فريدا كاهلو – تحويل المعاناة إلى لوحات فنية

ولدت “فريدا كاهلو” في تموز من عام 1907في ( ضاحية كويوكان ) بالعاصمة المكسيكية من أب يهوديّ ألمانيّ مهاجر، وأمّ مكسيكية ذات أصول هندية معروفة ببشرتها السمراء .
في السادسة من عمرها أصيبت بمرض شلل الأطفال وأدّى ذلك إلى شلل أحد ساقيها، وجعل مشيتها غير متزنة. وترك هذا الأمر تأثيراً سيّئاً في أعماق نفسيتها مدى حياتها، فلم تستطع أن تعيش حياة طبيعية، ولذلك كانت تلبس جوارب ثخينة حتى في أيام الصيف من اجل أن تخفي عيوب ساقها.

بدأت بالرسم وهي ابنة 12 عاما، وفي عام 1925 تعرّضت إلى حادث باص، أصيبت نتيجة للحادث ساقاها وحوضها بشكل كبير، مما جعلها متمدّدة في السرير على ظهرها لا تستطيع الحركة لمدّة عام كامل، والأمر نفسه حرمها من إنجاب الأولاد طوال حياتها حتى بعد زواجها في عام 1929من رسام الجداريات الشهير “دييغو ريفييرا” الذي كان له دور مهمّ في توجّهها نحو الرسم. لكن رغم زواجها ظلّ كلّ واحد منهما يعيش في بيت خاصّ به. بعد سنتين انفصلت فريدا عن ريفييرا بشكل نهائي.

ورغم انفصالها عنه ظلّت فريدا تحبّ دييغوا ريفييرا، وتقول ذلك بكلّ وضوح في رسالة إليه بتاريخ 23 تموز 1935: ( أرى نفسي اليوم أنني ما توقّفت عن حبّك وأنّني أحبّك أكثر من جلدي، وحتى لو أنك لا تحبّني بنفس القدر، فإنّك على الأقلّ تحبّني قليلا، أليس كذلك؟ وإذا لا، فأنا احتفظ دائماً بالأمل للوصول إلى ذلك، وهذا يكفيني. أحبّني قليلا وأنا أعبدك). في عام 1937 هرب زعيم المناشفة “تروتسكي” من بطش ستالين وذهب إلى المكسيك، فكان منزل فريدا المشهور بالبيت الأزرق في ضاحية كويوكان في مكسكيو مكانا آمناً لإقامته.
كانت فريدا كاهلو ترسم بشغف، وقضت سنوات طويلة من عمرها وهي ملتزمة سريراً متنقلاً، تحدّق طوال ساعات النهار بمرآة ضخمة في سقف غرفتها، وعملت في ذلك الوقت على رسم صورتها التي تنعكس في تلك المرآة ونجحت في تجسيد معاناتها من خلال الرسم بطريقة عنيفة.

كانت أغلب أعمالها بورتريهات لوجهها، لأنّها كانت تعتبر الرسم أداة للتعبير عن واقعها الصعب وقدرها التعيس، اللذين جعلا من تجربتها القاسية مصدراً ومنبعا فريداً حيث عملت على دمج خيالها مع مأساتها للحصول لوحات تحمل في مضامينها الحياة بكلّ أبعادها. يتّفق النقاد في تصنيف تجربة فريدا ضمن المدرسة السريالية، بينما هي تصرح في يومياتها الخاصة: “لم أرسم أبداً أحلاماً، بل أرسم واقعي الحقيقيّ فقط” ماتت فريدا كاهلو عام 1954 بعد أن عاشت حياة صاخبة وتراجيدية، وتركت للبشرية ما يقارب 150 لوحة هي من أجمل اللوحات التشكيلة ورغم صغر أبعادها فإن كل لوحة تظهر أنفاس روحها ورائحة بشرتها السمراء وجسدها الذي كانت تحبه إلى درجة النرجسية … وقد غطّي نعشها قبل أن يوارى التراب بالراية الحمراء.

قال بيكاسو عن أعمالها مخاطباً زوجها ديكو ريفيرا: ” لا أنا ولا أنت بمقدورنا تجسيد البورترية كما تفعل فريدا”. أمّا ديكو ريفيرا نفسه، فقد وصف نتاجها الفنّي: “بالمحبوب والرائع والمبتسم والقاسي كما هي الحياة”. تحدّث عنها أحد أهمّ روائيي أمريكا اللاتينية (فونتس): “لا أحد من فناني القرن العشرين ناله الألم مثلما نال من فريدا”.
تحولت قصة حياتها منذ سنوات إلى فلم سينمائي وأدّت دور فريدا كاهلو عارضة الأزياء الشهيرة سلمى حايك التي تنحدر من أصول لبنانية، ولفتت أنظار مخرجي العالم بأدائها المميّز للدور.

في عام 1997 قامت الفنانة العراقية عشتار ياسين بتقديم مسرحية في كوبنهاغن بعنوان “شجرة الأمل”، تناولت فيها حياة فريدا كاهلو المفعمة بالإصرار والمقاومة. وكانت قد افتتحت عرض مسرحيتها بأبيات شعرية حزينة:
فاكهة وأشجار
ضوء ودموع وفقراء
وفريدا كاهلو
مثل فراشة مكسورة ومحطمة
مثل دموع في بحر
دموع في أيّ طريق
من يقول إنّ ضربات الفرشاة ستظلّ خالدة
لكني سأعمل بأقصى طاقتي
لكي أتجاوز عالمي هذا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق