي (ص)، فأما ابن مسعود فقرأ بمكة وعرض هناك، وأمّا أبيّ فإنه قرأ بعد الهجرة وعرض في ذلك الوقت، وأما زيد فقرأه بعدهما وكان عرضه متأخراً عن الجميع، وهو آخر العرض إذ كان في سنة وفاته (ص) وبقراءته كان يقرأ – عليه الصلاة والسلام- وكان يُصلي إلى أن لحق بربه، ولذلك اختار المسلمون ما كان آخر كما ستعرفه.

 أما علي بن أبي طالب فقد ذكروا أن له مصحفاً جمعه لما رأى الناس طيرة عند وفاة النبي (ص)" ( 143 ). ويؤكّد كنز العمّال "من مسند الصديق (رض) عن أبي عبد الرحمن السلمي؛ قال: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة" ( 290 ).

 ويصل أحد المراجع إلى حل توفيقي، مفاده: "أن أبا بكر الصديق أول من جمع القرآن في المصاحف حين قُتل أصحاب اليمامة، وعثمان الذي جمع المصاحف على مصحف واحد " ( الجوهرة للبري 269 ). – فماذا فعل عثمان وزيد؟ وما هو دور حذيفة بن اليمان في المسألة؟

 يقول ابن شبّة في " تاريخه ": " كان حذيفة هو الذي أشارَ على عثمان (رض) أن يَجْمعَ المصاحف على مُصْحَفِ واحد " ( 293 ).

 تتناقض الروايات حول السبب الذي حذا بحذيفة لأن يحضّ عثمان على وضع مصحفه؛ لكنها تتقاطع في حدثين. يورد الذهبي في " تاريخه " رواية عن أنس، تقول: " إن حذيفة قدم على عثمان، وكان يغزو مع أهل العراق قبل أرمينية، فاجتمع في ذلك الغزو أهل الشام، وأهل العراق، فتنازعوا في القرآن حتى سمع حذيفة من اختلافهم ما يكره، فركب حتى أتى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى في الكتب " ( 452 )؛ راجع: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للشامي 673.

 رواية ابن كثير في " البداية والنهاية " لا تختلف كثيراً عن رواية الذهبي: " أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبي الدرداء، وجماعة من أهل العراق، ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خطّأ الآخر أو كفره.

 فأدى ذلك إلى اختلاف شديد… فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة ودفع الاختلاف، فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت يجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر. فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان … وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب، وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش. فكتب لأهل الشام مصحفاً، ولأهل مصر آخر، بعث إلى البصرة مصحفاً، وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفاً، وإلى اليمين مثله، وأقر بالمدينة مصحفاً. ويقال لهذه المصاحف: الأئمة، وليست كلها بخط عثمان بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت " ( 2795 )؛ أنظر: الجوهرة للبري 269؛ حيث نجد ضمن الحاضرين أيضاً " ابن عبّاس " وحيث يقال: " قال زيد: فجعلنا نختلف في الشيء، ثم نجمع أمرنا على رأي واحد ". أنظر أيضاً:

 مراجع أخرى تؤكّد على الرواية السابقة مع تحويرات بسيطة لكن هامّة: " فجمع عثمان الصحابة أخبرهم الخبر، فأعظموه، فأرسل إلى حفصة بنت عمر (رض) أن أرسلي إلينا بالصحف لننسخها… فأخذها عثمان منها، وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وابن عباس وسعيد بن العاص وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف… وكتبت أربع نسخ، فبعث نسخة إلى الكوفة، وأخرى إلى البصرة، وأخرى إلى الشام، وأمسك واحدة لنفسه " ( الأرب في فنون الأدب للنويري 2302 )؛ راجع:  مختصر ابن منظور 2198.

 الأسماء تختلف عند البرّي: " فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت وإلى عبد الله بن عمرو بن العاص وإلى عبد الله بن الزبير وإلى ابن عباس وإلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: انسخوا هذه الصحف في مصحف واحد. وقال للقرشيين: إن اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على لسان قريش، فإنما نزل بلسان قريش. قال زيد: فجعلنا نختلف في الشيء، ثم نجمع أمرنا على رأي واحد " (الجوهرة في نسب النبي  269 )؛ لكن النسخ أربعة والحواضر ذاتها. في الفهرست الأسماء أربعة: " زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف " ( 13؛ راجع: الكامل لابن الأثير 492؛ جواهر الأدب للهاشمي 139 ). وفي المقنع للداني يضاف اسم ابن عبّاس ( 2 ).

 يخبرنا أحد المراجع أنه " فلما كان أيام عثمان كثر اختلاف الناس في القراءات، فقالوا: حرف عبد الله وحرف أبي موسى، فاستشار الصحابة فأشاروا عليه بجمع الناس على مصحف واحد، فجمع ما كان بأيدي الناس من المصاحف واحرقها أو قالوا غسلها، وأمر سعد بن العاص، وكان أفصح الناس فأملى على زيد بن ثابت فكتب مصاحف وفرقها في البلدان، فأبو بكر أول من جمع القرآن وعثمان أول من جمع الناس على مصحف واحد في كلام هذا معناه" ( الأوائل، أبو هلال العسكري 38؛ حول إحراق عثمان للمصاحف؛ راجع:  تاريخ ابن شبة  290؛ تاريخ السيوطي 30؛ سمط العوالي للعصامي 480؛ راجع أيضاً: محاضرات الراغب 510 حيث الحديث أيضاً عن إحراق مروان بن الحكم لمصحف حفصة خشية الاختلاف! ). يؤكّد ذلك ابن منظور في " مختصره " حين ينقل الرواية التالية: " قال يزيد بن معاوية الأشجعي: إني لفي المسجد زمن الوليد بن عقبة في حلقة فيها حذيفة… إذ هتف هاتف: من كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأت الزاوية التي عند أبواب كندة، ومن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبد الله، فاختلفا في آية في سورة البقرة، قرأ هذا"وأتموا الحج والعمرة للبيت"، وقرأ هذا" وأتموا الحج والعمرة لله" فغضب حذيفة واحمرت عيناه " ( 2198 ). وينقل ابن أثير في " الكامل " عن حذيفة قوله: " رأيت أناساً من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد، ورأيت أهل دمشق يقولون: إن قراءتهم خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك وإنهم قرأوا على ابن مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك وإنهم قرأوا على أبي موسى ويسمون مصحفه لباب القلوب " ( 492 ). وفي رواية: " وأن أهل حمص يقولون: قراءتنا خير من قراءة غيرنا، وأخذناها عن المقداد، وأهل دمشق يقولون كذلك، وأهل البصرة عن أبي موسى، وأهل الكوفة عن ابن مسعود " ( تاريخ ابن خلدون 711؛ انظر أيضاً: الرياض النضرة للمحب الطبري 211؛ كنز العمال 288؛ تاريخ ابن شبة 290 ).

 بعودة إلى ابن منظور، نقرأ: " وأهل البصرة يقرؤون على قراءة أبي موسى ويسمونها لباب الفؤاد، وأهل مصر يقرؤون على قراءة المقداد وسالم؟ فسأل عثمان: مالباب الفؤاد؟ فقيل: مصحف كتبه أبو موسى، وكان قرأ على رجال كثير ممن لم يكن جمع على النبي (ص). وسأل عن مصحف ابن مسعود؛ فقيل له: قرأ على مجمع بن جارية وخباب بن الأرت، وجمع القرآن بالكوفة، فكتب مصحفاً وسأل عن المقداد فقيل له: جمع القرآن بالشام، فلم يكونوا قرؤوا على النبي (ص) إنما جمعوا القرآن في أمصارهم " ( 2199 ). وفي رواية أخرى لابن منظور، نقرأ عن حذيفة: " رأيت أمداد أهل الشام حين قدموا علينا، فرأيت أناساً من أهل حمص يزعمون لأناس من أهل الكوفة أنهم أصوب قراءة منهم، وأن المقداد أخذها من رسول الله (ص)، ويقول الكوفيون مثل ذلك، ورأيت من أهل دمشق قوماً يقولون لهؤلاء: نحن أصوب منكم قراءة وقرآن، ويقول هؤلاء لهم في مثل ذلك. فلما رجع إلى الكوفة دخل المسجد فحذر الناس مما سمع في غزاته، فساعده على ذلك أصحاب رسول الله (ص) ومن أخذ عنهم وعامة التابعين، وقال له قوم ممن قرأ على عبد الله: وما تنكر؟ ألسنا نقرأ على قراءة ابن أم عبد؟ وأهل البصرة يقرؤون على قراءة أبي موسى ويسمونها لباب الفؤاد، وأهل مصر يقرؤون على قراءة المقداد وسالم؟ " ( مختصر ابن منظور 3946 ).

 يتجنب الرافعي على ما يبدو الخوض في تفاصيل الروايات الشائكة المتناقضة حول حذيفة والسبب الذي دفع به لأن يحرّض عثمان على وضع المصحف؛ فيقول: " إن حذيفة رأى " كثرة اختلاف المسلمين في وجوه القراءة، أنهم لا يجرون من ذلك على أصل في الفطرة اللغوية كما كان العرب يقرؤون بلحونهم، ورأى ما يبدر على ألسنتهم حين يأتي كل فريق منهم بما لم يسمع من غيره، إذ يتمارون فيه حتى يكفر بعضهم بعضاً " ( تاريخ 146 )؛ ويكمل: " فأرسل عثمان إلى حفصة فبعثت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأمرهم أن ينسخوها في المصاحف ثم قال للرهط القرشيين الثلاثة: ما اختلفتم به أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريشٍ فإنه بلسانهم.

  ثم أرسل عثمان إلى حفصة يسألها أن تعطيه الصحيفة، وحلف لها ليردنها إليها فأعطته فعرض المصحف عليها فلم يختلف في شيء، فردها إلى وطابت نفسه، وأمر الناس أن يكتبوا مصاحف، فلما ماتت حفصة أرسل إلى عبد الله بن عمر في الصحيفة بعزمه فأعطاهم إياها فغسلت غسلاً.

 ثم بعث في كل أفق بمصحف من تلك المصاحف، وكانت سبعة -في قول مشهور- فأرسل منها إلى مكة، والشام، واليمن، والبحرين، والبصرة، والكوفة، وحبس بالمدينة واحداً، وهو مصحفه الذي يسمى الإمام ثم أمر بما عدا ذلك من صحيفة أو مصحف أن يحرق، ولم يجعل في عزيمته تلك رخصة سائغة لأحد. وكان جمع عثمان في سنة 25 للهجرة " ( تاريخ آداب العرب 146 ).

 تتفق بعض الروايات للغاية في أن من أملى كان سعيد بن العاص ومن كتب كان زيد بن ثابت: يقول ابن شبّة في " تاريخه ": " كان الرجل يقرأ فيقول له صاحبه: كفرتَ بما تقول، فَرُفع ذلك إلى ابن عفان فتعاظَم في نفسه فجمع اثنَيْ عشر رجلاً من قريش والأنصار، منهم، أُبي بن كعب، وزَيْد بن ثابت، وأرسل إليّ الرقعة التي كانت في بيت عمر (رض) فيها القرآن…  جلس عثمان بن عفان… ثم قال: إنما عهدكم بنبيكم (ص) منذ ثلاث عشرة سنة، لِمَ أنتم تَخْتَلِفُون في القرَاءة؟ يقول أحدُكم لصاحبه: ما تُتِمّ قراءتك؟ قال: فعزم على كل مَنْ كان عنده شيء من القرآن إلا جَاءَ بِهِ، قال: فجاء الناسُ بما عندهم، فجعل يسألهم عليه البينة أنهم سَمِعُوه مِن رسول الله (ص)، ثم قال: من أعْرَبُ الناسِ؟ قالوا: زَيْدُ بن ثابت كاتبُ رسول الله (ص)، قال: فَلْيُمل سعيد، وليكتُب زَيْد، وكتَبَ مصاحف وفرَقها في الأجناد " ( 291 ). وفي نص آخر، نقرأ عن عثمان: " أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت، فقال: ليكتب أحدهما ويملي الآخر " ( كنز العمال 288 )؛ راجع: المقنع للداني 2. ويضيف الشامي بعض تفاصيل أخرى: " وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب وأن يملي عليه سعيد بن العاص الأموي…  وإنما هي بخط زيد بن ثابت، إنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه وخلافته " ( سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 673 ). وفي نص آخر: " وقال الزهري: إن أبان بن سعيد بن العاص أملى مصحف عثمان على زيد بن ثابت بأمر عثمان، ويؤيد هذا قول من زعم أنه توفي سنة تسع وعشرين " ( أسد الغابة 22 ). وفي إحدى روايات ابن منظور، نقرأ: " فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله (ص) زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال: عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد " ( مختصر 2199 ). وعلى ذلك توافق إحدى روايات " كنز العمال " حيث يقال: "  قال… عثمان…: … عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة، وأنتم تمترون في القرآن، تقولون قراءة أبي، وقراءة عبد الله … فليمل سعيد وليكتب زيد " ( 289 ) راجع أيضاً:  تاريخ الإسلام للذهبي 453؛  تاريخ ابن شبة 292؛ مختصر ابن منظور 2199.

 اختلافات مربكة:

 تمتلئ الروايات، كالعادة، بأشكال التناقض الصارخ؛ وقد أحصينا من ذلك أمثلة كثيرة؛ منها رواية في كنز العمال تنسب الموضوع برمته لعمر بن الخطّاب: " لما جمع عمر بن الخطاب المصحف؛ سأل عمر: من أعرب الناس؟ قيل سعيد بن العاص، فقال: من أكتب الناس؟ فقيل زيد بن ثابت، قال: فليمل سعيد وليكتب زيد! فكتبوا مصاحف أربعة، فأنفذ مصحفاً منها إلى الكوفة ومصحفاً إلى البصرة ومصحفاً إلى الشام ومصحفاً إلى الحجاز. ابن الأنباري في المصاحف" ( 287 )؛ والأغرب أن يرفض عمر أن يقوم الأنصار بجمع القرآن: " أن الأنصار جاؤوا إلى عمر بن الخطاب، فقالوا: يا أمير المؤمنين نجمع القرآن في مصحف واحد؟ فقال: إنكم أقوام في ألسنتكم لحن وأنا أكره أن تحدثوا في القرآن لحناً وأبي عليهم " ( كنز العمال 287 ).

 ومن ذلك أيضاً ما ذكره ابن شبّة من أن المصحف كان في بيت عائشة؛ مع فروقات أخرى في أسماء أصحاب المصاحف، أو الذين ساهموا في وضع المصحف الرسمي: " أن عثمان بن عفان (رض) كتبَ إلى الأمصار: … فإن نفراً من أهل الأمصار اجتمعوا عندي فتدارسوا القراَن، فاختلفوا اختلافاً شديداً! فقال بعضهم: قرأتُ على أبي الدرداء، وقال بعضهم: قرأتُ على حرفِ عبد الله بن مسعود، وقال بعضهم: قرأت على حرف عبد الله بن قيس! … والعهدُ برسول اللّه (ص) حديث … وخشيتُ أن يختلفوا في دينهم بعد ذَهَابِ من بقي من أصحاب رسول الله (ص) الذين قرأوا القراَن على عَهْده وسَمِعوه من فِيه..  فأرْسلت إلى عائشة أم المؤمنين (رض) أن ترسل إليّ بالأدم الذي فيه القرآن الذي كتب عَنْ فَم رسول الله (ص) … فأمرت زيد بن ثابت أن يقوم على ذلك…ثم دعوت نفراً من كتاب أهل المدينة:… منهم نافع بن طَرِيف وعبدُ الله بن الوليد الخزاعي وعبد الرحمن بن أبي لُبَابَة فأمرتهم أن ينسخوا من ذلك الأدم أربعة مصاحف " (293).

 في استيعاب ابن عبد البر نجد رواية مفادها أن من أملى المصحف على زيد لم يكن سعيداً: " أبان بن سعيد هو الذي تولى إملاء مصحف عثمان (رض) على زيد بن ثابت أمرهما بذلك عثمان " ( 21 ). لكن رواية من إصابة العسقلاني تنفي ذلك: " لأن عثمان إنما أمر بذلك في خلافته فكيف يعيش إلى خلافة عثمان من قتل في خلافة أبي بكر؟ بل الرواية التي أشار إليها ابن عبد البر رواية شاذة … والمعروف أن المأمور بذلك سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص وهو ابن أخي أبان بن سعيد " ( 2 ).

 في رواية من " كنز العمال "؛ نقرأ: " أن عثمان بن عفان لما نسخ القرآن في المصاحف أرسل إلى أبي بن كعب، فكان يملي على زيد بن ثابت وزيد يكتب ومعه سعيد بن العاص يعربه، فهذا المصحف على قراءة أبي وزيد " ( 289 ). تؤكّد ذلك إحدى روايات ابن كثير؛ التي تقول: " كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله (ص) أُبي بن كعب، فإذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت…  بالمدينة – وإلا فالسور المكية لم يكن أُبي بن كعب حال نزولها، وقد كتبها الصَّحابة بمكة (رض)… كان يملي المصحف الإمام على زيد بن ثابت…  أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الأنصاري… قال أنس: جمع القرآن أربعة – يعني: من الأنصار -: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، ورجل من الأنصار يقال له: أبو يزيد " ( البداية والنهاية 2377). وفي الاستيعاب، نقرأ: " وكان أبي بن كعب ممن كتب لرسول الله (ص) الوحي قبل زيد بن ثابت، ومعه أيضاً! وكان زيد ألزم الصحابة لكتابه الوحي… وكان أبي إذا لم يحضر دعا رسول الله (ص) زيد بن ثابت فيكتب " ( استيعاب ابن عبد البر 22 ).

 في " مختصر " ابن منظور ثمة حديث هام عن السبب الذي دفع بعثمان لأن يستكتب زيداً دون ابن مسعود: " وإنما ولى عثمان زيد بن ثابت لحضوره وغيبة عبد الله، ولأنه كان يكتب الوحي لرسول الله (ص) وكتب المصحف في عهد أبي بكر الصديق " ( 1899 ).

 كالعادة، تُختتم الحكاية برواية عن أبي هريرة، يقدّم فيها دعماً لاهوتيّاً لما قام به عثمان: " عن أبي هريرة قال: لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة؛ فقال: أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله (ص)؛ يقول: إن أشد أمتي حبَّاً لي، قوم يأتون من بعدي يؤمنون ولم يروني، يعملون بما في الورق المعلق. فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصاحف، قال: فأعجب ذلك عثمان، وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف، وقال: والله ما علمت أنك لتحبس علينا حديث نبينا (ص)" ( البداية والنهاية لابن كثير 2795؛ راجع أيضاً: كنز العمال 290 ).

 وفي مدة الإمام عثمان كثرت الفتوحات وانتشر القراء في الأمصار  فأمر عثمان زيد بن ثابت وعد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوا تلك الصحف في مصحف واحد مرتب السور واقتصر فيه من جميع اللغات على لغة قريش لنزوله بلغتهم. جواهر الأدب للهاشمي 132

 فروقات زيد:

 أكثر ما اشتهر عن زيد من قراءة يخالف بها النص المعياري؛ التابوت التي قرأها التابوه. ورد في "الشوارد" للرضى الصاغاني: "التَّبوت والتابوه: التَّبُوت، والتَّابُوه: لُغتان في التَّابُوتِ، وبالهاءِ لغةُ الأَنْصار، وقرأَ زيدُ بنُ ثابت وأُبَيُّ بن كَعْبٍ ( رض ): أَنْ يَأْتِتَكُم التَّابُوهُ " ( 1 )؛ وهو ما يؤكّده المتقي الهندي؛ فيقول: " قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه! فقال النفر القرشيون: التابوت؛ وقال زيد بن ثابت: التابوه! فرفع اختلافهم إلى عثمان؛ فقال: اكتبوه التابوت فإنه بلسان قريش نزل " ( كنز العمال 288)؛ أنظر أيضاً: المقنع للداني 2؛ الجوهرة في نسب النبي للبري 269؛ الأرب في فنون الأدب للنويري 2302؛ تاريخ ابن شبة 292 ).

 ويقول السيوطي : "وأخرج عن زيد بن ثابت أنه كان يكره أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم، ليس لها سين" ( الاتقان 432 ).

 وقال الراغب في "محاضراته" : "أثبت زيد بن ثابت سورتي القنوت في القرآن " ( 510 ). وفي " التاريخ الكبير " للبخاري، نقرأ: " عن ابن أبي رافع عن أبيه مولى لحفصة رضي الله عنها: استكتبتني حفصة مصحفاً فقالت: أمليها عليك كما أقرئتها "على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر"فلقيت أبياً أو زيد بن ثابت فقال: هو كما قالت " ( 396 )؛ راجع أيضاً:  كنز العمال 234 ، 235؛  التدوين في أخبار قزوين 44.

 وفي " كنز العمال " نقرأ أيضاً: " عن زيد بن ثابت؛ قال: قد كنا نقرأ: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فقال له مروان: يا زيد أفلا نكتبها؟ قال: لا، ذكرنا ذلك وفينا عمر فقال: أسعفكم، قلنا وكيف ذلك؟ قال آتي النبي (ص) فأذكر ذلك، فذكر آية الرجم، فقال يا رسول الله اكتبني آية الرجم فأبى، وقال: لا أستطيع الآن " ( 287 ).

 في " كشاف " الزمخشري بضع إشارات إلى قراءات اختص بها زيد: " قرأ زيد بن ثابت: ينشركم؛ ومثله قوله: "فانتشروا في الأرض" الجمعة: 10، "ثم إذا أنتم بشر تنتشرون" الروم: 20 " ( 516 )؛ " وقرأ زيد بن ثابت: ذِرية بكسر الذال " ( 674 ).

 كالعادة، نجد عند القرطبي في " تفسيره " قراءات قليلة تعزا لزيد: " وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت "فنصفُ" بضم النون في جميع القرآن وهي لغة " ( القرطبي 563 )؛ " وروى سفيان عن حميد عن مجاهد أنه قرأ " ذرية " بفتح الذال وتشديد الراء والياء. وروى هذه القراءة عامر بن الواجد عن زيد بن ثابت. وروي عن زيد بن ثابت أيضا "ذرية" بكسر الذال وشد الراء " ( القرطبي 2027 )؛ " قراءة زيد بن ثابت وأهل المدينة "وحرام" وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم. وأهل الكوفة "وحرم" ورويت عن علي وابن مسعود وابن عباس " ( القرطبي 2307 )؛ " ويؤيده قراءة ابن عباس "سال سيل". قال عبد الرحمن بن زيد: سال واد من أودية جهنم يقال له: سائل؛ وقول زيد بن ثابت " (  القرطبي 2488 ).

 في بعض كتب الرحلات الإسلاميّة، ثمة ذكر لمصحف زيد بن ثابت. وقد وجدنا في " رحلة " ابن بطوطة النص التالي: " والكتب التي للحرم الشريف وبها خزان تحتوي على تابوت مبسوط متسع، فيه مصحف كريم بخط زيد بن ثابت (رض)، منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول الله (ص) تسليماً. وأهل مكة إذا أصابهم قحط أو شدة أخرجوا هذا المصحف الشريف، وفتحوا باب الكعبة، ووضعوه على العتبة الشريفة، ووضعوه في مقام إبراهيم … واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم، داعين متضرعين متوسلين بالمصحف العزيز والمقام الشريف، فلا ينفصلون إلا وقد تداركهم الله برحمته، وتغمدهم بلطفه. ويلي قبة العباس (رض) على انحراف منها القبة المعروفة بقبة اليهودية " ( رحلة ابن بطوطة 62 ).

 وفي " رحلة ابن جبير، نقرأ أيضاً ما يلي: " وفي القبة العباسية المذكورة خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع وفيه مصحف أحد الخلفاء الأربعة أصحاب رسول الله، (ص)، وبخط يد زيد بن ثابت، (رض)، منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول الله، (ص)، وينقص منه ورقات كثيرة. وهو بين دفتي عود مجلد بمغاليق من صفر، كبير الورقات واسعها، عايناه وتبركنا بتقبيله ومسح الخدود فيه. نفع الله بالنية في ذلك " (  رحلة ابن جبير 29 ).

 فروقات مصحف زيد بحسب جفري:

   نادرة للغاية الفروقات التي أرودها جفري في عمله، ونسبها لزيد بن ثابت باعتبارها مخالفة للنص العثماني الرسمي. لكننا لا تعرف مدى دقّة ما أوردته المراجع القديمة في هذا الشأن، خاصة وأن زيداً كان الأوحد الذي اتفقت حوله الاراء بشأن المصحف الرسمي.

 [ السورة 2

 الآية 139 أتحاجوننا قرأها زيد أتحاجونّا؛ مثل ابن مسعود والحسن.

 الآية 248 التابوت قرأها زيد التابوه، مثل أبي بن كعب.

 الآية 259 يتسنّه قرأها زيد يتسنّ.

 الآية 283 فرهان قرأها زيد فرهن، مثل الأعرج وغيره.

 السورة 5

 الآية 114 لأولنا وآخرنا قرأها زيد لأولانا وأخراتنا، مثل ابن محيصن والجحدري.

 السورة 7

 الآية 165 بئيس قرأها زيد بئس، واعتبرت قراءة بصرية وربما مكيّة.

 السورة 8

 الآية 25 لا تصيبن قرأها زيد لتصيبن، مثل ابن مسعود وعلي وغيرهما.

 السورة 49

 الآية 10 أخويكم قرأها زيد إخوانكم، مثل ابن مسعود وابن سيرين وعلي.

 السورة 59

 الآية 7 وابن السبيل قرأها زيد وابن السبيل والمهاجرين في سبيل الله، مثل ابن مسعود.

 السورة 81

 الآية 24 بضنين قرأها زيد بظنين، مثل ابن مسعود وابن عبّاس وغيرهما] جفري.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق