فصل في حكاية العلمانية السورية: مخالفة برهان غليون في رؤيته لـ”جماعة وائل السواح”

في تعليقها على مقال برهان غليون “ردا على وائل السواح: من أجل علمانية إنسانية“، تأخذ السيدة رجاء على المثقفين السوريين ميلهم “إلى التعميم انطلاقا من الحالة السورية التي هي فريدة من نوعها، وكأنّ الصراع في كل بلدان العالم العربي هو بين علمانية مستبدّة بالحكم وأطراف أخرى؟ فأيّ نظام سياسيّعربي يمكن أن نعتبره علمانيّا؟ أين نجد الاستبداد العلمانيّ في البلدان العربيّة،وهي أبعد ما تكون عن تحوير دساتيرها في هذا الاتجاه، وخطابها الرسميّ أبعد ما يكون عن اعتماد العلمانيّة؟”. لم تخطئ السيدة رجاء فيما توصلت إليه من قراءتها لمقال غليون، وآخرين يقولون قوله، إلى أن سوريا محكومة بنظام علماني مستبد. بحيث يبدو أن أي حراك علماني في سوريا نافل طالما العلمانية قائمة بقوامة النظام، وبالتالي فإن أي قول أو مسعى علماني لا بد أن يؤول إلى تلميع الأداء العلماني للنظام الحاكم وتأبيد لاستبداده، فيبدو وكأنه لا ينقصه من المحاسن سوى أن يكون ديمقراطيا.

هذا الرأي غير صائب مطلقا. ففي سوريا نظام استبدادي يتوسل العلمانية والطائفية والوطنية والعنف، ويستخدم الأجهزة الأمنية والعسكرية والمؤسسات والهيئات الدينية والسجون ومؤسسة الحكومة كأجهزة تسلط وآليات لإحكام وتأبيد استبداده. ويقوم بتبديل أدائه وأساليبه وأدواته حسب نوع التحديات وحسب طبيعة الخصوم. وبالتالي فهو ليس فريدا، ولا الواقع السوري أيضا، الذي يتشارك مع ساحات ومواقع أخرى في الكثير من الصفات، بما في ذلك تميزه بخصوصية، كما أي واقع آخر، تستدعي البحث في أصغر تفاصيلها خدمة لأي اشتغال تنظيري عام يهتم بالمشتركات.

وربما سيكون من المفيد هذه المرة تناول جوانب خصوصية واقع العلمانية السورية على طريقة سرد الحكاية، ظنا أن ذلك قد يفيد في تكشّف بعض الغموض الذي يلف الحوارات والسجالات الدائرة في هذا الموضوع.

بداية
لم تكن مسفصل في حكاية العلمانية السورية:ألة العلمانية قضية مركزية في الحوارات والسجالات التي دارت في خضم حراك المثقفين السوريين، الذي أُطلق عليه تسمية “ربيع دمشق”، والذي نشأ إثر وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد عام 2000 وتولي ابنه، الرئيس الحالي بشار، الرئاسة، الذي بادر في محاولة “مبكرة” لتقديم طروحات واجتهادات جديدة على الخطاب السلطوي، شكلت في حينها نوافذ عبرت من خلالها نقاشات جديدة وجادة لم تعرفها قبلاً الساحة الثقافية السورية. نجم عن ذلك فرز سياسي وثقافي مشكّلا ما صار يعرف لاحقا بشكل اصطلاحي بالمعارضة، من دون تمييز بين مكوناتها ومن دون أي تحديد أو توصيف يجمعها سوى اعتراض أفرادها وجماعاتها على السلطة. جامعة بقايا حطام أحزاب سرية يسارية، استطاع النظام، خلال حقبة الثمانينات، أن يقمعها ويطيح بها ويسجن جميع أعضائها تقريبا لفترات طويلة، إضافة إلى مثقفين غير منتمين إلى هذه التنظيمات.
ولم يطل أمد ربيع دمشق، كما هو معروف، إذ ارتدت السلطة الجديدة على البحبوحة الأمنية التي وفرتها، وعادت إلى أساليب السلطة الأم، فانقضت على الرموز الأشهر في ربيع دمشق وألقت بهم في السجون (مازال منهم الدكتور عارف دليلة سجينا حتى الآن). وانتهى ذاك الحراك البالغ الأهمية بسبب عدم تمكن السلطة من احتمال النزعة المغامرة لبعض قادته.

لم تغب لفظة العلمانية في ذاك الحين أو بعيده، بل كانت تمر عابرة متون الدراسات والخطابات. إلى أن أصدرت جماعة الإخوان المسلمين السورية في المنفى وثيقة عمل جديدة، استحسنتها قوى المعارضة في الداخل (فضلا عن معارضة الخارج) وخلصت منها إلى أن الجماعة انتقلت إلى ناصية الخيار الديمقراطي، مما يبيح التحالف معها. ولم يتأت هذا التفسير أو القراءة من رؤية نظرية أو ثقافية، بل من حسابات سياسية بحتة. فالمعارضة المهزومة في ربيع دمشق اكتشفت مجددا في جماعة الإخوان المنتصر والحامي (الذي يأخذ بالثأر)، وتصور بعض مثقفي المعارضة، الفاقدة لبنى تنظيمية ولعديد تنظيمي، أن الإخوان هم الجهة الأقدر على إسقاط النظام؛ بعد أن عاد هذا الحلم في زوال الأنظمة مجددا بعد إسقاط نظام صدام حسين. مع العلم أن هذا الحلم لم ينعدم بشكل نهائي من الذهنية السياسية، بل كان حاضرا فيها مضمَرا في التفكير الخلاصي والانقلابي. وقد مرت في تلك الأثناء فترة بات يتندر بعض أوساط المثقفين المعارضين باحتساب أشهر وأسابيع عمر النظام قبل سقوطه.

إثر ذلك استشعر قلة قليلة من السوريين خطرا في هذه الأجواء، ما جعلهم يعتبرون أن طرح العلمانية كمحور استقطاب يمكن أن يكون مفيدا في مواجهة الطرح الإخواني اللاديمقراطي، حيث بقيت قناعة الإخوان بأن الحاكمية لله وحده، وأن المرأة لا يمكن أن تتساوى مع الرجل في أحقية الإمامة، وأن حرية الاعتقاد والعبادة مكفولة للمسيحيين و”لأخوتهم” العلويين، من دون ذكر تساوي غير المسلم مع المسلم، إضافة إلى تصورها أن مكونات الشعب هي الطوائف الدينية والمذهبية.

ورغم هذا الوضوح في موقف هذه القلة العلمانية فإن كتّابا معارضين حاولوا أن يظهروا أنفسهم بموقع مكتشف الخبايا والأسرار، معتبرين أن الموقف المواجه للإخوان المسلمين “الديمقراطيين” ما هو إلا وقوف داعم للسلطة المستبدة. ما يجعلنا نفترض أن موقف معارضي هذا التيار العلماني ليس مبنيا على تحليل سياسي أو تفنيد ثقافي، بل متأت من اصطفاف حزبوي، سأحاول تقصيه وتبيانه في رد غليون على السواح. حيث لن نجد الكثير من الاختلاف أو المآخذ في المقال الردي على أفكار وطروحات المقال الأصل في خصوص العلمانية.

لكن قبل ذلك أرى أنه من المفيد ذكر تجربة صغيرة جمعتني والدكتور غليون، علها تبيّن سبب حدته في الرد على الأستاذ السواح. فمنذ أكثر من خمس سنوات، أعاد لي الدكتور برهان غليون، مراجعته المكتوبة للحوار الشفهي الذي أجريته معه عام 2002، في إطار اشتغالي على كتاب “حوارات في الوطنية السورية”، الذي اشترك فيه ثمانية من المفكرين والباحثين والكتاب السوريين. وفوجئت حينها بأن النص المعاد قد توسع إلى خمسة أضعاف النص الأصلي تقريبا. وقد رحبت بذلك لمسعاي حينها، وكذلك الآن، في زيادة مكتبة الثقافة السياسية السورية في أي قول أو رأي جديد يمكنني أن أساهم في إيصاله من خلال عملي كناشر.

وكان من بين الأسئلة، التي وجهتها إلى جميع المساهمين، سؤال مشترك عن سبب غياب كلمة الاشتراكية من خطاب جميع الأحزاب والقوى الاشتراكية، التي تشكل الغالبية العظمى للأحزاب السورية (البعث، والناصريون، والشيوعيون)، ومن دون التصريح بموقفها من الاشتراكية على أثر سقوط منظومة الدول الحاملة اسمها. وتضمن السؤال محاولة معرفة العلاقة بين الديمقراطية، التي أضحت جميع تلك القوى تعتمدها عنوانا لخطاباتها، وبين الرأسمالية أو الاشتراكية. فكانت حصيلة جواب برهان غليون عن شقي السؤال ما مجموعه 2500 كلمة، وعندما أعاد إلي النص كان مجموع كلمات الجواب قد وصل إلى 10500 كلمة. في مقابل أن جملة جوابه عن العلاقة بين العلمانية والمواطنة، في سؤال آخر، كانت 516 كلمة، وبعد التوسيع صارت 1760 كلمة.

وبعد صدور الكتاب ورواجه استضافت قناة الجزيرة الدكتور غليون في 17/7/2004 في برنامج “الكتاب خير جليس”، للتحدث عن الكتاب الفرعي الذي أصدرته بعنوان “الاختيار الديمقراطي في سوريا” متضمنا حواري مع برهان غليون فقط، نتيجة الصعوبة التقنية والفنية في إدراج حواره المتسع مع مقابلات ونصوص الآخرين. وعند سؤال مقدم البرنامج سبب التطرق لموضوعة الاشتراكية ومناقشتها في إطار الحديث المركزي عن الديمقراطية، خاصة بعد أن تم تجاوز هذا الموضوع سوريا وعربيا، كان جواب غليون: “الحقيقة هو الكتاب يعني إجابات على أسئلةوُجهت أو حوار من طرف آخر واللي حصل إنه الطرف الآخر اللي عمل الحوار واللي هوالناشر بنفس الوقت كان من الاشتراكيين أو هو لا يزال أو كان من الناس اللي مؤمنينبالفكرة الماركسية وهو عنده تساؤلات كثيرة حول موضوع الماركسية والاشتراكية ومدىصلاحية الاشتراكية أو صلاح الاشتراكية لتكون في المستقبل ربما مصدر لقيم ولسياسياتجديدة فكنت باضطر إنه أجاوب على السؤال”·.

الشق الأول من جواب غليون صحيح، رغم أنه لم يعرف اشتراكيتي وإيماني السابق بالماركسية من خلال أحاديثي معه ولا من خلال كتاباتي، بل استنادا إلى معرفته بأني كنت معتقلا بتهمة انتمائي إلى حزب شيوعي؛ علما أنه كان يعتبرني حينذاك ليبراليا. أما الشق الثاني فليس فيه شيء من الصحة، فلست من المتطلعين إلى مستقبل الاشتراكية، ولا يمكن لبرهان غليون أن يأتي بشاهد واحد يدعم به قوله هذا؛ ومن المؤكد أن غليون لم يكن مضطرا إلى الاستفاضة بحديثه عن الاشتراكية بمقدار أربعة أضعاف حجم النص الأصلي.

لا أقصد من سرد هذه القصة أن غليون، في حديثه هذا، كان يقصد الإساءة لي ـ كما لا يسوءني أن أكون اشتراكيا أو أتطلع إلى مستقبل اشتراكي ـ بل ما أقصد تبيانه منها أنه لا يستطيع تقبل أي انتقاد لعصمته المعرفية. فعندما وجد أنه لا مفر من اعترافه بالخطأ ـ وهو ليس خطأ أبدا ـ لجأ إلى إلقاء المسؤولية علي؛ خاصة وأنه كان قد تلقى هذه الملاحظة في ندوة لتوقيع الكتاب في لبنان. وستبين مجموعة الشواهد التالية، التي سأعتذر مسبقا عن كثرتها، رغبة غليون الجامحة في الحديث عن اشتراكيته الطاهرة والجامعة لكل القيم الإنسانية الطيبة والبنّاءة، على خلاف الاشتراكية الشيوعية التي كانت مسؤولة، حسب رأيه، عما حصل للاشتراكية. (ويمكن أن أرسل لمن يريد من القراء الاستزادة أكثر عن رأي غليون الاشتراكي نسخة إلكترونية عن اللقاء الشفوي وأخرى بعد التحرير والإسهاب)

“من أجل إعادة تأسيس الفكر الاشتراكي وبلورة طروحاتة الجديدة المنسجمة مع تطورات القرن الواحد والعشرين، شكلت الأممية الاشتراكية لجنة مهمة من المثقفين الاشتراكيين الدوليين يترأسها رئيس الوزراء الإسباني السابق غونزاليس. (…) وقد شاركت أنا نفسي في بعض الندوات التي عقدتها هذه اللجنة في مناطق مختلفة من العالم.”

“وأن نستفيد منها [التجربة] في سبيل العودة إلى الفكرة الاشتراكية الصافية, والسعي إلى إعادة بنائها على أسس سليمة.”

“ولذلك فإن الاشتراكية تتطابق تماما مع الديمقراطية باعتبارها نظاماً يقوم على تأكيد إنسانية الإنسان”

“ومن الممكن استبدال كلمة الاشتراكية اليوم، من دون الوقوع في أي تناقض أو خطأ، بعبارة الديمقراطية الاجتماعية، أي الديمقراطية التي ترفض أن تقصر نفسها على ضمان الحريات الفردية”

“إن ميزة الفكر الاشتراكي الجديد وقيمته معاً تنبعان من أنه أصبح يرى في الاشتراكية خيارات تقوم على توفير شروط تحقيق إنسانية الإنسان, أي تنمية حريات الأفراد وحقوقهم وتوسيع دائرة ومساحة آمالهم, وأشكال مساهمتهم ومشاركتهم في الشأن العام, وتنوع أفكارهم وعقائدهم, ورفض الفكر الواحد والمرشح الواحد والزعيم الواحد, أي رفض أن يخفض الإنسان إلى آلة حيوانية لا مطلب لها سوى ملء البطن وتعظيم الاستهلاك. إن هذا الفكر الاشتراكي الجديد يرى في الحاجات السياسية والثقافية والعاطفية, واحترام الذات والانعتاق والتحرر من المخاوف وكل أشكال القهر والمسكنة والخضوع والإذلال, شروطاً لا تقل قيمة في تحقيق سعادة الإنسان عن تحقيق الحاجات المادية, بل تفوقها لأنها هي التي تميز الإنسان عن الحيوان. وهي التي تجعل منا بشراً متضامنين ومتفاعلين, لا ذئاباً ووحوشاً كاسرة يأكل بعضنا بعضاً من دون شعور ولا وجدان ولا ذرة من تأنيب الضمير”.

“ويمكن القول أن ما نعيشه منذ انهيار التجربة الشيوعية, التي كانت المسؤولة الرئيسية عن فساد مفهوم الاشتراكية واليسار, هو العودة القوية عند الفكر اليساري إلى جذوره الفكرية التاريخية.”

“إن ما يشكل مبدءاً ومذهباً في الفكر الاشتراكي الحديث, ما بعد انهيار جدار برلين, ينبغي أن يكون هو الحرية ودولة القانون والعدالة والكرامة الإنسانية, أي كرامة كل فرد منها.” (انتهت الاقتباسات)(··)

أجزم أن برهان غليون لم يكن مضطرا إلى مجاراتي وكتابة كل هذا المديح للاشتراكية وآفاقها، حتى لو كنت متيما بالاشتراكية. لكن جوابه لمذيع “الجزيرة” نابع من إحساسه الكامن تحت سطح الوعي بأنه معصوم عن الخطأ فيما يقوله، منذ أول قول قاله يوما. وهذا الأمر شائع عند كل من يهوى التصفيق الشعبي، فإن ضُبط متلبسا بخطأ بيّن، أو أخذ عليه جمهوره قولا ما، يسارع للقول الذي طالما يردده الدكتور طيب التيزيني: ليس في الإمكان أفضل مما كان.

لا يفتقد مقال برهان غليون إلى أفكار ذات أهمية بالغة في موضوع العلمانية، على الرغم من أن كلامه في مديح العلمانية، حسبما يراها، لا يختلف عن اشتراكيته التي تعرفنا على بعض ملامحها وتوصيفاتها من الشواهد أعلاه؛ فكما لملمَتْ اشتراكية غليون كل القيم الإيجابية التي أنتجتها البشرية على امتداد حضاراتها، مشتملة الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والعلمانية والمساواة والحرية وتكافؤ الفرص والشهامة والإباء والعنفوان … الخ، كذلك هي علمانيته: إنسانية رحومة رؤوفة ليس لها أنياب ولا أظافر، لا تخوض صراعا ولا تدعو إليه، ترضى بالجميع ـ ما عدا العلمانيين السوريين ـ وقادرة على استيعابهم، في مقابل قناعته بأن الجميع يرضون بها عن طيب خاطر. مع ملاحظة أنه يرى العلمانية الرائعة قد تم تخريبها إجرائيا، ومازال، على يد العلمانيين، مثلما تم تخريب فكرة الاشتراكية تطبيقا على يد الشيوعيين.

على عكس ما ابتدأ مقاله الردي على السواح فإنه يختم بتوصية أن “نكف عن اتهام بعضنا البعض الآخر، أو التشهير به، أو تخوينه أو تكفيره، ونعترف بشرعية تعددية وجهات النظر وأصالتها، ونقبل بنسبية المعرفة، بما في ذلك مفاهيم العلمانية والحرية والمساواة والعدالة والقومية والوطنية وجميع المفاهيم الأخرى، وتحولاتها وتبدل دلالاتها أيضا”. ولا أدري لماذا لم يُعد قراءة مقاله على ضوء هذه الخاتمة الرائعة، عله حينها كان أعاد النظر في اتهامه التعسفي لأشخاص افترض وجودهم ونسب إليهم النوايا والمقاصد والأهداف، ولم يعترف بشرعية حقهم بقول رأي مخالف لرأيه من دون أن يخوّنهم ويكفّرهم، واكتفى بالدلالة عليهم بعبارات: “وائل سواح وزملائه” “وائل سواح وجماعته المرجعية” “تنصيب نفسه [السواح] وأصحابه”. فكان يمكنه، لو أراد العمل المعرفي والاعتراف بنسبية المعرفة، كما ادعى، الاكتفاء بالرد على السواح، بل بالرد على آراء السواح في موضوع العلمانية، إذ أننا لم نحظ إلا برده عليه فيما يخص تناول السواح لكتاباته. وبغض النظر عن صوابية تصويبه لادعاءات السواح أو خطأها، وبغض النظر أيضا إن كنت مشمولا بتلك الجماعة أو التيار الذي يقوّله غليون ما يبرر له هجومه على القول العلماني في سوريا: “تيار قائم بالفعل في وسط المثقفين، لا يعلن ولاءه للعلمانية وتمسكه بشعاراتها إلا ليفرغها من مضمونها ويحولها إلى درع يحتمي وراءه ويغطي به، هذه المرة مداورة وتقية بالفعل، على أفكار يعتقد أنها غير مقبولة اجتماعيا بعد، أو أن الإعلان لا يزال مكلفا كثيرا”، بغض النظر عن هذا، سأحاول جاهدا الالتزام بنصيحة غليون بعدم الاتهام والتخوين والاعتراف بنسبية المعرفة.

إن كنت أقبل ببعض ما جاء في مقال غليون “مديحا” بالعلمانية، فإني أخالفه الرأي كليا في فهمه لتوقعنها سوريا أو عربيا. فكاتبنا يماهي، لسبب أو لآخر، بين العلمانية وبين الاستبداد “العربي”، في هذا المقال وفي مقال آخر بعنوان “الفتنة الفكرية… ومحنة المجتمعات العربية” (الإتحاد الإماراتية 25/9/2007).

لا يقول غليون صراحة بهذه المماهاة، بل يكتفي بنسب كل من طرفيها إلى الآخر وكأنها مسلمة معرفية؛ قاصدا من ذلك إلحاق العلمانية قيمياً بالاستبداد اللعين، الذي يتبرأ منه حتى المستبدين أنفسهم. وهذا يجعلنا نميل إلى الظن أن مسعى كاتبنا، خلافا لما يدعيه، لم يكن معرفيا طاهرا، بل مشوب بالمشح الإيديولوجية، خاصة وأنه لا يجوز لنا قراءة كاتب بوزن الدكتور برهان غليون من دون استبطان أقواله والبحث في دلالاتها، معتبرين أنه يختار بدقة الخبير كل كلمة وعبارة يكتبها أو يقولها، حتى لو لم تكن دقيقة.

إن هذه المماهاة الإيديولوجية عند غليون بين العلمانية والاستبداد “العربي”، والتي تشكل الركيزة الأساسية لموقفه من العلمانية السورية أو العربية، مشتقة من موقفه (وليس من رؤيته) لحال الصراع السياسي في سوريا بين: سلطة مستبدة، يتحدر أغلب رجالاتها من طائفة دينية أقلية (علويين)، تصرّح أن نظامها علماني، وبين تيار إسلامي سني يعارضها، نقرأه عند غليون تحت تسمية “الأغلبية الاجتماعية”. وسنرى حضور هذه المعادلة في كل ما يلي.

هذا التيار الديني، الذي سيشفع له غليون شططه على الصعيد العربي، متمثل على صعيد الخطاب السياسي في سوريا بجماعة الإخوان المسلمين، التي لا يأتي كاتبنا على ذكرها في كلا مقاليه، على الرغم من أنها تشكل محورا رئيسيا في الصراع حول مسألة العلمانية أكثر أهمية على الصعيد السياسي من التيار العلماني الذي يشن عليه غليون هجومه. ففي مقابل اتهام السلطة لهذا التيار الديني بالأصولية، فإنه من ناحيته يتهم النظام السوري بالعلمانية، مقيما من ذلك منصة تعبئة جماهيرية هربا من الجهر بخطاب طائفي يعتبر: حق الأكثرية السنية بالسلطة، حتى لو كان ذلك عن طريق الديمقراطية “الملعونة”.

ليست هذه المسألة فقط هي التي يحاول غليون مطها من واقعها السوري ليلبسها قسرا وعسفا لأغلب البلاد العربية، أو جميعها في بعض الأحيان. من هنا كان استغراب السيدة رجاء في تعليقها على مقاله. وسنرى هذا الجانب أكثر حضورا في مقاله بجريدة الاتحاد، حيث يبدأه باكتشافه وجود انقسام وتصدع في “مجتمعاتنا العربية اليوم” “بين أكثرية فقدت الثقة في الصيغ والحلول الحديثة (…) وأقلية تعتقد أن السبب يكمن في التقاليد الدينية الموروثة التي تتعايش معها النخب الحاكمة بدل استئصالها”، ويبدو واضحا هنا أن مجتمعاتنا تتكون في لحظتها السياسية الراهنة من ثلاثة أطراف متصارعة: نخب حاكمة، وأكثرية، وأقلية؛ أي أن جميع أفراد وفئات المجتمع داخلون في اللعبة السياسية الصراعية!! وهذا غير دقيق وغير واقعي. ولن يقف الأمر على يدي كاتبنا، المولع بدفع الأمور إلى حدودها القصووية والمحكوم بموقفه من الحالة السورية، عند حدود الانقسام التصدعي، بل سـ”يولِّد هذا الانقسام (…) حرباً أهلية معلنة أو كامنة لا أمل لأحد في حسمها”. وهنا سينتبه الكاتب إلى وجوب تفسير عدم تمكّن الأكثرية من حسم هذا الصراع لصالحها، فيرى أن ذلك “ليس لأن الأقلية التي تسمِّي نفسها علمانية، وهي ليست كذلك، تحتكر، في مواجهة الأكثرية الإسلاموية، في أغلب البلدان، السلطة وموارد القوة واستخدام العنف فحسب”. لا يهمنا من هذا الشاهد معرفة أسباب عدم الحسم، ولا كيف تحولت تلك الأقلية إلى جهة تدعي العلمانية “وهي ليست كذلك”، بل هذه الشقلبة التي قام بها غليون لما عرضه علينا قبل ذلك بأربعة أسطر فقط، حيث تتمكن هنا تلك الأقلية، التي تمايزت أعلاه عن السلطة، بقدرة الكاتب، من امتلاك “السلطة…”.

مازلت ملتزما بتوصية غليون، لهذا سأسوق اقتباسات مطولة من مقاله في جريدة الاتحاد لأبيّن الخلفية التي تحكم موقف غليون واصطفافه الإيديولوجي. ففي هذا المقال ينصب كاتبنا ميزان “عدالة معرفية” يوازن به بين ذنوب العلمانيين (أو العلمانويين) وذنوب الإسلاميين (أو الإسلامويين). سنجد نتيجة ذلك أن أقصى كبائر الإسلاموية يتجسد بادعائها تطابق رؤيتها لدولتها “مع تعاليم الإسلام”، وأنها “ليست مشروعاً أصلاً، وإنما هي لافتة تنضوي تحتها مشاريع أو أشباه مشاريع ومطالب وتطلعات مختلفة ومتباينة ومتناقضة، لا يمكن أن تقود، عندما تواتيها فرصة الوصول إلى السلطة، وأحياناً قبل الوصول إلى السلطة، إلا إلى الانقسام المتزايد والاقتتال بين الإسلامويين أنفسهم”. وسنجد أن كفة الميزان الثانية ترجح بذنوب العلمانية التي لا تقتصر على اعتمادها “الوسائل القهرية” فحسب، بل ستصير بعد أسطر قليلة، ومن دون أي تفسير سوى مقدرة الكاتب السحرية “المعرفية”، عبارة عن الاستبداد الذي يحيل إليه غليون كل مآسينا.

ولا تكتمل مقارنة غليون لطرفي الصراع من دون التأكيد على ارتباط هذا الصراع “بصراع أوسع، دولي وإقليمي” يندرج من خلاله “الطرفان المتنازعان، بوعي أو من دون وعي، في الاستراتيجيات الدولية”، حيث “أعطى هذا الاصطفاف للفريق العلمانوي المحلي، في كل البلدان العربية وعلى مستوى المنطقة ككل، الانطباع أن بإمكانه الفوز بالمعركة وحسم الموقف لصالحه طالما أنه يحظى بدعم دولي واسع، كما أعطى الانطباع للفريق الإسلاموي بأن التنازل أمام الأقلية “العلمانية” المسيطرة لا يعني خيانة الأغلبية المؤيدة له فحسب، وإنما أكثر من ذلك الاستسلام أمام قوى الهيمنة الدولية والاستعمارية” (التشديد منا). أخشى أن نصدّق هذه القراءة فنضطر إلى الشد على يد الإسلاميين في مواجهتهم لقوى الهيمنة الدولية والاستعمارية.

لا تفيد كلمة “الانطباع” التي يوردها الكاتب في هذه الفقرة في تنصله من مسؤولية هذا التحليل من خلال إحالته إلى أصحاب “الانطباع”، إذ سيبقى هو الذي أنشأ هذين الانطباعين، خاصة وأننا سنجد إقراره بهذه القراءة فيما يلي من مقاله، حيث سيتخلى عن مفردة “الانطباع” ليعتبر أن “ما قيل إنه بدأ كحركة احتجاج داخلي على الظلم الاجتماعي والتسيب القانوني والاستهتار بمصالح الناس ومستقبلهم” قد تحول “إلى ما يشبه الحرب العالمية ضد “الإمبريالية” والسيطرة الخارجية، السياسية والثقافية، وقواعدها المحلية”. وفي الطرف المقابل سيتحول “الدفاع عن مشروع الحداثة العلمانوي إلى حرب “وطنية” ضد الإسلام والإسلاميين، ومن وراء ذلك إلى ذريعة لتبرير الاستبداد والتحالف مع القوى الاستعمارية”. معتبرا أن هذه الآثام جراء “ربط الصراعات الداخلية بالصراعات الخارجية”، حيث الإسلاميون يحيدون عن غايتهم في مواجهة السلطات كمصدر للظلم الاجتماعي إلى مواجهتها على أنها قواعد محلية للإمبريالية الخارجية، والعلمانيون يتحالفون مع القوى الاستعمارية لتوطيد استبدادهم. ومع ذلك فإنه يورد بلسان الجماعة، التي تضم الأطراف الصراعية الثلاثة التي بدأ معها المقال والتي اختصرها تلقائيا إلى طرفين، عبارة: “مدعمين كلاً منا بحليف خارجي”، مع أنه على امتداد المقال يبرئ الإسلاميين (في مواجهة العلمانيين أو العلمانويين) من الارتباط بأي طرف خارجي.

أعتذر مسبقا أني سأتتبع تكرار برهان غليون ومراوحته في نفس النقطة، لأبيّن إخلاصه الإيديولوجي في صراعه مع العلمانية.

ففي تحديده لمسؤولية الطرفين عن سقوطنا “بشكل أكبر في التبعية والالتحاق بالقوى الأجنبية وتعزيز نظم العسف والاستبداد معاً”، يجد أن مسؤولية الإسلاميين تقتصر على “تبني استراتيجيات خاطئة وغير ناجعة في مقاومة الظلم والاستلاب” بحيث “لم نرَ في [هذه] المقاومة احتجاجاً على الظلم والعسف والطغيان، ولكن نبذ القوى والأفكار والمواقع الأجنبية”، في مقابل أننا “لم نرَ في الحفاظ على النظم الحديثة العلمانوية سوى سياسات الأمن والقمع وقتل الحريات، التي ليس لها نتيجة أخرى سوى تعزيز قبضة الممسكين بالسلطة على ثروة البلاد والمجتمعات ومواردهما”.

إن كنا نوافق الكاتب على أن معظم النظم السياسية العربية الحاكمة الآن قائمة على سياسات القمع وقتل الحريات والاستئثار بالسلطة وبثروات البلاد، فإننا لا نوافقه وجهة نظره وتقييمه لتيارات الإسلام السياسي، ولا على استخدامه مفردة “الحفاظ”، التي يمكن أن تتطلب وجوب إسقاط هذه النظم بصفتها حديثة وعلمانوية وليس بصفتها مستبدة.

سيختم غليون مقاله مكررا مفاضلته بين طرفين اجتماعيين زئبقيين، كما لاحظنا، في اجتهاد حثيث لعدم إظهار موقعه الإيديولوجي (السياسي)، فيقول “وها هي مجتمعاتنا تتمزق بين أقليات اجتماعية تعتقد أنها لا تستطيع منذ الآن الاحتفاظ بوجودها والدفاع عن مصالحها وحقوقها الإنسانية وحرياتها إلا بالتعامل والتفاهم مع القوى الأجنبية ضد شعوبها، وجماهير مجروحة ومقهورة لا تجد في مواجهتها للنخب الحاكمة وحلفائها من وسيلة سوى بعث العصبية الدينية أو الإثنية أو الطائفية أو القبلية في غمار مقاومة لا يمكن أن ينجم عنها شيء سوى تقويض أسس أي حياة وطنية” (التشديد منا).

إن ظهور طروحات الدولة الإسلامية وانتظام دعاتها ضمن تيارات وأحزاب سياسية كان قد رافق منذ البداية تشكل الدول العربية المعاصرة، وسبقها في بعض البلدان. ولم يرتبط ظهور الرؤى الإسلامية السياسية بقيام سلطات “علمانوية” مستبدة، ليقود أصحاب هذه الرؤى احتجاجات الجماهير على الظلم والطغيان في هيئة تيارات إسلامية.

في مقابل المنبت الجماهيري والمسعى التحرري للحراك الإسلاموي، يرى غليون، في إحدى فقرات كتابه “المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات” التي يوردها في مقاله الردي، أن العلمانية “لم تنبت هنا [عربيا] من الصراع الاجتماعي الداخلي ولم تنشأ إذن نتيجة لتفكك وتحلل القيم التقليدية الموروثة وزوال فعاليتها في الممارسة اليومية والجماعية، ولكنها نشأت عن طريق التبني من قبل نخبة محدودة العدد، وغالبا معزولة عن الشعب”. لا يخطئ كاتبنا هنا في المنشأ النخبوي للعلمانية، لكن هذا الأمر ليس مأخذا عليها أو انتقاصا لها ولأهميتها في مجتمعاتنا، حالها بذلك حال كل الفكر الحداثي، فالديمقراطية لا تقل نخبوية عن العلمانية، (إلا إذا كان فهم جماعة الإخوان المسلمين للديمقراطية يحررها من نخبويتها) وكذلك الاشتراكية الإنسانية التي تغنى بها غليون، بل حتى مقولة الدولة/الأمة، التي كرر ذكرها على امتداد مقاله في “الأوان”، ليست نتيجة “لتفكك وتحلل القيم التقليدية الموروثة” ما قبل الدولة، بل هي صنيعة نخبة أقلية، لا تقل عزلة عن الشعب عن النخبة العلمانية أو أي نخبة أخرى عدا النخبة الدينية (يستحق موضوع مواجهة نتاج النخبة بقبول الجمهور أو الشعب مقالا منفردا).

إن كانت النخبوية والعزلة عن الشعب سمات منبت العلمانية، فإن غليون يبحث عن عوامل إضافية لمعرفة مآلاتها التاريخية، فيتساءل: “ما الذي وضع العلمانية العربية، والسورية منها بشكل خاص، في هذا المأزق الذي جعل منها رديف الديكتاتورية ونقيض قيم الثورة السياسية التحررية الحديثة برمتها، وفي المكان الأول حرية الاعتقاد التي تعني تحريم فرض اعتقادات بالقوة على أي إنسان، أو منعه من التعبير عنها؟”. سأعترف بعجزي عن معرفة “من” هي هذه العلمانية، هل المقصود بها النظام السياسي السوري؟ أم أن القصد هو مقولة العلمانية وطروحاتها بشكل عام غير موقعن أو محدد؟

جواب غليون عن تساؤله لن يفيدنا بمعرفة ماهية الجهة التي يتحدث عنها، بل سنعرف أن “تحوّل العلمانية إلى إيديولوجية” أي “عقيدة فئة من الفئات الاجتماعية” هو شق الإجابة الأول عن تحول العلمانية إلى “رديف الديكتاتورية”، ويتممه الشق الثاني بتعارض مصالح الفئة العلمانية مع “مصالح التحرر والانعتاق العام للمجتمع”. غير مقنع هذا الجواب إطلاقا، فتحوّل العلمانية إلى أيديولوجية جماعة سياسية (هو يسميها عنوة فئة اجتماعية!!) في صراعها السياسي لا يشكل مأخذا على العلمانية ولا على هذه الجماعة. إذ من الطبيعي أن تتطبع مقولة ما إذا كانت محور صراع اجتماعي أو ثقافي أو سياسي بطابع إيديولوجي، مع التأكيد أن الأدلجة تثقل المقولة وتحد من رشاقة حركتها، فتعود عليها بضيق الانتشار وليس بجعلها “رديف الديكتاتورية”. بل حتى في تحول العلمانية سوريّاً “إلى دين جديد” لا يجعل منها “نقيض قيم الثورة السياسية التحررية الحديثة برمتها”، ولا غرو أن تتبدى مقولة ما جراء إيمان أصحابها بها دينا عند بعضهم، فإن كان هذا عيبا فكريا إلا إنه ليس جريمة استبدادية، خاصة وأن برهان غليون لا يخفي غيرته على الاعتقاد الديني، بل يجعله قوام علمانيته “الإنسانية”، فكان الأحرى به أن يقر لهؤلاء المتدينين بالعلمانية، ولو كانت بمثابة “دين جديد”، ما يقره لمتدينين غيرهم. إلا إن حرية الاعتقاد عند غليون تقتصر على الاعتقاد الديني فقط، وإلا ما كان كال كل هذه الاتهامات لآخرين يعتقدون بغير ما يعتقد؛ فحرية الاعتقاد عنده محكومة بالاصطفاف السياسي ليس إلا: فبقدر ما تكون معترضا على السلطة السورية، بل للدقة بقدر غضب السلطات الأمنية السورية منك تحظى بمقدار أكبر من حقك بحرية الاعتقاد في مرجعية برهان غليون. بل أجازف بالقول إن الحسبة السياسية عند غليون تجعله يعتبر كل معارض للطرح الإسلامي “الإخواني” هو داعم للسلطة السورية، وبالتالي فإنه غير مشمول بحرية الاعتقاد.

لهذا لن نتفاجأ بأحكام غليون التعسفية التي يوردها في ختام فقرته التي نحن بصددها، والتي يمكن أن نستدل منها أيضا على أن بعض المقصودين في غزوة غليون هم من النخبة السورية، إذ يقول: “وهذا هو الذي يفسر أن أحدا من رموز هذه العلمانوية، الذين استشهد بهم وائل سواح، لم ينخرط في أي معركة من معارك الحرية، لا الفكرية ولا السياسية، بل إن معظمهم قد وجد في نقد حركة ربيع دمشق فرصة للتعبير عن رفضه لهذه الحرية ومقته لها. وبعض من جذبته الحركة قليلا قصر جهده على الدعوة إلى ليبرالية فجة تستنجد بالقوى الأجنبية وتدعو إلى تعليق الآمال جميعا عليها”.

لا أعتبر نفسي مقصودا بأي من هاتين التهمتين، لكني أجزم أن غليون عاجز عن إيراد مثال واحد على تهمتيه. فكل ما يريده هو النيل من هذا التيار العلماني: “ومن الواضح من مقال وائل سواح وزملائه إلى أي حد تعكس إشكالية العلمانية والإسلامية لديهم الصراع بين العلم، المنظور إليه كرديف للعقل، والدين، رديف الجهل والرؤية الخرافية”. يقول هذا من دون أن يدلنا على وسيلة جديدة تمكّننا من تفسير قوانين الطبيعة والمجتمع وسلوك الأفراد. إذ مازلنا مقتنعين أن التفسير الديني لمثل هذه المواضيع سيكون محكوما بالجهل وإعمال الخرافة.

مازال يمكننا استحضار الشواهد التي تثبت أن دافع غليون لكتابة مقاله ليس قراءة أو تبيان حال العلمانية في سوريا، بل كان محكوما برد فعل على تناول وائل السواح له. لهذا حالت صياغة المقال دون تمكننا من معرفة وثيقة بالجهة أو “الفئة الاجتماعية” التي شن عليها غزوته. فحينا يكون المقصود أصحاب العلمانية السورية “الزائفة” بالمطلق و”الداعمة للاستبداد”، بحيث يمكننا الاستنتاج أن هذه المجموعة تضم الأحزاب والتيارات الشيوعية والاشتراكية والقومية، أي قوى وجمهور اليسار عموما، وحينا هم “جماعة” وائل السواح، الذين لم يحددهم لنا، وحينا آخر هي السلطة البعثية التي استبدت علمانيا (أو أقلويا)، وحينا مفكرين علمانيين سمى بعضهم كجورج طرابيشي وأضمر، لسبب ما، اسم آخرين كعزيز العظمة وصادق جلال العظم؛ بل ليس لها أي محددات سوى كونها واقعة جغرافيا في سوريا، وممددة على امتداد تاريخها الحديث، فحينا تكون راهنة وحينا تكون سابقة، وأحيانا ليس لها حملة محددون. لكن الأهم والأخطر من ذلك أن كل هؤلاء جميعا، مجتمعين أو متفرقين، يعتبر برهان غليون أنهم يعتبرون العلمانية “هدفا في ذاتها، لا يهم إذا ما ارتبط تحقيقها بضمان حرية الأفراد أو عبوديتهم، ولا إذا كان على حساب المساواة أو التمييز في ما بينهم. فصل الدين عن الدولة أو إخراجه منها، هو الغاية الأولى والوحيدة، والتي يبرر تحقيقها أو الوصول إليها جميع الوسائل الأخرى، بما في ذلك أقسى الديكتاتوريات العسكرية” (التشديد منا).

هذا هو حال العلمانية السورية في ذهن غليون، أو في أيديولوجيته. لكنها ليست هي “العلمانية الحقيقية” “الإنسانية” التي يراها هو ويأخذ بها، والتي عرض لنا تصوره عنها بعد أن أشبع العلمانية السورية، مفهوما وواقعا، “تفنيدا” و”نقدا”. فالعلمانية “الحقيقية” التي يعترف بها وبحقها في الوجود هي عبارة عن تحصيل حاصل لدولة يبنيها الشعب العارف والواعي والقادر “على الفعل أو الانجاز من أي نوع كان”، وذلك من دون صراعات ومن دون نخب، فتنزل علينا هذه الدولة بردا ديمقراطيا وسلاما مساواتيا ومحبة عادلة بقدرة الحتمية التاريخية. وبالتالي لا وجود للعلمانية إلا كمبدأ مضمر في الديمقراطية التي جبّتها. والأهم من ذلك أنها لا تحتاج لعلمانيين إطلاقا، بل إن ظهور مثل هؤلاء لا بد أن يقضي عليها، أو يحولها رديفا للديكتاتورية. إضافة إلى كل هذا فإن العلمانية التي يدعو إليها كاتبنا هي علمانية رخوة، بل رخوة جدا. يريد منها عدم مواجهة الدين، لأن الدين جماهيري وهي نخبوية. لكن لا بد من هذه المواجهة لأي علمانية، فالموقف من الدين ومحاولة ضبطه وإقصائه عن المجال العام ركن أساسي في المقولة العلمانية، بل وسبب رئيسي في نشوئها. وهذا ما يحتم على العلمانية أن تتضمن جانبا لادينيا، مع ضرورة التفريق بين هذا الجانب وبين الخطاب والممارسة اللادينيين اللذين يشكلان عبئا على العلمانية، وقد يكونان مقتلا لها.

فهم غليون الخاطئ لمجمل موضوع العلمانية يتبدى أيضا في خلطه بين العلمانية وبين الدولة العلمانية وبين العلمانيين، خاصة من ناحية افتراضه لهم جميعا بأن يكونوا على الحياد. فإن نتفق معه بالمطلق على حيادية الدولة العلمانية تجاه العقائد، وحمايتها لها وضمانها لحرية الاعتقاد والضمير لجميع الأفراد ولكافة جماعات المتّحد الاجتماعي، وأن تكون “قاعدة لإدارة التنافس بينها [العقائد]، وتنظيم طريقة التعبير عن اختلاف كل منها مع غيرها، بما فيها العقائد اللادينية”، إلا أننا نخالفه دعوته “إظهار العلمانية بمظهرها الحقيقي الحيادي”. فالعلمانية ليست محايدة، ولا يمكنها أن تكون كذلك، بل هي طرف في الصراع الثقافي والإيديولوجي والسياسي أيضا. وهي بالتالي بحاجة لعلمانيين منحازين لها، يدعون لها ويناضلون في سبيل إقامة دولة علمانية “محايدة عقائديا، والتي تحترم حريات الجميع وعقائدهم”، على حد تعبير غليون. ويحتاج هؤلاء كيما ينصروا العلمانية، وكما يقول غليون أيضا، إلى “انضمام المؤمنين لمبدئها، وليست ممكنة إطلاقا بعزلهم أو استبعادهم”، وإلى “فتحها على جميع أولئك المؤمنين بحرية الرأي والضمير، مهما كانت عقائدهم وفلسفاتهم الشخصية”، مع ضرورة قبولهم بتحييد الدين عن الاشتغال في المجال العام.


——————————————————————————–

· – النص مأخوذ بحرفيته العامية والشفوية من موقع “الجزيرة نت” على الرابط التالي:

http://aljazeera.net/NR/exeres/4BF0AE27-F5A8-4DEF-9F37-F673D5A7E065.htm
·· – برهان غليون: “الاختيار الديمقراطي في سوريا”، إعداد وحوار لؤي حسين، الناشر: دار بترا (دمشق) ودار الفرات (بيروت) 2003.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق