فسيفساء “سادة”

كما أنّ للبيوت المتشابهة في تصميمها وقعاً مخيفاً على بصري، فلقطيع الغنم ذلك التشابه المخيف القريب من بشر يتشابهون في كلّ شيء، حتى في طريقة تفكيرهم وأذواقهم. وبقدر ما يزعجني الانطباق في الرؤى أحتاج إلى الاختلاف.

عندما قال النسبيّ “نيوتن”: ” لقد بنى الإنسان الكثير من الجدران، لكنه بنى القليل من الجسور”، لم يُقبض “ألبرت” عمّاله أجرتهم اليومية، وكان لزاماً على المعاول والفؤوس التدخّل ورفع القضية إلى اتحاد العمال، وفي هذه اللحظة بالذات كان ينبغي عليه – رئيس الورشة – أن يُحصي عدد الجدران ويتأكّد إن كانت مساوية لعدد الجسور، ويستنتج بالتالي العلاقة النسبية بين الجدار والجسر.

إذاً، الحكاية غير متجذّرة بالتشابه هنا، ولو تشابه هؤلاء لكانت الجدران قليلة ولا حاجة للجسور بعدها، لكن أن يحدث التشابه في الغرفة ذاتها لتتحوّل إلى غرفة “بلا جدران”، أو بلا خصوصية – بلا ستار – فتلك هي قمّة التشابه.

بطبيعة الحال، تخيفني هذه الكلمة ليس لأنّها قريبة من الاشتباه أو الادّعاءات أو المحكمة، بل بغريزة القطيع كونها تجعل من الجميع – نعم الجميع- في نفس المدار والمستوى، وهذا يولّد لديّ “الغثيان” تنسيقاً مع غثيان “سارتر” في معالجته للامعقولية الحياة من الاختلاف الشديد الناتج عن التقارب الشديد أيضاً.

وصل العالم الآن إلى أبعد من ذلك وتلك، يُرجى الانتباه للام البُعد.

لم تعد رصاصة “هتلر” تنفذ إلى القلب مباشرة، ولم يعد “غوبلز” من أهمّ الدعاة، وصارت الرصاصة تخرج من الفوهة لتبحث عن دريئتها بينهم، أي ليس من الضروريّ أن يتلقى الجميع نفس الصدمة ونفس الطلقة في ذات الوقت بذات التأثير، ولهذا ماتت نظرية الرصاصة.

{{ لماذا ماتت النظرية؟}}

كثُر الوسطاء وتعددت اتجاهات المتنوّعين، وتعدّد التأثير الموحّد ونحن لانزال نجلب نفس اللبنات لبناء جدراننا وأبوابنا، بنفس الألوان وبنفس وبنفس وبنفس …

جاء التتار والمغول والمسلمون وأشباه المسلمين، وأتانا فينيق وأكاد وبابل وقبلهم آدم وربما ما قبل آدم، وجهد هؤلاء في زرع بذور التنوع والاختلاف – ليس الخلاف – فينا، وتُوجت البذرة بثمار الخلاف والتشابه والتسطيح في السلوك والفعل والاتجاه وكذلك المعرفة.

“ماضل حدا وما ركب على أكتافنا “.
قالتها أستاذتي الجامعية يوماً ما، لتبرهن أنّ أكواماً من الاختلاف والتشابه والأذواق موجودة هنا وهناك، ليس على مستوى المحافظة الواحدة، بل المدينة الواحدة أو القرية الواحدة أو الحيّ الواحد، والشخص الواحد، هذا إن لم يكن “الواحد” هذا هو اثنين أو ثلاثة ..

جيّد هذا التنوّع وسيّء هذا التشابه!

{{لماذا اختلفنا ولم نتشابه؟}}

لنغيّر طبيعة السؤال: لماذا تشابهنا ولم نختلف؟ لأننا بكل بساطة نجد أنفسنا مرتاحين.

يا مرتاحين، التشابه دليل التخلّف من الماضي السحيق وليس الماضي العابق، وإن كانت لديكم نيّة في أقلمة تفكيركم مع آخر ترونه قريباً في رؤاكم ومتشابهاً في حواراتكم، فهذه ليست سمة حضارية، ولن تُوصلكم إلى “سيمون” و”هنتيغتون”، بل ستريّح بالكم فقط، وما إن ارتاح بالكم، هل سيرتاح بال الكرة الأرضية؟ فحتى لو أوصلتها إلى مرحلة من الهدوء النسبيّ، لن يفيد إن لم نختلف.

لذا، اختلف، ناقش، عارض، انتفض، والأهمّ لا تتشابه ولا تقلّد …

وعادت أستاذتي لتقول: “الإنسان المتديّن مرتاح نفسياً”.

عدتُ بعدها أحلّل المقولة وأتوصّل بعدها إلى أنّ المعرفة – بالفعل – ألم، والجهل – بالفعل – نقمة، ولهذا أقلقتُ تفكيري ونحتُّ آلهة من الاختلاف، أسميت الأوّل “إله التنوّع” والثاني “إله التنوّع” والثالث “إله التنوّع” والرابع “إله الفوضى” والخامس والسادس … وظللتُ أنحتُ وأنحتُ آلهة لا حصر لها في معبدي حتى بلغتُ سنّ الاختلاف، ورغم ذلك تكسّرتْ أولات بفعل فأس إله “التشابه”.

{{ هل علمتم الآن ما الذي يخلقه التشابه؟}}

بشر يشبهون بعضهم بعضاً، مدن مبنية على النمط نفسه كما هو حال جمهورية الفيلسوف الإنكليزي “توماس مور” في كتابه “يوتوبيا”.

كلُّ من دعا إلى الاختلاف والتميّز وقتها كانت النيران تتلمّظ ألسنتها لاستضافته، فها هو “غاليليو” يتمتم: “ورغم ذلك فإنّها تتحرّك”، حينما سيق إلى المحكمة ليدفع ثمن أفكاره حول حركة الأرض.

مدننا نسخٌ عن بعضها، تمشي في إحداها وتشتهي ثمّة اختلافا عن غيرها في أيّ تفصيل، فكيف لأحد أن يتمرّد وهو أسير بيئة مكانية واحدة؟

ليس المقصود هنا “المختلف = المتخلّف” أو غريب الأطوار، وليس ثمة داع لتذكّر الكنيسة الكاثوليكية في إحراقها أصحاب الأطوار الغريبة بتهمة السحر في العصور الوسطى، فالسحر نوع من أنواع التمرّد.

فلا تخافوا الآن، ليس ثمّة كنيسة هنا، وليس من قاتل للأفكار في رأسكم “الطاسة”، حتى وإن ماتت أفكاركم ستكون لحفّار القبور فرصٌ إضافية للعمل، ربما لأنّ الفكرة اخترقت مألوفاً ما.

وعلى سيرة المألوف.. هل تتخيّل أن تكون قطع الشطرنج جميعها بيضاء أم سوداء؟ أو لنتساءل: ماذا عن فسيفسائنا الملوّنة باللون “السادة”؟

فسيفساؤنا التي نفتخر بها أمستْ عبئاً علينا رغم بقاء جدران “نيوتن” على حالها، إلا أنّ تشابهها في الارتفاع والسُمك خلقت أفكاراً ورؤوساً متشابهة متطابقة وغير متمايزة.

يأتي كلّ هذا ليضيف إلى الأسئلة المتشابهة ردوداً أكثر تشابهاً لصناعة المزيد من “عدم التمايز”، ولكم من رأس ارتفع بين الرؤوس المتخاذلة ليُقابل بالقطع والتدحرج إلى اللاحقيقة.

ما أقوله ليس “ثرثرة تهدف إلى التخلّص من الثرثرة”، كما عرّف “جان فال” الفلسفة التحليلية، وإنما دعوة إلى الثرثرة من أجل أن نختلف، أو دعوة للاختلاف من أجل الثرثرة للوصول إلى الحقيقة، لأنني وإياكم نعيش في فسيفساء واحدة وبلون واحد “سادة “.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق