فرويد، واليهوديّة والصّهيونيّة

لم يكن النّزاع الفلسطيني الإسرائيلي ليستثني مجال البحث ولا مجال التّحليل النّفسي. فقد كانت رسالة بعث بها فرويد إلى الدكتور حاييم كوفلر (Chaim Koffler) (1) مدير منظّمة كيرين ها يسود (Keren Ha-Yesod) في القدس بتاريخ 26 فبراير/شباط 1930 مصدر جدال شرس وجد فيه مدير متحف فرويد في لندن، مايكل مولنار (Michael Molnar)، نفسه – من خلال ترجمته لها- متّهما بالدّعاية لفائدة الفلسطينيّين. وعلى الإثر، تمّ وضع ترجمة ثانية على موقع المتحف مصحوبة بردود فعل متنوّعة بما فيها ردّ للمحلّلة النّفسيّة النّيويوركيّة يهوديت يونغ (Yudit Jung)(2). وقد كان هذا الحادث كاشفا للأهواء التي قد يستثيرها كلّ ما يمتّ بصلة من قريب أو من بعيد بإسرائيل وبفلسطين، وهو ما نتمنّى أن يصار إلى تحليله في أحد الأيّام تحليلا عميقا وبكلّ رباطة جأش. لقد أضحى موقف فرويد – الذي فسّر بأشكال مختلفة – فجأة أمرا أساسيّا لدعم هذا الطّرف أو ذاك، وهو ما جعل إعلان فرويد عدم ميله لأيّ التزام عاطفيّ ورفضه التعصّب لطرف دون آخر، يذهب أدراج الرّياح. فما يهمّ هو إيجاد مرجعيّة يستند إليها كلّ طرف لاتّخاذ موقف صريح، حتّى ولو كان ذاك الموقف على طرف نقيض مع الفكر الفرويديّ ذاته. ولعلّ ما يزيد في غرابة ردّة الفعل هذه، أنّ فرويد كان طوال حياته شديد الوضوح في ما يتعلّق باليهوديّة والصّهيونيّة: منذ رسائله الأولى إلى خطيبته مارتا بارنيز (Martha Bernays) وصولا إلى آخر أعماله الرّئيسيّة موسى الإنسان والدّين التّوحيدي المنشور سنة وفاته عام 1939. ففي هذا الكتاب، الذي حيّر الكثير من قرّائه، حاول فرويد البحث عن جذور تبنّي التّوحيد من قبل الشّعب العبريّ الذي نسب ذلك إلى رجل عظيم، هو موسى، مفترضا أنّه كان مصريّا وأنّه قام بفرض ديانة جديدة على العبريّين مقتبسة من ديانة إخناتون بعد وفاته. ولعلّ هذا الكتاب هو حقّا تفكير شخصيّ حول تماهيات كاتبه اليهوديّ، لكنّه الملحد أيضا، في علاقته بالمشاكل الكأداء التي يطرحها أصل الدّيانة اليهوديّة والذي يفضي اليوم كما على عهد فرويد إلى طرق شبه مسدودة. إنّه تفكير مرتبط ارتباطا وثيقا، كما سنرى، بإشكاليّة العبقريّة والتّأثير الذي يمارسه الرّجال العظام على شعوبهم، ويفضي إلى اعتبارات نظريّة في غاية الأهمّية بالنّسبة للجغرافيا السّياسيّة، لأنّها تمسّ مشكلة التمثّلات الواعية واللاّواعية، والتّرابط بين علم النّفس الفردي وعلم نفس الجموع.

{{رسالة فرويد إلى حاييم كوفلر:}}

كانت رسالة فرويد إلى حاييم كوفلر موجزة ومتّزنة (3). وكان واضحا من خلالها افتخار فرويد بأن يتوجّه إليه باعتباره شخصيّة يهوديّة بارزة، ولكنّه رفض التّوقيع على العريضة التي تدين الانتفاضات العربيّة لعام 1929 والتي قتل فيها مئات من اليهود، وصرّح بعدم قدرته على إبداء تضامنه بسبب حياد مواقفه التي لا يمكنها إلهاب الحشود أو اجتذاب تبرعّات الأغنياء، وهو ما كان من الأهداف الرئيسيّة للمنظّمة الصّهيونيّة المسؤولة عن تمويل المستوطنات في الأراضي المقدّسة. كما أعلن فرويد بوضوح أيضا تعاطفه مع القضيّة الصّهيونيّة مستخدما بطريقة معبّرة ضمير المتكلّم في الجمع كي يشير إلى جامعة القدس التي يشغل أحد مناصبها، ولكنّه استخدم ذلك أيضا عند ذكره المستوطنات اليهوديّة في فلسطين. بيد أنّه لم يكن يعتقد بأنّ مشروع الدّولة اليهوديّة قد يكون واقعيّا، لاستحالة أن يتّفق المسيحيّون والمسلمون على أن توكل الأماكن المقدسة للدّولة الجديدة، وهو ما كان فرويد مصيبا بشأنه. أمّا الحلّ الذي سبق طرحه من قبل هرتزل، والقاضي بتأسيس وطن قوميّ على أرض أقلّ ثقلا من النّاحية التّاريخيّة، فقد بدا له أكثر معقوليّة رغم عدم واقعيّته بسبب عجزه عن تأجيج حماس المستوطنين والجهات المانحة السخيّة. ومن المهمّ هنا أن نلاحظ أنّ فرويد لا يدين المشروع في ذاته، ولا يشكّك في شرعيّته، لكنّه يرى استحالة تحقيقه. وفي هذا الصّدد، لا مندوحة من الإشارة إلى أنّه سبق لفرويد الحديث في كثير من الأحيان بشأن الشّعب اليهودي أو العبريّ، وأنّه صرّح خلال محادثة مع جيل دو لا توريت (Gilles de la Tourette) في باريس، حين ذكر أمامه إمكانيّة قيام حرب كبرى بين فرنسا وألمانيا، بأنّه يهوديّ، نافيا أن يكون ألمانيّا أو نمساويّا (4).

وتشهد جميع مراسلات فرويد على أنّه كان يشعر دائما بأنّه يهوديّ دون أن يكون متديّنا أو مؤمنا، وأنّ هذا الشّعور الرّاسخ بالانتماء للطّائفة اليهوديّة كان يمنعه من الوقوع في أحضان القوميّة الجرمانيّة التي جذبت إليها أكثر من واحد، والتي شعر هو نفسه في بعض الأحيان بانجذاب لاعقلانيّ نحوها. لكنّه رغم هذا الاعتراف بإحدى السّمات الرّئيسيّة لهويّته وحقيقة أنّه لم يكن أبدا خجلا من كونه يهوديّا – وهذه أكبر ميزاته، حسب ما يقول، في نظر اليهود الذين يكرّمونه بوصفه أحد أكبر الوجوه اليهوديّة في عصره -، فإنّه يرفض تبنّي التعصّب الأعمى لأولئك الأشخاص الذين يقدّسون حائط المبكى بوصفه أثرا قوميّا. وهذه النّقطة وإن كانت غير مصرّح بها في رسالته، إلاّ أنّها واضحة تمام الوضوح في أعماله ومراسلاته التي سنتحدّث عنها لاحقا. ولا مندوحة هنا من عقد صلة بين عدم الرّغبة في جرح مشاعر السكّان الأصليّين باستفزازات خطيرة، وتأجيل نشر الجزء الثّالث من كتاب موسى الإنسان والدّين التّوحيديّ عقب الغزو الألماني للنّمسا (l’Anschluss). ففرويد لم يكن يريد الإساءة إلى الكاثوليك وخاصّة الأب شميدت (Schmidt)، مؤرّخ الأديان ذي الحظوة عند الفاتيكان وفي إيطاليا الموسولينيّة، والمعارض بشدّة لآرائه. لقد رأى بحقّ في الكاثوليك الذين كانوا يضطهدون اليهود سابقا، حليفا محتملا لمكافحة الهمجيّة النّازيّة، مقدّرا أنّ كلتا الدّيانتين مستهدفتان في الواقع من قبل الأنظمة الكلّيانيّة الجديدة. هذه هي الحكمة والواقعية: فكلّ موقف غير محسوب يمكن أن يؤدّي أيضا إلى حصول تداعيات سلبيّة على ممارسة التّحليل النّفسي في النّمسا كما في إيطاليا. وقد نشر فرويد سنة 1939 كتابه حول موسى في أمستردام بعد عودته من منفاه في لندن وبعد أن استعاد التّفكير بحريّة، كما يقول. وتشرح رسالة سابقة كتبها سنة 1926 وموجّهة إلى إنريكو موريللي (Enrico Morelli) موقفه بدقّة. لقد أشار فيها إلى كتاب موريللي “التّحليل النّفسي (psicoanalisi) المنشور سنة 1926 في تورينو وخاصّة إلى كتيّبه بشأن المسألة الصّهيونيّة بالقول:

“لقد سرّني أن أرى مدى التّعاطف والإنسانيّة والتفهمّ الذي ميّز موقفكم من هذه القضيّة التي تتنازعها الأهواء البشريّة، وهو ما يضطرّني إلى شكركم شخصيّا. وأنا لا أعرف مدى حجّية اعتباركم التّحليل النّفسي نتاجا مباشرا للعقل اليهوديّ، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فهو لن يخجلني. فرغم انفصالي منذ فترة طويلة عن دين أسلافي، فإنّني لم أفقد البتّة الإحساس بالتّضامن مع شعبي، وأنا أنظر بارتياح إلى ما قلتموه حول تتلمذكم على رجل من بني جنسي هو العظيم لامبروزو (Lombroso)(5).

وهذا الشّعور بالتّضامن هو ما سيتّضح بكلّ جلاء في وقت لاحق حين سيكتب فرويد إلى ماكس إيتنغتون (Max Eitington) المتتبّع وأسرته لـ “الأنباء بشأن ما يحدث في الأراضي المقدّسة” التي كانت آنذاك مسرحا لاضطرابات كبيرة. إلاّ أنّ فرويد حاول أيضا وبصفة دائمة تحديد ماهيّة الشّيء الذي يشكّل الجوهر الغامض لما يجمع بين اليهود، ذلك الشّيء الخارق والعصيّ عن التّحديد “والذي ما يزال حتّى الآن بمنأى عن التّحليل الذي هو من سمات اليهودي” (6).

{{
يهوديّة فرويد:}}

لن أطيل الكلام حول هذا الشّعور القويّ بالانتماء عند فرويد، فهو أمر ثابت ويظهر في مناسبات عديدة في مراسلاته. لقد عاش فرويد في وسط يهودي لم يتنكّر له أبدا. لقد أشار في رسالة لاذعة وجّهها لأبراهام هارون روباك (Abraham Aaron Roback) بتاريخ 2 فيفري/شباط 1930 إلى أنّ تنشئته لم تكن يهوديّة وأنّه غير قادر على قراءة إهداء الكتاب الذي أرسله إليه، إذ هو مكتوب باللغة العبريّة، ولكنّه يشعر بأنّه كُرّم غاية التّكريم حين وضع اسمه ضمن قائمة عظماء “شعبنا” المذكورة في كتاب “التّأثير اليهودي في الفكر الحديث” المنشور سنة 1929 (Jewish Influence in Modern Thought) (7). و في رسالة موجّهة إلى منظّمة “بناي بريث” (B’nai B’rith) سنة 1926، شكر فرويد إخوانه الماسونيّين لما أبدوه من تعاطف تجاهه في ذلك الوقت ولما قدّموه من دعم باحتضانه حين كان يحسّ بالعزلة وبأنّه خارج عن القانون، وهو ما أتاح له عرض نظريّاته. ونحن نقتبس هنا فقرة طويلة من هذه الرّسالة بما يغنينا عن كلّ تعليق:

“إنّ حقيقة كونكم يهودا لا يمكنها إلاّ أن تسرّني لأنّني كنت أنا نفسي يهوديّا، وقد بدا لي دائما أنّ التنكّر لذلك لا يدخل في باب الدّناءة فحسب، بل هو أيضا وبكلّ صراحة من باب الرّعونة. لم تكن العقيدة هي ما يشدّني إلى اليهوديّة –وهذا ما يجب أن أعترف به- ولا حتّى الاعتزاز القوميّ لأنّني كنت على الدّوام ملحدا. لقد نشأت بلا دين، ولكن ليس دون احترام ما يسمّى المتطلبّات “الأخلاقية” للحضارة الإنسانيّة. ولقد جهدت في كلّ مرّة واجهت فيها مشاعر حماسة قوميّة، في دفعها باعتبارها مهلكة وظالمة، خوفا وفزعا ممّا فعلته الشّعوب التي نعيش بين ظهرانيها، نحن اليهود. ولكن بقي ما يكفي من الأشياء القادرة على جعل جاذبيّة اليهوديّة واليهود أمرا لا يقاوم، كثير من القوى العاطفيّة الغامضة – وهي من القوّة بحيث لا يمكن التعبير عنها بالكلمات- إضافة إلى وعي واضح بهويّة داخليّة، لغز وجود التّركيبة النّفسيّة ذاتها عند كلّ اليهود. وسرعان ما انضافت إلى كلّ ذلك حقيقة أخرى: لقد أدركت أنّني لست مدينا إلاّ لطبيعتي اليهوديّة في اكتسابي الصّفتين اللّتين غدتا ضروريّتين في حياتي الصّعبة. فلأنّني كنت يهوديّا، وجدت نفسي متحرّرا من كثير من الأفكار المسبقة التي تحدّ من استخدام الآخرين لذكائهم؛ وبصفتي يهوديّا، كنت مستعدّا للانضمام إلى المعارضة والتخلّي عن الانشغال بمسألة الاتّفاق مع (الدّهماء)” (8-9).

إنّ فرويد رغم إلحاده يبقى يهوديّا، وهذا ما يطرح بالطّبع مشكلة عويصة لأنّ الاعتقاد في إله واحد هو جوهر اليهوديّة في المقام الأوّل. إنّه لا يقول هنا إنّ معاداة الساميّة التي لا تزال حادّة في القرن التّاسع عشر في ألمانيا والنّمسا-المجر هي ما يجبره تحت طائلة اتّهامه بالجبن على التبرّؤ من قومه ويضطرّه إلى الشّعور بالتّضامن مع “جنسه” أو مع “شعبه” (10). وتشير المراسلات إلى حادثين طالما علّق عليهما فرويد. أولّهما هو تعرّضه لاعتداء داخل قطار من قبل أحد المسافرين قرب مدينة دريسدن لأنّه كان يريد إبقاء النّافذة مفتوحة في عزّ الشّتاء (11). لقد وُصف باليهودي القذر، ولكنّه تحدّى مهينيه وروى القصّة لخطيبته باعتزاز كبير. أمّا بخصوص الثّاني، فيروي كيف تمكّن زميله كارل كولر (Carl Koller) (12) بعد تعرضّه لهجمة مضادّة للساميّة من قبل أحد الجرّاحين من كسب الجولة في نهاية المطاف أمام مدير العيادة، وكيف أجبر على خوض عراك مع المعتدي (13). ولكنّ مطلب التهوّد لا يعود إلى وجود ضغط خارجيّ فحسب، بل هو يتطابق أيضا مع مساءلة للهويّة: إنّ فرويد يعزو عدم انقياده وانعدام الأحكام الفكريّة المسبقة عنده، ومثابرته وحماسه الثّابت، لأصوله اليهوديّة، وهي الصّفات التي يعدّها يهوديّة في جميع مراسلاته (14). وفي رسالة إلى خطيبته بتاريخ 2 فيفري/شباط 1886، يسوق فرويد بفخر رأي بروير (Breuer) حول شخصيّته:

“لقد قال لي إنّه اكتشف فيّ، تحت مسحة خجلي الظّاهري، قوّة عزم وشجاعة. وهذا ما كنت أعتقده دائما، ولكن دون أن أجرؤ على البوح به لأحد. ولطالما بدا لي أنّني ورثت كامل روح التمرّد ومجمل العاطفة التي مكّنت أسلافنا من الدّفاع عن هيكلهم وأنّني أستطيع التّضحية بحياتي بكلّ فرح من أجل قضيّة كبرى” (15).

وقد سبق أن كانت هذه المساءلة ظاهرة بوضوح من خلال رسالة طويلة موجّهة إلى مارتا بارنيز (Martha Bernays) بتاريخ 23 جويلية/تمّوز 1882. فقد تتبّع فرويد فيها في الواقع بطريقة غير مباشرة تطوّر اليهوديّة في الحقبة المعاصرة مستحضرا شخصيّة إسحاق بارنيز (Isaac Bernays)، وهو جدّ مارتا الذي كان رئيسا للطّائفة اليهوديّة في مدينتي هامبورغ وألتونا والذي سبق أن صوّره شيخ يهوديّ متعاطف، كان تلميذه ذات مرّة، في صورة رجل رائع ومستنير مقارنة بناثان الحكيم (Nathan le sage) في مسرحيّة ليسينغ (Gotthold Lessing):

“بما أنّ الدّين قد توقّف عن أن يكون عقيدة جامدة، فقد غدا موضوع تفكير من أجل إرضاء الأذواق الفنية الرّفيعة والمتطلّبات المتنامية للمنطق. وخلاصة القول إنّ سيّد هامبورغ لا يدعو إلى الدّين من أجل قداسته، بل لأنّه يبتهج بالشّعور القويّ الذي يجده في الدّين أو الذي يعزى إليه” (16).

ومع ذلك ينتهي فرويد إلى أنّ تلك “النّماذج التي يشعر فيها شيوخ اليهود بالرّاحة لن تتمكّن من حمايتنا” حتّى لو تمّ تخفيفها، وأنّ الوطن اليهوديّ الذي ينوي إنشاءه سيحتفظ فحسب بشيء جوهريّ هو “الابتهاج بالحياة”، ذلك أنّ اليهوديّ كما أكّد إسحاق بارنيز: “هو الزّهرة الرّقيقة للبشريّة، خُلِق من أجل المتعة، وهو يحتقر جميع أولئك الذين يعجزون عن بلوغها” (17). وقد احتفظ تلميذه، ذاك اليهوديّ الهرم الذي قابله في هامبورغ، بموهبة التلذّذ بتلك المتع التي يهبها الله، وهو ما ينسبه إلى المدرسة القديمة “المرتبطة أشدّ ما يكون بالدّين، دون أن تفصلنا عن الحياة” (18). وهذا هو السّبب في أنّ اليهود يقومون قبل تسعة أيّام من عيد التّاسع من آب (Tichah be-Av) الذي يحيون فيه ذكرى تدمير الهيكل، بحرمان أنفسهم من كلّ سرور قياسا بالأيّام الأخرى. وقد كان إيراد هذه الطرفة فرصة لفرويد كي يبدي ملاحظة جوهريّة بشأن دوام اليهوديّة: “ويقول المؤرّخون إنّه لو لم تدمّر القدس، لكنّا نحن اليهود اختفينا مثل شعوب كثيرة أخرى سبقتنا أو جاءت بعدنا. إنّ تدمير الهيكل المرئيّ هو ما سمح ببناء الصّرح اليهوديّ غير المرئيّ” (19). فهذه المسألة المتعلّقة بمسألة الهويّة اليهوديّة هي أمر محوريّ في مخطّط آخر أعمال فرويد: موسى الإنسان والدّين التّوحيديّ.

{{فرويد، موسى والتّوحيد:}}

غالبا ما اعتبر كتاب فرويد بمثابة نصّ شبه مجنون، وغير جادّ من النّاحية العلميّة. إلاّ أنّه كان متّصلا بجميع اهتمامات الكاتب التي تبدو توجّهاته المختلفة متناسقة أكثر بكثير ممّا هو معترف به عموما. لقد سبق لفرويد أن قرّر في شبابه الاهتمام بعلم الحيوان والفلسفة إلى جانب الطبّ. وكتب لإيميل فلوس (Emile Fluss) في عام 1873 يخبره بأنّه قرّر أن يصبح “عالم طبيعة” (Naturforscher)كي “أهتمّ بسجلاّت الطبيعة المحفوظة منذ آلاف السّنين. عساي أصبح شاهدا على سياقاتها الأبديّة” (20). إلاّ أنّه سينتقل في وقت لاحق من الفلسفة إلى علم النّفس، ومن علم الأعصاب إلى دراسة الأمراض العصبيّة، ولكن مع التّركيز على السّنوات الخمس الأولى من حياة الإنسان التي من شأنها تقديم تفسير للتطوّرات اللاّحقة. إنّ ما استهواه في عالم الطّبيعة وعلم النّفس المرضيّ هو نفس ما جلب اهتمامه على مستوى جميع الظّواهر الجماعيّة التي يمثّل الدّين أحد مجالاتها الكبرى. وانطلاقا من سنة 1920 واستنادا إلى دراسات أساسيّة حول علم نفس الجموع، لن يكفّ فرويد عن الاشتغال حول الأصول الغامضة للأديان وهي التي ينقصها التّوثيق مثلها مثل مرحلة الطّفولة المبكّرة على المستوى الفرديّ. ومن هنا تبرير الطريقة المطبّقة في كتاب الطّوطم والحرام (1911) وكتاب موسى الإنسان والدّين التّوحيديّ (1939)، فهما مرتبطان كأشدّ ما يكون الارتباط ويسعيان نحو إبطال القداسة بما يبرّر نعت موسى بـ”الإنسان” (21). ويشرح فرويد بوضوح شديد هذا الأمر في رسالة إلى شخص مجهول بالقول:

“قبل سنوات، بدأت أتساءل كيف اكتسب اليهود طابعهم الخصوصيّ، وقد عدت، جريا على عادتي، إلى الأصول الأولى. ولم أكد أتوغّل في الموضوع حتّى فوجئت باكتشاف أنّ التّجربة الأولى، أو إن شئنا التّجربة الجنينيّة لهذا الشّعب، وتأثير موسى الإنسان والخروج من مصر، هي ما حدّد تطوّره المستقبليّ برمّته وصولا إلى أيّامنا؛ على مثال ما تتركه رضّة تتمّ في مرحلة الطّفولة المبكّرة من آثار في تاريخ شخص عصابيّ” (22).

لقد سعى فرويد إلى إعادة بناء ما قد يكون حدث وقت نشوء الدّيانة اليهوديّة، وذلك باستخدام طريقة مستوحاة من التّحليل النّفسي، ولكن أيضا من علم الآثار الذي كان واحدا من أهمّ هواياته. ففي رسالة موجّهة إلى ستيفان تسفايغ (Stefan Zweig) بتاريخ 7 فيفري/شباط 1931، شدّد فرويد على أنه قدّم، رغم تواضع أسلوب حياته، عدّة تضحيات في سبيل امتلاك مجموعة من العاديات اليونانيّة والرّومانيّة والمصريّة القديمة، وأنّه قرأ “في الواقع كتبا حول علم الآثار أكثر ممّا قرأ حول علم النفس” (23).

لم يكن هذا العمل أرعن إذن كما تعتقد ماري موسكوفيتشي (Marie Moscovici) حسب ما جاء في تقديمها لكتاب فرويد (24)، بل كان مسنودا بجهد توثيقيّ هائل على غرار بقيّة كتابات فرويد، وهو ما يجعله يدّعي القيام بمهمّة مؤرّخ في الجزء الأوّل منه. وهذا الزّعم بعيد عن أن يكون بلا أساس، إذ أنّ وصف فرويد عمله بكونه “رواية تاريخيّة” لا يدع مجالا للاعتقاد بأنّه بصدد الاستسلام لأوهام خياليّة. فكلّ عمل تاريخيّ هو في الواقع عمل لإعادة بناء الماضي الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع القصص الخياليّ (25). ومثال ميشليه (Michelet)، حاضر ليذكّرنا بهذا الأمر، مع عدد من المؤرّخين المعاصرين الذين يتبنّون هذه المماثلة وقاموا بردّ الاعتبار للرّوايات التّاريخيّة بما فيها روايات ألكسندر دوما (Alexandre Dumas). ولا علاقة لذلك بالحريّات التي يدّعيها بعض المحلّلين النّفسيّين لأنفسهم في الوقت الرّاهن، وخصوصا الفرنسيّين منهم، حين يعتبرون المساهمة في خلق التخيّلات التي لا أساس علميّ لها، أمرا مشروعا. إنّ فرويد عالم اكتسب تكوينه من المدرسة الألمانيّة والنّمساويّة. وهو علاّمة حقيقيّ، التهم عددا لا يحصى من الأعمال العلميّة من كلّ نوع، وقدرته على التّوليف بين التخصّصات ممّا يبعث على الدّهش حقّا، وهو ما ساهم بلا شكّ في بلورة قسم كبير من عبقريّته.

ومن المؤكّد أنّ التّساؤل حول موسى يتقاطع مع هموم شخصيّة وينمّ عن تماه صريح وغير محتشم. فطموحات فرويد تظهر في وقت مبكّر جدّا في مراسلاته، فهو يقارن نفسه بعملاق يتمتّع بقوى هرقليّة ذات طابع بطوليّ محض (26)، وانشغل منذ وقت مبكّر جدّا بالوثائق والرّسائل والكتابات المختلفة التي سيستخدمها لاحقا في سبيل تطوير آرائه حول “تطوّر البطل” وكتابة سيرته (27). لقد أشار في رسالة موجّهة إلى مارتا إلى أنّه ليس عبقريّا، وأنّه لا يفهم كيف لم يسبق له أن رغب في أن يكون عبقريّا:

“إنّني لست موهوبا حتّى؛ وجميع قدرتي على العمل تعود على الأرجح لمزاجي وعدم وجود نقاط ضعف فكريّة خطيرة لديّ. ولكنّني أعرف أنّ مثل هذا المزيج يمكنه أن يؤدّي ببطء إلى النّجاح، وأنّه يمكنني، في ظلّ ظروف مواتية، أن أنجز شيئا أفضل ممّا أنجزه نوثناغل (Nothnagel) الذي أعتقد أنّني أسمى منه بكثير. ولربّما أضحيت مساويا لشاركو (Charcot)(28)”.

وقد كان قبل بضعة أشهر اعتبر شاركو (Charcot) “واحدا من أعظم الأطباء الذين تصل عقولهم حدّ العبقريّة” (29)، وهو ما يغني عن كلّ تعليق. وفي ظلّ مثل هذه الطّموحات، يصبح من المفهوم أنّ فرويد كان مفتونا بـ”الرّجال العظام” الذين خصّهم بحديث طويل في كتابه عن موسى. إنّ صورة موسى، المهيبة والمرعبة، كما تظهر في لوحة موسى للرسّام مايكل انجلو (Michel-Ange) هي صورة الأب المؤسّس للشّريعة التي أعطاها اسمه. وعمل فرويد يبدو محاولة لتوضيح الأصول المؤسّسة للتّوحيد، ولكنّه يظهر أيضا قتلا للأب المرعب والمكفهرّ الذي أضفى الكثير من ميزاته على إله اليهود. ويبدو القيام بـ”تجريد شعب من الرّجل الذي يحتفي به باعتباره واحدا من أعظم أبنائه”، وهي الجملة الأولى من كتاب فرويد عن موسى، باسم الحقيقة العلميّة وعلى حساب مصلحة قوميّة مزعومة، بلاّ شكّ أمرا يرقى إلى درجة جريمة قتل. وإذا ما قمنا بمقارنة بين السّمات المسندة لموسى والطّابع الاستبداديّ الذي ينتحله فرويد في رسائله إلى مارتا، فإنّه يسهل أن نرى في ذلك تماهيا يمهّد لإنشاء نظريّة تضع نهاية للوهم الدّينيّ عند اليهود. وإذا ما كان فرويد يعتقد أنّ عمله لن يحظى بالتّأييد، فإنّ ذلك يعود بالطّبع إلى أنّه ينزع الطّابع الأسطوريّ عن مؤسّس الدّيانة التّوحيديّة الأولى بنزع هالة القداسة عنها، منخرطا بذلك في الحركة الكبيرة لنبذ الدّين التي ستميّز تطوّر البشريّة على المدى البعيد، كما يقول جاك لوغوف (Jacques Le Goff) (30). وبلا شكّ، فإنّه من اللاّفت للنّظر أن يكون كبار المفكّرين اليهود هم أكثر من ساهم في هذه الحركة. ويكفي مجرّد التّفكير في ماركس وفرويد اللذين عملا بشكل حاسم على تدمير الوهم الدّينيّ في الغرب. ولعلّ الخصائص اليهوديّة التي حدّدها فرويد ومسار تشكّل الدّيانة اليهوديّة كما تناولها في كتابه عن موسى، تقدّم أحسن مثال على ذلك.

فوفقا للافتراضات الفرويديّة، فإنّ موسى، إذا ما كان شخصيّة ذات وجود تاريخيّ، كان مصريّا. واستنادا إلى تحليل اسم موسى والقيام بمقارنة بنيويّة غير مكتملة مع أساطير بطوليّة أخرى، يخلص فرويد- اعتمادا على نظريّات رائجة في ذلك الوقت ولم يتمّ التخلّي عنها بعد- إلى أنّ موسى كان بلا شكّ شخصيّة مهمّة جدّا مقرّبة من الفرعون أمنحوتب الثّالث، وأنّه كان أميرا أو كاهنا أو مسؤولا إداريّا رفيعا. لقد أضحت مملكة مصر قوّة عالميّة عظمى قامت باستلحاق كلّ من النّوبة وفلسطين وسوريا وجزء من بلاد ما بين النّهرين. “وقد انعكست هذه النّزعة التوسعيّة، منذ ذلك الحين، في الدّين في شكل نزعة شموليّة وتوحيديّة”. لقد أقام أمنحوتب الثّالث، في الواقع، ديانة شمسيّة توحيديّة جديدة واتّخذ اسم إخناتون لأسباب سياسيّة إلى حدّ كبير حسب فرويد، وهذا افتراض يبدو محيّرا بدرجة كبيرة في سياق كتاب موسى حيث سيتمّ التّأكيد في نهاية جزئه الثّاني على استحالة إنكار الأهميّة المتفرّدة لعظماء الرّجال في تاريخ العالم. ولكن يجب علينا أن نأخذ في الاعتبار مبدأ تضافر العوامل (surdétermination) الذي طالما أكّد عليه فرويد دون أن يستبعد الدّوافع المستقاة من حاجات ماديّة أو سياسيّة، مثلما هو الأمر هنا، وهي الدّوافع التي يرفض أن ينظر إليها بوصفها العلّة الوحيدة. ومن الواضح أنّ فرويد يعارض الماركسيّة حين يندّد بـ “الانتهاك المرتكب ضدّ التنوّع الإنسانيّ الكبير حين لا نعترف إلاّ بالدّوافع الماديّة”. نعم، توجد أفكار كثيرة، وخاصّة منها تلك المدموغة بطابع الدّين، تستمدّ قوّتها من مصادر أخرى، نفسيّة بالخصوص، وهذا لعمري نفس الافتراض الذي سبق أن صيغ في كتاب الطّوطم والحرام.

لقد مثّل الدّين الجديد تقدّما كبيرا للثّقافة لأنّه كان يفوقها من حيث التّجريد بما لا يقاس؛ لقد رفض الاعتقادات الشّعبيّة السّاذجة، والسّحر، والتصوّف، وعارض بصفة خاصّة عبادة أوزوريس الواعدة بحياة أبديّة. ومن هنا، فإنّ الطّابع النقيّ والمتشدّد للدّين الجديد هو ما يفسّر اعتناقه من قبل عدد ضئيل من الأفراد، من قبل نخبة صغيرة بلا شكّ، ويفسّر أيضا ارتداد المصريّين بعد وفاة إخناتون نحو شرك أقرب ما يكون إلى المرحلة السّابقة، مرحلة الطوطميّة، وذلك بتأثير من طبقة الكهنة والشّعب. وكان أن أراد رجل الحفاظ على هذا المنجز الذي حقّقته الثّقافة، إنّه موسى الذي اختار لهذه المهمّة ذلك الشّعب العبريّ الصّغير المنفيّ في مصر، “شعب من المهاجرين المتأخرّين على صعيد الحضارة”. لقد فرض عليه هذا الدّين الجديد بالقوّة، وعمل على مزيد تنقيته بحيث ارتفع به “نحو قمم من التجريد المتسامي” (31)، وذلك بخاصّة من خلال الحظر المطلق لأيّ تصوير للإله، والانفصال عن الأسطورة الشّمسيّة. لقد كان الدّين الجديد صارم التّوحيد، منغلقا وخاصّا بشعب مختار يتّسم رمزيّا بالاختتان الذي يميّزه عن الشّعوب المحيطة به، وقابل للعهد الخاصّ المبرم مع الله. ولقد افترض فرويد أنّ هذا الدّين مصريّ الأصل، وأنّ متطلّباته الأخلاقيّة كانت متشدّدة بحيث “قامت الدّيانة اليهوديّة القديمة (…) بنكران الخلود بصفة تامّة” (32)، وهذه نقطة أساسية غالبا ما ننساها رغم كونها بلا أدنى شكّ، إلى جانب الأخلاق العالية المفروضة على الشّعب اليهوديّ، في أصل احترام تلك الدّيانة للحياة الإنسانيّة وميلها إلى الابتهاج بالحياة على ما لاحظه فرويد في مراسلاته. كما أدّى حظر تصوير الذّات الإلهيّة من جهة أخرى إلى “تراجع الإدراك الحسّيّ لصالح تمثّل يمكن وسمه بالمجرّد، وانتصار الحياة الرّوحيّة على الحياة الحسيّة، أو بتعبير أدقّ، نكران الغرائز …(33)”.

لقد استفاد موسى من الأوقات العصيبة التي أعقبت فترة حكم إخناتون من أجل إخراج الشّعب اليهوديّ من مصر، إلاّ أنّ هذا الشّعب ثار ضدّ طغيان الرّجل العظيم وعاد إلى الوثنيّة ليعبد العجل الذّهبيّ ويخرق الشّريعة المفروضة، وهو ما رمز إليه بكسر موسى لألواح الشّريعة (فسّر فرويد الأمر وفقا للتّقنية التّحليليّة ورأى فيه انزياحا). لقد بدا قمع النّزوات الغرائزيّة الذي يتطلّبه الدّين الجديد، أمرا لا يطاق، وهو لن يقبل إلاّ في مرحلة تالية بعد وفاة موسى الذي قتل بلا شكّ على أيدي اليهود الذين لن يعترفوا بقتله أبدا، مكرّرين بذلك جريمة الرّهط البدائيّ التي نجدها في قلب الفرضيّات الفرويديّة في الطّوطم والحرام.

وقد كانت هذه الجريمة في أصل شعور حادّ بالذّنب، ومصدرا للمتطلّبات الأخلاقيّة عند اليهود. وسواء كانت تلك الجريمة قد حدثت أو لم تحدث، فإنّ ذلك لا يغيّر المسألة في شيء ما دام العبرانيّون قد أحسّوا برغبة قويّة في ذلك؛ ولقد سبق للمؤلّف أن أكّد في “كَدَرٌ في الثّقافة” (1932) أنّ النّزوات العدوانيّة المكبوتة من شأنها تعزيز متطلّبات الأنا العليا. وهذه نقطة حاسمة إذا ما أردنا فهم استدلالات فرويد الذي يرى أنّ التقدّم الحضاريّ لا يمكنه أن يتحقّق إلاّ من خلال قمع الغرائز، وخاصّة ما يتعلّق بشكل رئيسيّ بغريزة الموت. فانطلاقا من سنة 1920، سيفترض فرويد وجود غريزتين أساسيّتين متداخلتين في الغالب، غريزة الحياة وغريزة الموت. وسيكون قمع غريزة الموت هو مصدر الأخلاق، فهي تتخلّى عن جزء من طاقتها لفائدة الرّغبة في المعرفة، وهو ما يسمح بتقدّم المعارف وتطوّرات التّقنية بما يباعد بين الإنسان والحيوان. ولا بدّ أن نضع في اعتبارنا أنّ فرويد كان من أتباع الدّاروينيّة المخلصين، وأنّه كان يرى تاريخ تطوّر النّوع الإنسانيّ بوصفه عمليّة قد تعتورها الفوضى أحيانا ولكنّها ثابتة مستمرّة من شأنها اقتلاعه من الحيوانيّة، وهي موجودة في كلّ فرد من خلال تشكّل الأنا الأعلى، تلك الآليّة النّفسيّة الدّاخليّة التي تراقب، وتحظر، وتعاقب، وتجبر على احترام القانون الأخلاقيّ. ويتشكّل هذا الأنا الأعلى من خلال استدماج الصّور الأبويّة، لا سيّما صورة الأب التي استبطنت بعد قتله من قبل الأبناء الذين التهموه خلال وجبة طوطميّة (وهذا افتراض مقترض من الأنّاس روبرتسون سميث Robertson Smith ولا يريد فرويد التخلّي عنه رغم الانتقادات العديدة التي وجّهت إليه بالخصوص). ويفترض فرويد، ونحن هنا إزاء فرضية داروينيّة أخرى، أنّ الرّهط البدائيّ كان مسيطرا عليه من قبل أب قاهر تمّ قتله على يد أبنائه الذين عانوا من تعسّف الذّكر المهيمن؛ وذلك بعد أن أبعدوا عن الرّهط، أو خصوا، منعا لهم من الاقتراب من الإناث المنتميات كلّهنّ إلى الأب (يرمز الختان إلى هذا الخصاء). وقد استنبط فرويد هذه الفرضيّة الدّاروينيّة من الأداء النّفسيّ للكائنات البشريّة الحاليّة التي تعيد جميعها، بصفة فرديّة، إنتاج تطوّر النّوع على المستوى المادّي وعلى المستوى الأخلاقيّ والنّفسيّ، بمقتضى القانون العامّ الذي يفرض أن يكون تطوّر الفرد (ontogenèse) استنساخا لمسيرة تطوّر النّوع (phylogenèse).

إنّ مطالب الأنا الأعلى تتعزّز من خلال قمع الغرائز، إذ تزيد الرّغبات العدوانيّة المكبوتة في طابعه الاستبداديّ. ولا تتمكّن سوى قلّة من النّاس من احتمال التوتّر النّاجم عن تلك المتطلّبات من خلال إعلاء الدّوافع العدوانيّة في البحث العلميّ أو الفنّ على سبيل المثال. إنّ اغتيال موسى غير المعترف به، قد طوّر عند اليهود ذاك الشّعور بالذّنب الذي تعهّده الأنبياء. وإنّ فرويد ليؤكّد أنّه كان على الشّعب المختار تحمّل الكثير من خيبات الأمل قياسا بالمنافع الدنيويّة التي يمكن أن يجنيها من تحالفه مع الربّ، وأنّ الأنبياء هم من أقنعه بمسؤوليّته عن المصائب التي حلّت به بديلا من توجيه عدوانيّته نحو الخارج. ويعود الكدر الذي ميّز نهاية العصور القديمة جزئيّا إلى طابع المتطلّبات الأخلاقيّة الذي يفوق الاحتمال، بالضّبط كما كانت الحال في أواخر القرن التّاسع عشر، وهذا ما لا يشير إليه الكاتب ولكن يمكن استنتاجه بسهولة. وقد كان الحلّ في إنشاء دين جديد من قبل القدّيس بولس : لقد حمل المنقذ على ظهره خطايا العالم، وبذلك خفّف عن أتباعه. وقد أدّى هذا التقدّم إلى الانحدار بالدّيانة اليهوديّة إلى مستوى أحفوريّ، على غرار ما هي التّماسيح نسبة إلى عصر الدّيناصورات. ولكن سيكون من باب الجهل بفرويد الاعتقاد بأنّ الأمر يتعلّق هنا بتقدّم مطلق، فقد كان إضفاء الطّابع العالميّ على الدّين الجديد مصحوبا بانكماش في المتطلّبات الأخلاقيّة وبانحدار في مجال التقدّم الرّوحيّ، إذ قامت المسيحيّة باستدماج التّراث الوثنيّ الشّركيّ ليظهر في شكل عبادة القدّيسين، ولتظهر عبادة الإلهة-الأمّ الأرضيّة في عبادة مريم العذراء. وقد حافظ اليهود، المتمرّدون دوما، والذين لم يعتنقوا الدّين الجديد على المتطلّبات الرّوحيّة العالية التي فرضها موسى، وهو ما يفسّر بالطّبع في ذهن فرويد القدرات الاستثنائيّة لليهود والتقدّم الذي أحرزته الحضارة بفضلهم، وكذلك نزوعهم إلى العصاب. وبما أنّ اليهود نظروا إلى أنفسهم باعتبارهم الشّعب المختار، فقد جلب عليهم ذلك غيرة الآخرين وكراهيّتهم؛ وأدّى عدم اعترافهم بقتل الأب إلى أن يتّهموا من قبل المسيحيّين الذين أقاموا دينا للابن محلّ دين الأب المفروض من جانب موسى، بأنّهم المسؤولون عن قتل يسوع، ابن الله.

هذه باقتضاب شديد الخطوط العريضة للبناء الفرويديّ، وهو بناء بلا شكّ أكثر تعقيدا في تفاصيله إذا ما أخذنا في الاعتبار ثنائيّة التّقليدين الإيلوهيميّ واليهويّ للتّوراة، على افتراض حصول اندماج بين إلهي قسمي الشّعب العبريّ: أولئك الذين هاجروا إلى مصر من ناحية، وأولئك الذين بقوا في أرض كنعان، من ناحية أخرى، وعبدوا الإله يهوه العنيف، إله البراكين الذي اندمج مع إله موسى. ولن يتمّ فرض التّوحيد الصّارم، المحرّم كلّ تمثيل للذّات الإلهيّة والدّاعي إلى التمسّك بأخلاقيّة متشدّدة، إلاّ بعد فترة طويلة مقارنة مع فترة الكمون الطّفوليّة التي تنوسي فيها ميراث موسى جزئيّا من قبل الجموع الفظّة، حسب ما يقول لنا فرويد النّخبويّ دائما(34)، والتي تمّ خلالها إدخال عدد من التّحسينات والتّغييرات والحذوفات على النّصوص المقدّسة. لقد تمّ كبت اغتيال موسى، وتمّ التوصّل إلى تسويات (كما يدلّ عليه طبعا، العصاب بالنّسبة للأفراد). وقد احتفظت التّقاليد بآثار ما حدث، وهو ما تمّ إحياؤه تدريجيّا. وستؤثّر أجزاء الماضي المستعادة بقوّة على الجموع بشدّة، ذلك أنّ استعادتها تتمّ في إطار سعي محموم نحو معرفة الحقيقة، على غرار الأعراض الذّهانيّة عند الأفراد.

وهكذا أخذ دين الأب البدائيّ النّاهض تدريجيّا في تشكيل مزاج الشّعب اليهوديّ، وأكسبه الاعتزاز بالاصطفاء، والأمل في جزاء، وأخيرا الهيمنة على العالم(35). ولا يزال هذا الوهم الذي تخلّى عنه الشّعب اليهوديّ منذ فترة طويلة، مستمرّا “إلى حدّ اليوم بين أعدائه حين ترتفع أصواتهم ضدّ مؤامرة حكماء صهيون” (36)، وهو اعتقاد لا يزال كما نعرف سائدا إلى اليوم في بعض البلدان العربيّة.

إنّ البناء النّظري الفرويديّ الجريء يقوم على عقد مقارنات بين نفسيّة الجموع ونفسيّة الأفراد الذين نقدّرهم غاية التّقدير، وهو يفترض حين يحاول تفسير كيفيّة انخراط الشّعب اليهوديّ في توحيد صارم، أنّ ذلك قد تمّ تحت تأثير عبقريّة فذّة، هي عبقريّة موسى الزّعيم الحقيقيّ الذي فرض ذلك الاعتقاد على شعبه من خلال سيرورة سيتمّ شرحها لاحقا ضمن كتاب مقالات في التّحليل النفسيّ. إنّ سمات مزاج موسى هي ما سينسبه الشّعب لإلهه. ولكنّ هذا الاعتقاد لن يفرض نفسه بقوّة إلاّ لكونه يُحيي شيئا سبق محوه تماما، ألا وهو موت أب الرّهط البدائيّ، وهو ما سينبعث في الوعي كعودة للمكبوت. إلاّ أنّ فرويد يشير بوضوح إلى صعوبة كبيرة في افتراض وجود تماه بين العمليّتين، وإلى أنّ الأمر لا يعدو مجرّد تماثل، ذلك أنّه ليس من الضّروري حسب فرويد افتراض وجود لاوعي جمعيّ كما فعل يونغ حين طابق مفاهيم من علم نفس الفرد مع مفاهيم من علم نفس الجموع. وسيثبت هذا المفهوم لاحقا خطورته البالغة، من حيث إيحائه بوجود لاوعي آريّ وآخر يهوديّ، إلخ، وهو ما ستستغلّه النّزعات العنصريّة. وبالنّسبة لفرويد، فإنّه لا وجود للاوعي جمعيّ أو كبت جمعيّ. ولا وجود أيضا لأنا أعلى جمعيّ، إذ أنّ دوره موكل للرّجال العظام. وبالتّالي، فإنّ ما يوجد هو نسيان بعض التمثّلات التي يتمّ تجاوزها، قبل أن تعاود الظّهور في وقت لاحق. وفي الواقع، فإنّ ما هو جمعيّ بالفعل هو مضمون اللاّوعي الذي يمثّل “ملكيّة عامّة للبشر يتمّ تناقلها وراثيّا”. إنّ آثار الذّكريات المنسيّة تبقى قائمة بما يسهّل التمثّلات على إعادة الظّهور، وذلك لأنّها تشكّل نوعا من الموروث الذي لا يستلزم أن تعاد صياغته كلّ مرّة، بل تكفي إعادة إيقاظه عند كلّ جيل باعتباره استعدادات مكتسبة. وعلى سبيل المثال، فإنّ الرّمزيّة الفطريّة متولّدة عن نشوء اللّغة، وهو ما يعني أنّنا بحضرة سمة مكتسبة، هي سمة كونيّة لأنّها عامّة في النّوع وتتجاوز كلّ اللّغات. وبهذا المنظور، فإنّ مشاعر المؤمنين تجاه إلههم ليست سوى تكرار للمشاعر حيال أب الرّهط البدائيّ والتي تظهر من جديد مع تلك العودة الزّائفة للمكبوت؛ إله كليّ القدرة يطلب التفرّد، وهو متولّد عن الأب البدائيّ الذي ورثه موسى جزئيّا.

ورغم اختتام فرويد دراسته بسلسلة من الشّكوك حول صحّة ما توصّل إليه من نتائج، فإنّ فرضيّاته تكتسي أهميّة بالغة. وهو يعتقد أنّه لم يتمكّن من تفسير سبب عجز اليهود على الاعتراف بقتل الله، ولا سبب تمكّن الشّعب اليهوديّ من الحفاظ على تفرّده، وذلك رغم تقديمه تفسيرا مقنعا بما فيه الكفاية. فقد أدّى قمع الغرائز المرتبط بحظر تمثيل الله إلى انكفاء اليهود على دراسة الكتاب المقدّس، وهو الميراث الوحيد الذي تمّ الحفاظ عليه كشيء خاصّ بعد تدمير الهيكل. وهذا الكنز هو ما كان يمكن أن يمثّل إرثا مشتركا بين جميع اليهود ويضمن بقاء استثنائيّا لشعبهم ويحفظ جوهره. أمّا السّمة الأساسيّة الثّانية التي عزّزها قمع الغرائز الذي زاد من فخرهم، فهي شعورهم بأنّهم شعب مختار من قبل الله؛ فاليهود يشعرون بالتفوّق حيال أولئك الذين لم يمارسوا قمع الغرائز ممّن بقيت القوّة البدنيّة عندهم مثلا أعلى على المستوى العرقيّ. وبهذا تغدو رسالة فرويد إلى حاييم كوفلر المذكورة أعلاه مفهومة أكثر من قبل. ففرويد يرى في التعلّق بالأشياء الماديّة التي يتمّ تقديسها، على غرار حائط المبكى الشّهير، أمرا مخالفا لروح اليهوديّة؛ وهو مجرّد نكوص يعود بكلّ وضوح إلى إيمان بالخرافات، ويمكنّنا تفهّم لامبالاة فرويد حيال مكان وجود الدّولة اليهوديّة: فالأرض نفسها لا يمكن أن تكون مقدّسة، والتخلّي عن تلك الأرض هو ما عزّز عمليّة التّجريد والأمثلة التي تفسّر تقدّم الفكر. كما يتّسق تعلّقه بجامعة القدس أيضا مع مجمل فكره. ففرويد يرى بالفعل أنّ الكابح الوحيد لتطوّر العنف هو تطوّر الثّقافة. إنه يختم كتابه “لماذا الحرب؟” بالإشارة إلى أنّ “توطّد العقل الذي يبدأ في الهيمنة على الحياة الغرائزيّة، واستبطان الميل إلى العدوان مع كلّ ما يترتّب عليه من نتائج مفيدة وخطيرة” (37) هما أهمّ الخصائص النّفسيّة للثّقافة وأفضل حصن ضدّ العدوانيّة والحرب، إذ أنّ “كلّ ما يشجّع على تطوير العمل الثّقافي هو في نفس الوقت عامل ضدّ الحرب” (38). ولقد كان الشّعب اليهوديّ، رغم ماضيه الحربيّ الشّرس والواضح، رائدا في هذا المجال؛ وهو ما يجب ألاّ ينسيه أيضا أنّ المثقّفين على اختلاف مشاربهم ممّن لا يزال ينظر إلى المطالبة بالأرض في الشّرق الأوسط على أنّها شرعيّة، لن يكونوا – وهذا مؤكّد- على استعداد للدّفاع عنها في أوروبّا.

ولقد سبق لفرويد أن نبّه في رسالته أيضا من تصاعد التعصّب. والتعصّب اليهوديّ وإن كان محدودا، فهو أمر لا يمكن إنكاره ولا ينبغي أن ينسب إلى الدّين، لأنّ غلاة الأصوليّين الأكثر تشدّدا لا يعترفون بدولة إسرائيل ويرفضون أداء الخدمة العسكريّة، ويكرّسون أنفسهم كليّة لدراسة النّصوص المقدّسة. ولا شكّ في أنّه من المبالغة أن يحمّل الدّين في عمومه مسؤوليّة جميع الصّراعات في الشّرق الأوسط. والدّيانة اليهوديّة في ذاتها ليست ديانة باعثة على تخريج العدوانيّة. أمّا الدّين الإسلاميّ، حتّى ولو كان في مبدئه حسب فرويد “تكرارا مختزلا لأساس الدّيانة اليهوديّة يظهره تقليدا لها”، إلاّ أنّه يفتقد إحدى سماتها الأساسيّة، ألا وهي الأهميّة الطّاغية للشّعور بالذّنب؛ فبعد فترة من النّجاحات الزمنيّة الكبرى “بسبب استعادة الأب البدائيّ الأوحد”، سيصاب الإسلام بوهن قد يكون سببه “عدم التعمّق الذي أحدثه في حالة الشّعب اليهوديّ مقتل مؤسّس الدّين” (39). وهذه الإشارة البسيطة لم يتمّ التوسّع فيها وسيكون من المفيد القيام بذلك، كما سيكون من المفيد أيضا عقد مقارنة بين العهد القديم والقرآن الكريم من وجهة النّظر هذه. فلا يمكن إنكار محافظة النّصوص اليهوديّة على الشّعور بالذّنب وإدامته، بحيث آخذ الشّعب اليهوديّ نفسه على الدّوام بعدم احترام الوصايا الإلهيّة كما ينبغي، وهو ما كان مصدر جميع مصائبه. والقرآن الكريم ينصّ على الجهاد، ولكنّ هذا المفهوم قد تعرّض لتأويلات شديدة الاختلاف لا يجب التّقليل من شأنها. فالعدوانيّة، وهذا صحيح، موجّهة بالأحرى نحو أعداء الإسلام الذي يجب ألاّ ننسى أنّه مشتقّ من السّلام. وفي الواقع، فإنّ الوضع معقّد للغاية لأنّ الأمر يتعلّق هنا بدعوة دينيّة ذات منزع عالميّ استجابت إليها شعوب عدّة. ولكنّ ذلك لا يمنع القول بإمكانيّة قيام الإسلام على أساس قبسلاميّ “مكبوت” هو “موساه” الذي يعاود الظّهور في بعض الحالات. فقد أدّى الفشل على المدى الطّويل في إنشاء دولة عربيّة إسلاميّة، وعجز الامبراطوريّة العثمانيّة عن توحيد العالم العربيّ الإسلامي، إلى ظهور متأخّر لأمم غالبا ما ادّعت ماضيا قبسلاميّا، وهو الأمر الواضح بصفة خاصّة في مصر والعراق وإيران الشّاه. ففي جميع هذه الحالات، احتفظ رئيس الدّولة بخصائص الملوك المؤلّهين في العصور القديمة، وهو ما يتجلّى في تضخّم مقلق للتّمثيلات الأيقونيّة العملاقة (صدّام حسين، ولكن أيضا حسني مبارك) وبروز صيغ نمطيّة من طراز دينيّ تقريبا. ولذا ينبغي أن ندمج في مقاربة الإسلام كلّ هذه العوامل إلى جانب انقسام العالم الإسلاميّ منذ الانشقاق الشّيعي وما نتج عنه من تداعيات خطيرة على غرار المشاكل المتعلّقة بهيمنة الدّين على السّلطة الزّمنيّة في إيران، والمتولّدة بلا شكّ هي أيضا من ماض قبسلاميّ.

أمّا في ما يتعلّق بالفلسطينيّين الذين ليس لهم ماض خاصّ ولم تكن لهم أبدا دولة، فإنّ الرّهان يميل بشدّة إلى اعتبار أنّهم بصدد إنشاء دولة في مواجهة الإسرائيليّين المندمجين من أجل متطلّبات القضيّة مع اليهود والصّهاينة في كراهيّة متشدّدة، هي بالنّسبة لأكثرهم تطرّفا نتاج تلك النّرجسيّة المعروفة التي ذكرها فرويد. ولكنّنا هنا أمام مشكلة أخرى، مرتبطة ارتباطا وثيقا بتلك التي كانت محلّ اهتمامنا، وهي تتطلّب دراسة متأنيّة.

(*) سعدي الأخضري أستاذ بجامعة السّوربون بباريس. وقد اخترنا ترجمة مقاله هذا بعد بحث طويل أثاره مقال [الأستاذة رجاء بن سلامة المنشور على موقع الأوان بعنوان فرويد والعرب: المتّهم الذي لن تثبت براءته->http://www.alawan.org/%D9%81%D8%B1%D9%88%D9%8A%D8%AF-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8.html]، بتاريخ 15 جوان/يونيو 2007. فقد رجّني ذاك المقال رجّا عنيفا لم يهدأ إلى الآن لزعمه عدم وجود من قرأ رسالة فرويد موضوع المقال (بعد الإفراج عنها) قراءة علميّة متّزنة وتميّز من قرأها بالتّعبير عن “كره لمؤسّس التّحليل النّفسيّ، وجهل بأبسط ما كتب، وحقد على اليهود لمجرّد أنّهم يهود”، لتصل كاتبته إلى شبه حكم بالغ القسوة في قولها :”مرّة أخرى يثبت العرب أنّهم لا يرون أبعد من قيد أنملة، ولا ينظرون إلى العالم إلاّ باعتبارهم ضحايا مطلقين وجرحى نازفين، ويثبتون أنّهم أقدر على المحاكمة والإدانة منهم على التّفكير والاحتكام إلى القيم الإنسانيّة، وأقدر على البحث عن النّوايا منهم على تحليل الأفكار”. فلعلّه يكون في هذا النصّ بعض عزاء للأستاذة رجاء ولأمثالي ولفئة أزعم أنّها واسعة من قرّاء الأوان.

انظر المقال الأصليّ للأستاذ الأخضري بالفرنسيّة في:

Lakhdari (Sadi): FREUD، LE JUDAÏSME ET LE SIONISME، Outre-Terre، Revue française de géopolitique، no 9، 2004/4، pp. 473-488.

{{الهوامش:}}

1- “كيرين ها يسود”: منظّمة صهيونيّة تأسّست سنة 1920 للإشراف على الهجرة وتوطين المهاجرين.

2- انظر موقع متحف فرويد في لندن : www.freud.org.uk/education/freudtoday

(تعليق من المترجم): أشار الكاتب إلى وجود ترجمتين بالانكليزيّة لرسالة فرويد على هذا الموقع إضافة إلى توضيح بقلم مدير متحف فرويد بلندن مايكل مولنار بعنوان “كوني مؤيّدا للعرب” (Being pro’arab) وثلاثة ردود جداليّة. إلاّ أنّ الموجود حاليّا على الموقع هو ترجمة جديدة مقترحة للرّسالة فحسب إذ تمّ حذف النّصين جميعا(!)، ويمكن الاطّلاع على التّرجمة الجديدة المقترحة على العنوان الالكتروني:

www.freud.org.uk/education/blog/40083/a-new-translation

3- كلّ الشّكر لمايكل مولنار، مدير متحف فرويد في لندن، الذي وافاني بسرعة بنسخة ألمانيّة من هذه الرّسالة الموجّهة إلى حاييم كوفلر والتي أقترح تقديم ترجمة حرفيّة تقريبا لها، على أمل ألاّ اجتذب بذلك غضب أيّ من الفريقين:

“سيّدي وعزيزي الدّكتور، لم يسعني تلبية مطلبكم. وأنا غير قادر على التغلّب على نفوري من احتلال واجهة السّاحة العموميّة، لا سيّما في ظلّ الظّروف الحرجة الحاليّة التي أرى أنّها غير مناسبة لذلك. إنّ من يريد التّأثير في الجموع يجب أن يكون قادرا على توجيه كلمات مدوّية وحماسيّة وهو ما لا يسمح به رأيي الواضح في الصّهيونية . وإنّني متعاطف بلا ريب أعظم التّعاطف مع ما يبذل من جهود، وأنا فخور بجامعتنا في القدس، وأنا مسرور لرؤية مستوطناتنا وهي تزدهر. ولكنّني من جهة أخرى، لا أعتقد أبدا أنّ فلسطين يمكن أن تصبح يوما ما دولة يهوديّة وأنّ أن يكون العالمين المسيحيّ والإسلاميّ على استعداد لجعل أماكنهما المقدسة في عهدة اليهود. وإنه ليبدو لي إنشاء وطن قوميّ لليهود على أرض أقلّ ثقلا من النّاحية التّاريخيّة، أمرا أكثر معقوليّة. لكنّني أعرف أنّ مثل هذا المشروع العقلانيّ لا يمكنه حشد حماسة الجماهير ولا مساهمات الأغنياء. ويجب أن أعترف أيضا بكلّ أسف أنّ التعصّب الأعمى لمواطنينا يتحمّل نصيبا من المسؤوليّة في إثارة ارتياب العرب. وإنّه لا يمكنني إبداء أيّ تعاطف مع تديّن خارج عن مساره ويجعل من بقايا جدار هيرودس أثرا قوميّا مقدّسا يتحدّى مشاعر سكّان البلاد الأصليّين. ولتحكموا بنفسكم ما إذا كنت بموقفي الحرج هذا الشّخص الأنسب ليكون بمثابة المعزّي لشعب يهزّه أمل لا مبرّر له. مع فائق احترامي، المخلص لكم، سيغموند فرويد”.

4- انظر الرّسالة الموجّهة إلى مارتا بارنايز بتاريخ 2 فيفري/شباط 1866 في الكتاب الجامع لمراسلات سيغموند فرويد:

Sigmund Freud، Correspondance (1873-1939)، Paris، Gallimard، 1966، p. 216.

وفيها :”في وقت متأخر من المساء (في منزل شاركو Charcot) فحسب، بدأت مناقشة سياسيّة مع جيل دو لا توريت (Gilles de la Tourette) قام خلالها، بطبيعة الحال، بالتنبّؤ بحدوث أبشع الحروب مع ألمانيا. وقد أبلغته فورا بأنّني لست ألمانيّا ولا نمساويّا، ولكن يهوديّا. إنّ هذا النّوع من المحادثات غير مريح لي لأنّني أشعر باضطراب شيء ألمانيّ في داخلي كنت قرّرت وأده منذ زمن طويل”.

5- المرجع نفسه، صص 396-397.

6- رسالة إلى بربارة لوي (Barbara Low) بتاريخ 19 أفريل/نيسان 1936، المرجع نفسه، ص 466.

7- رسالة إلى الكاتب والصّحفي الأمريكيّ أبراهام هارون روباك بتاريخ 2 فيفري/شباط 1930، المرجع نفسه، ص 430.

8- مقولة مقتبسة من كتاب عدوّ الشّعب (L’Ennemi du peuple) لهنريك إيبسن (Henrik Ibsen).

9. Freud، Correspondance، op cit.، p. 398.

10- كتب في رسالة إلى مارتا بارنايز بتاريخ 5 أكتوبر/تشرين الثاني 1882 متحدّثا عن الأستاذ نوثناغل (Nothnagel): “هذا الرّجل لا ينتمي إلى عرقنا، إنّه ينتمي إلى الغابة الجرمانيّة “، المرجع نفسه، ص 42.

11- المرجع نفسه، رسالة بتاريخ 16 ديسمبر/كانون الأوّل 1883، صص 88-89.

12- كارل كولر (1857-1944)، طبيب عيون وباحث. عمل في نفس المختبر الذي عمل به فرويد في فيينا، واكتشفت الآثار المخدّرة للكوكايين في العمليّات الجراحيّة للعيون.

13- مرجع مذكور سابقا، رسالة بتاريخ 6 جانفي/كاون الثاني 1885، صص 142-143.

14- من الواضح أنه ينبغي عدم المبالغة في تقدير قائمة الخصال اليهوديّة التي يقدّمها فرويد، فطابعها يبقى محلّ ارتياب دائم. فعلى العكس من ذلك، تشير رسائل أخرى إلى عيوب خطيرة وسم بها فرويد اليهود أيضا. “إنّ الحماس العنيد يمكن أن يتحوّل عند اليهوديّ المتعصّب إلى أعمال عنف لا هوادة فيها” (انظر الرّسالة إلى مارتا بتاريخ 16 سبتمبر/أيلول 1883، المرجع نفسه، ص 76) ، “الذّكاء المتمظهر في تحايل كريه” (المرجع نفسه، ص 177، وفي أماكن متفرقّة).

15- المرجع نفسه، ص 31.

16- المرجع نفسه، ص 215.

17- المرجع نفسه.

18- المرجع نفسه، ص 30.

19- مرجع مذكور سابقا، صص 29-30.

20- رسالة إلى إميل فلوس بتاريخ 1 ماي/أيّار 1873. انظر:

Sigmund Freud، Lettres de jeunesse، Paris، Gallimard، 1969، p. 238.

21- كتبت ماري موسكوفيتشي في تقديمها كتاب موسى الإنسان والدّين التّوحيدي: “ونحن لن ننسى في نهاية الأمر (موسى) فرويد الأوّل، أي (موسى مايكل أنجلو) (1914) الذي سبق أن رسم بصفة إجماليّة (منذ أوّل ظهوره بتوقيع فرويد) صورة مائعة لتلك الشّخصيّة التّوراتيّة، والذي يعزو إلى النحّات بصفة أساسيّة القيام بنزع القداسة عن الكتاب المقدّس، بله عن موسى نفسه. فقد استرجع فرويد موسى مايكل أنجلو “لحسابه ثلاث مرّات بين عامي 1934 و 1938 سنوات كتابته لهذا النصّ الأرعن موسى الإنسان والدّين التّوحيديّ”.

انظر تقديمها للكتاب في طبعة دار غاليمار، باريس، 1986، ص 17.

22- رسالة إلى ن.ن بتاريخ 14 ديسمبر/كانون الأوّل 1937. انظر:

22- Correspondance، ibid.، p. 479.

23- المرجع نفسه ، ص 440.

24- نفسه.

25- لا يجب أن ننسى أنّ فرويد نشر في نفس الوقت تقريبا مقالا حول البناء في التّحليل النفسي.

26- رسالة إلى مارتا بتاريخ 3 أوت/آب 1884، المرجع نفسه، ص 133.

27- رسالة إلى مارتا بتاريخ 28 أفريل/نيسان 1885، المرجع نفسه، ص 152.

28- رسالة إلى مارتا بتاريخ 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1885، المرجع نفسه، ص 214.

29- رسالة إلى مارتا بتاريخ 2 فيفري/شباط 1886، المرجع نفسه، ص 214.

30- انظر المقابلة التي نشرت في مجلّة لو نوفيل أوبسرفاتور (Le Nouvel Observateur) بتاريخ 22-28 جويلية/تمّوز 2004، ص 65. “إنّ أحد أندر المسارات العامّة للتطوّر التّاريخي الذي يبدو أنّه أمكنني تحديده، وأعني التخلّي عن الدّين، يبدو لي منتميا تماما إلى مدوّنة القيم. قد أكون كونتيّا (نسبة إلى الفيلسوف الوضعي الفرنسي أوغست كونت Auguste Comte- م) بصفة لاواعية، ولكن يبدو لي أنّ مرحلة انكماش الدّين لا تزال في أولى خطواتها. ولا تثير الاحترارات الجزئيّة التي تقدّم لنا تحت عنوان العودة الشّاملة إلى ظواهر الاعتقاد الدّيني أيّ إعجاب لديّ. هل يمكننا القول بأنّ عمليّة نزع القداسة في بعض المجتمعات المسلمة تبدو أقلّ عمقا ممّا هي عليه في العالم المسيحيّ؟ ربّما كان الأمر كذلك، ولكنّ هذا الاختلاف لا يلغي الاتّجاه العامّ”.

31- L’homme Moïse et la religion monothéiste، p. 82-83.

32- المرجع نفسه، ص 82.

33- المرجع نفسه، ص 212 .

34- المرجع نفسه، ص 145.

35- المرجع نفسه، ص 177.

36- نفسه.

37- S. Freud، Pourquoi la guerre ?، publié en 1933، dans Résultats، idées، problèmes، t. 2، Paris، PUF، 1985، p. 215.

38- نفسه.

39- L’homme Moïse et la religion monothéiste، op. cit.، p. 186.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق