فشل التوفيق بين الثيوقراطية والديموقراطية / يوسف بزّي

في العام 1997 انتخب الشعب الإيراني رئيسه على الضد من رغبة المرشد الأعلى علي خامنئي وتوصيته، فاختار محمد خاتمي الإصلاحي بدلاً من ناطق نوري المحافظ.

خاتمي، وزير الثقافة السابق المحبط، والذي استقال من منصبه أمام الرئيس هاشمي رفسنجاني عام 1992، وصل الى الرئاسة تتويجاً لذروة المد الإصلاحي، الذي أخذ من مبادئ الثورة الإسلامية محاولتها مع «مؤسس الجمهورية» الإمام الخميني إجراء «مصالحة تاريخية» بين الدين والدولة.

جاءت الخاتمية كاستجابة لمرحلة ما بعد غياب الخميني، وكمحاولة لحل أزمة المشروعية في النظام، أزمة القراءات التي تعددت، بعد وفاة المؤسس، لنظرية «ولاية الفقيه»، فالخاتمية هي ضمناً محاولة لـ«التوفيق» ما بين التشريع الإسلامي (الشيعي) ونظام الإدارة الديموقراطية.

لذلك رعت الخاتمية، بوجل واستحياء دائمين، المراجعات النقدية لتجربة عقدين من عمر الجمهورية، وشجعت الصحافة المتعددة والنشاط الثقافي ولبعض مظاهر المجتمع المدني، فهي أيضاً حاولت القيام بـ«مصالحة تاريخية» اخرى، هي هذه المرة بين الدين والديموقراطية. فخاتمي هو القائل لطلبة جامعة طهران في الذكرى السنوية الأولى لتوليه الرئاسة «إذا كانت الليبرالية ليست مذهبنا، فإن الحريات التي تتضمنها أمر مطلوب كما انه لا يجوز الوقوع في شراك الفاشية هروباً من الليبرالية».

على ذلك، ظل الرئيس خاتمي يركض هارباً من الاحتمالين: الليبرالية والفاشية، من غير راحة أو مستقر.. ولا توفيق. فمع بداية عهد خاتمي، أخذ المحافظون المتشددون المهندس غلام حسين كرباستشي عمدة مدينة طهران الى المحكمة بتهم فساد وسوء إدارة. كان كرباستشي أهم شخصية تنفيذية في طاقم خاتمي، بل وتعزى اليه الكثير من النجاحات التي حققها الإصلاحيون في الانتخابات.
بدت هذه الحادثة ضربة مهينة للرئيس الجديد الذي فاز بتأييد كاسح من الناخبين. وبدا ان السلطة الفعلية هي في مكان آخر، خارج الرئاسة بالتأكيد. ونجح المحافظون في ضربتهم الأولى. أفهموا الرئيس ان السلطة القضائية والقوات المسلحة والميليشيا والقرار السياسي والإدارة العامة هي بين أيدي من ليسوا منتخبين، هي ليست في أيدي عمدة مدن أو نواب أو وزراء أو رؤساء جمهورية. كانت سلطة الوصاية (كما نفهمها نحن اللبنانيين) هي التي تحيي وتميت وتدين وتقرر. وفهم الجميع في إيران ذلك بعد محاكمة كرباستشي وسجنه. بل وفهموه أكثر مع بدء حملة إغلاق الصحف التي سمح خاتمي لها بالصدور.

في خريف العام 1998، أي بعد أقل من سنة على توليه الرئاسة، ومواجهته لكثير من الصفعات السياسية المتوالية من المحافظين، تلقى خاتمي ضربة إضافية عبر اغتيال زعيم حزب الشعب الإيراني داريوش فروهر وزوجته.

ثم كرت سبحة اغتيالات طاولت مثقفين ومفكرين وصحافيين ونشطاء، جميعهم من الإصلاحيين. ووصل سكين القتل الى رقبة خاتمي نفسه مع محاولة اغتيال المهندس سعيد حجاريان، أقرب المقربين للرئيس و«مهندس» أفكاره الإصلاحية، فيما عمد محمد علي الابطحي، مستشار خاتمي، الى النزول في بيروت، في تلك الفترة، مرات عدة.. ابتعاداً عن الأخطار.

سعيد حجاريان الذي أصيب بالشلل اثر محاولة اغتياله كان أول المعتقلين في الأحداث الأخيرة، إذ هو ما زال «الهدف» المفضل عند المتشددين.

في عهد خاتمي أيضاً، وبعد موجة إغلاق الصحف والاغتيالات، تعرض وزير الداخلية الإصلاحي عبدالله نوري ووزير الثقافة عطاء الله مهاجراني للاعتداء بالضرب أمام الملأ في أثناء صلاة الجمعة. وقامت قوات من ميليشيا الباسدران عام 1999 بالهجوم والاعتداء على جامعة طهران وطلبتها، أي على معقل «الخاتمية». وتسبب الهجوم بأول «انتفاضة» تشهدها إيران منذ الثورة. انتفاضة طلابية دامت ستة أيام، لم تفعل سوى استعادة بعض كرامة الإصلاحيين، من غير اقتصاص من الميليشيا وداعميها.
انقضى عهد خاتمي الى تحقيق مفارقة كبرى: بروز حاسم لولاية الفقيه وقوة المتشددين الدينيين والعسكريتاريين واستحواذهما على السلطة، من جهة، وبروز مجتمع مدني حيوي (ملاعب كرة القدم، السينما، الصحافة، الطلاب..) من جهة ثانية. هكذا فشلت «المصالحة التاريخية» في مستوييها: بين الدين والدولة، وبين الدين والديموقراطية. وهكذا بدأت القطيعة بين المجتمع والسلطة.

استقرت إيران على «قوة السلطة» مجسدة بالتواؤم بين المرشد الأعلى علي خامنئي ومريده الرئيس أحمدي نجاد. وانسحب الإصلاحيون من الواجهة، الى أن أتت الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حين ظن الإصلاحيون ان تشكيل السلطة ما زال يستند الى مبدأ انبثاقها من الشعب، أي من صناديق الاقتراع. لم ييأسوا من التجربة الخاتمية المريرة. لم ييأسوا من وهم التوفيق ما بين «الإرادة الالهية» و«الإرادة الشعبية». هكذا توجه الإصلاحيون الى الاقتراع فيما توجه المحافظون الى «التدبير» الالهي. وما بين التوجهين مسافة هي عينها الفاصلة ما بين الأرض والسماء.

في العام 1998 كانت الخاتمية تواجه محاكمة كرباستشي، تواجه قوة ضارية تحاصرها ميليشياوياً وأمنياً ودينياً وقضائياً وسياسياً.. وكانت تجد تعويضها ورمزيتها في تلك اللحظة بالذات في المنتخب الوطني الإيراني لكرة القدم، الذي وصل الى مونديال فرنسا لكي «يلعب» مع المنتخب الأميركي. وحينها ظهرت لنا للمرة الأولى صورة «الجمهور» الإيراني المغايرة لصور الحشود الطقوسية المعتادة. كانت صورة شبابية، أنثوية، ملونة ومقبلة على العصر والموضة والبهجة واللهو. كانت الملاعب تحمل الينا مشهد جمال الشباب الإيراني الراكض نحو الحداثة والخفة.

في العام 2009، عادت الينا صور الشباب الإيراني من شوارع طهران وهو يتظاهر تحت شعار «أين صوتي؟» غير مدرك أن انقلاباً (قد يكون نهائياً) حسم ازدواجية مصدر السلطة في إيران لصالح «حزب ولاية الفقيه». انقلاب من النظام على النظام.. وضد المجتمع. نزل إيرانيو الديموقراطية لمواجهة ما أسموه «الديكتاتور» في تظاهرات سلمية مدنية حاشدة آملين بالابقاء على «الجمهورية الخمينية» وفق تلك العقيدة التي أرستها الخاتمية نفسها.

لم يدرك الإصلاحيون بعد انهم خسروا الجمهورية العتيدة وإن الانقلاب تم بنجاح مذهل: السيطرة على الإعلام، القوى الأمنية، الجيش، الحرس الثوري، الباسيج (الميليشيا)، مؤسسة مصلحة تشخيص النظام، مجلس الشورى، الوزارات، الرئاسة..الخ. على هذا المنوال وجد المتظاهرون المدنيون أنفسهم معزولين من غير سند سياسي تقريباً. حتى الانشقاق في المؤسسة الدينية ومجتمع رجال الدين لم يترجم نفوذاً سياسياً ولا قوة ضغط كافية، فيما مجتمع «البازار» الذي أطاح بتحالفه مع رجال الدين بالشاه، لم يعد تلك القوة الفاعلة بعد 30 عاماً من الحكم «الثوري».

«مواطنو» الديموقراطية وشبان المجتمع المدني ومثقفو الحداثة والليبرالية (المحتشمة) نجحوا في تأليف «رأي عام» ترجم نفسه بالتظاهرات السلمية. لكن هذه التظاهرات التي اجتاحت ساحات وشوارع العاصمة الإيرانية كانت تطلب «السياسة»، فجاء الرد عليها رصاصاً وقمعاً أمنياً وحشياً. لم يدرك الإصلاحيون ان ولاية الفقيه و«ديكتاتورها»، قد صادرا السياسة كلها من غير شريك.
نجح الانقلابيون على ما يبدو في الأيام الأخيرة في عزل «نواة» الاحتجاج. وحدث ذلك في السيطرة على الميادين العامة بالقوة، بحيث استحالت التجمعات الجماهيرية الكبرى، ثم نجح الباسدران والباسيج والشرطة في نزع الطابع السلمي على حركات الاحتجاج وصبغها بالعنف والدم، بحيث لا يمكن لأغلبية المواطنين المسالمين المجازفة بأرواحهم والنزول الى الشوارع لمواجهة جيش الدراجات النارية، المدججة بالسلاح والرجال القساة البالغي العنف والبطش.

نجح القمع أيضاً في تقنين تدفق الصور وفيض الإعلام ومحاصرته قدر الإمكان، وتغلب تكتيك القمع المتبع من القوى الأمنية، التي تعمد على ما يبدو لعملية قنص مميتة واحدة في كل تجمع احتجاجي. فلا إطلاق نار عشوائي يسبب مذبحة درامية، ولا اكتفاء ببخاخ فلفل على العيون ولا مجرد ضرب بالعصي والهراوات ولا استعمال الغاز المسيّل للدموع فحسب، بل قتل متظاهر واحد فقط في كل تجمع أو تظاهرة تنبثق هنا أو هناك. هذا التكتيك فعل مفعوله الناجح في القمع وتعميم الخوف. اما النجاح الأكبر فتمثل في إخفاق القادة الإصلاحيين بوضع «برنامج» أو سيناريو كرة الثلج. فشل القادة الإصلاحيون في السيطرة على الزمن وتدفقه، فلم يتبعوا تكتيك الأفعال المتوالية والضربات المتدحرجة. كان خيالهم فقيراً في ابتكار وسائل جديدة لـ«تنمية» الاحتجاج وتوسيعه وإدامته… فخسروا عنصري المبادرة والمفاجأة.

اقتصرت قدرة الاحتجاج، باستخدامها لتكنولوجيا الصورة ووسائلها المتعددة (الانترنت، الكاميرا، الهاتف المحمول)، على توجيه خطابها الى «الرأي العام العالمي».. وهذا بالنسبة للسلطة في إيران لا يسبب لها رفة جفن، طالما ان الرأي العام العالمي هو صنيعة «الاستكبار» و«الشيطان الأكبر» (أميركا) و«الشيطان الأصغر» (إسرائيل وبريطانيا وإذاعة الـ بي.بي.سي).
تروي الأخبار الآتية من طهران أن عائلة أحد المقتولين في التظاهرات واجهتها القوى الأمنية بطلب دفع ثلاثة آلاف دولار أميركي مقابل تسليمها جثة ابنها. المبلغ هو ثمن الرصاصة التي قتلت الشاب.

هذا الإجراء اتبعه صدام حسين مع عائلات الذين يتم إعدامهم في العراق، كجزء من إجراءات معاقبة المجتمع كل يوم. حيث السلطة تصبح مجرد آلة عقاب في كل دقيقة. وعلى الأرجح فإن الإيرانيين منذ حزيران 2009 سيبدأون العيش في ظل هذه السلطة لمدة مديدة.

العقاب الأخير أتى الى ملاعب كرة القدم (حيث بدأت تباشير الخاتمية) فالخبر هو نقلاً عن صحيفة «إيران» الموالية للنظام، «منع أربعة لاعبين من اللعب مدى الحياة، لإعلانهم تأييدهم المرشح الرئاسي مير حسين موسوي».

هكذا أسدل الستار على «الإصلاحيين» في إيران. الشابة نِدا مضرجة بدمائها، أساتذة الجامعات في المعتقل، القادة في الإقامة الجبرية. المثقفون باتوا في المنفى، لاعبو كرة القدم بلا لعب.

انتهى وهم «الإصلاح» ولا نعرف متى يبدأ حلم «التغيير».

عن ملحق نزافذ – المستقبل 28/6/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق