فصل من فصول تاريخ الصراع على المنطقة / حازم صاغية

 

كلّما قرأت دعاية حلويّات الحلاّب الطرابلسيّة عن نفسها، وهي أنّ نشأتها ترجع إلى 1881، تذكّرت العام 1882. ففي هذا الأخير، وعملاً باتّفاق المؤرّخين، توجّه الاستعمار إلى بلادنا وولدت الظاهرة الاستعماريّة. ذاك أنّ الانكليز دخلوا مصر عامذاك كي يقمعوا التمرّد الذي قاده الضابط المتحمّس أحمد عرابي.

ويُظنّ أنّ الانكليز ما إن عرفوا بالحلاّب، عبر تقارير قناصلهم في السلطنة العثمانيّة، وعبر ما نقله رحّالة ومستشرقون بريطانيّون كلّهم، على ما يبدو، تذوّقوا «زنود الستّ» ووصفوها، حتّى قرّروا مهاجمة مصر. ولمّا كانت السلطنة العثمانيّة «رجلاً مريضاً» مهيض الجناح، بدت الخسائر التي قد تترتّب على غزوة كهذه معقولة ومحتملة. هكذا استخدموا تمرّد عرابي ذريعة، وحزموا أمرهم سالكين الطريق التي سبق لمنافسهم نابوليون بونابرت أن سلكها قبل أقلّ من قرن بقليل. إذ، هو الآخر، ابتدأ بمصر آملاً أن يصل منها إلى سوريّا ولبنان، عبر فلسطين.

لم تكن الموادّ الأوليّة ولا رخص اليد العاملة الحافز إلى ذاك الاستعمار. ذاك أنّ رداءة الحلويات الانكليزيّة، من البودينغ والكاسترد وسواهما، شكّلت ذاك الحافز. وقد نشر الأرشيف البريطانيّ مؤخّراً رسالة كتبها، أواخر 1881، مواطن بريطانيّ ووجّهها إلى حكومته، طالباً فيها أن تشنّ تلك الحملة العسكريّة وأن تقبله، في ما لو شنّتها، كمتطوّع في الجيش الزاحف إلى مصر.

الرسالة تبدأ على النحو التالي: «هل يليق بنا، ونحن بريطانيا العظمى، أن نقول «يا عسل« honey كلّما أردنا أن نتحبّب أو نتغزّل؟ تخيّلوا كم هي سخيفة هذه المخاطبة التي لا يفسّرها إلاّ أنّنا، نحن الانكليز، نعتبر العسل أرقى أنواع الحلوى. وهذا، فضلاً عن كونه بائساً ومضجراً، مهينٌ لنا«.

ولا تلبث الرسالة أن تنحو منحى دراميّاً غاضباً فتقول: «كان للتوابل، ذات مرّة، أن ساقت أجدادنا وآباءنا إلى الشرق الأقصى، فلماذا لا تدفعنا هذه الحلوى المعروفة بـ»زنود الستّ» إلى الشرق الأوسط القريب؟. أليس عاراً علينا القعود عن طلب تلك الجنّة الأرضيّة؟«.

ويمعن كاتب الرسالة في وصف زنود الستّ، بادئاً باسمها الذي يقارنه بـ»الأسماء المملّة، العديمة الخيال، التي نعطيها لحلوياتنا». ويتبدّى صاحبنا على درجة من الثقافة حين يقول: «حلوياتنا، في الحقيقة، بيوريتانيّة، خجولة بذاتها، كما لو أنّ جلالة الملكة فيكتوريا هي التي طبختها بيديها». لكن حسيّة زنود الست، أو «شهوانيّتها»، بحسب تعبيره، هي أكثر ما يستوقفه، فيروح يتحدّث عن طعمها الذي يقول إنّه قرأ عنه في تقرير لأحد القناصل نشرته «التايمز» اللندنيّة: «تخيّلوا، يا سادتي، أنّ زنود الستّ تقوم على مزج مدهش بين رقائق العجينة المقليّة بالسمن الحمويّ وبين القشدة التي هي أكثر حلاوة من فاكهة القشدة، والتي لا يساورني شكّ في أنّ الفاكهة هي التي سُمّيت تيمّناً بها». ويزيد: «هل تتخيّلون ما الذي يفعله هؤلاء الشرقيّون المدهشون؟ إنّ هذا الاندماج يجعل طعمين وملمسين يتقاطعان في لقمة صغيرة واحدة: طعماً قويّاً على قدر طفيف من الخشونة واللسع، وطعماً يسكّن غضب الروح ويكاد يذوب في الفم بمجرّد أن يتلقّفه اللسان. يا له من تناقض لا يوجد إلاّ في الخرافة». وهو يترك لرسالته هامشاً في أسفلها، حيث يعدّ الكنافة والفراكة والبقلاوة والبرما والعثمليّة والبلّوريّة وحلاوة الجبن وحلاوة الرزّ وسواها، مضيفاً: «يكفي أن تعرفوا أنّ الكنافة، مثلاً لا حصراً، نوعان، واحد بالجبن والآخر بالقشدة«.

ويبدو أنّ الرسالة بدأت تفعل فعلها مع تسرّب مضمونها إلى «الجمعيّة الملكيّة» التي عُرفت، منذ تأسيسها في القرن السابع عشر، باهتماماتها العلميّة. فمن موقع اهتمامها بتشريح زنود الستّ، جعلت تشكّل نوعاً من «اللوبي» المبكر للضغط على السياسيّين. وفعلاً راحت النخبة السياسيّة في بريطانيا تتداول الرسالة، حتّى أنّ مجلس العموم عقد جلسة تصارع فيها الحزبان حول الحملة على مصر وقياس الأكلاف بالجدوى. فلما اشتدّت حملة النوّاب الليبراليّين عليها، وزّع عليهم النوّاب المحافظون، المتحمّسون للحملة، بعض حلويات الحلاّب، لا سيّما ما حصلوا عليه من زنود الستّ. وفي الجلسة التالية، تراجعت معارضة الليبراليّين وكان أن سكّ أحد نوّابهم عبارة صارت تعريفاً صالحاً للاستعمار: فهو «الطريق الأقصر إلى زنود الستّ«.

وهكذا انطلقت الحملة، وببساطة تغلّب الجنود البريطانيّون على أحمد عرابي وقوّاته القليلة التنظيم. لكنّهم، ما إن استقرّوا في مصر، حتّى بدأوا يسمعون عن أهل الساحل في لبنان وسوريّا أنهم يحفرون المتاريس ويسيّرون تظاهرات جماهيريّة صاخبة يرفعون فيها شعارات عن الكرامة من نوع: «زنود الستّ خط أحمر» و»بالروح، بالدم… نفديك يا زنود الستّ» وأنّ الانكليز يعدّون لـ»حملة صليبيّة أخرى عنوانها، هذه المرّة، زنود الستّ». وقد توصّل الإنكليز، عبر أجهزة استخباراتهم، إلى جمع معلومات متفاوتة القيمة، منها مثلاً أنّ شبّاناً من المشرق العربيّ يتطوّعون في فرق انتحاريّة، وأنّهم يزمعون تفجير أنفسهم في البريطانيّين. كذلك عرفوا أنّ بعض العائلات ألبست أطفالها أثواباً بيضاء مخصّصة لمن ينتقلون إلى الجنّة، وأنّها أسمتهم «شهداء أحياء» و»شهداء مؤجّلين». أمّا المثقّفون والمتعلّمون بينهم فليسوا أفضل حالاً، إذ يقولون عن ولعنا بحلوياتهم أنّه استشراق، وهي عندهم كلمة مرذولة جدّاً. ورغم أنّ عائلة الحلاّب أوصلت سرّاً إلى البريطانيّين عدم معارضتها حملتهم، لا بل أبلغتهم بتعاطفها مع الحملة، لأنّ كلّ ما يهمّها تنشيط حركة البيع والشراء، فإنّها، كما أضافت المعلومات الاستخباريّة، أبدت عجزها عن التصدّي العلنيّ للحركة الشعبيّة الهائجة والعريضة.

ومن حصيلة هذه المعلومات والتقديرات، استنتج البريطانيّون أنّ شعوب الشرق الأدنى لا تملك شيئاً من الخفّة، وأنّها سريعاً ما تطرح على الطاولة مسائل التاريخ والحياة والموت.

وعلى هذا النحو استنتج القادة العسكريّون البريطانيّون في مصر، بعد مداولات مع حكومتهم في لندن، أمرين مترابطين في ما بينهما:

الأوّل، أنّ التقدّم، عبر فلسطين، إلى سوريّا ولبنان، سيكون مكلفاً جدّاً على الصعيد الانسانيّ. «فهؤلاء الأقوام يحبّون الموت أكثر ممّا يحبّون الحياة، ويبدو أنّهم يتشوّقون للقائنا كي نوفّر لهم هذه الذريعة»، كما صرّح أحد قادة الحملة لصحافيّ بريطانيّ أنهى مقالته بالسؤال: هل يعقل أن يكون هؤلاء هم أنفسهم الذين يصنعون زنود الستّ، أم أنّهم يصنعونها ولا يأكلونها؟

والثاني، أنّهم لن يعثروا في حملتهم على شركاء محليّين: «فالمتعلّمون الذين نتوقّع منهم التفهّم والانفتاح ليسوا معنا (…) وحتّى آل الحلاّب، المستفيدون المباشرون من عمل كهذا، لن يتجرّأوا على إعلان التأييد لنا»، على ما أضاف القائد نفسه.

لكنْ قبل اتّخاذ القرار الأخير، طرح أحد الجنرالات فكرة تبنّتها القيادة العسكريّة في القاهرة وبعثت بها، على شكل مذكّرة، الى الحكومة في لندن طالبةً رأيها. ومفاد الفكرة ضرورة العمل السلميّ على خطّين لبلوغ الهدف المرجوّ: من جهة، الطلب إلى السلطات العثمانيّة تسهيل عمليّات النقل البرّيّ والبحريّ لحلويّات الحلاّب، والتمنّي عليها ألاّ تعرّضها لمدد طويلة من الفحوص المختبريّة بما قد يسيء إلى جودتها، مع محاولة إغراء إسطنبول بتسهيلات تتعلّق بمرور السفن والبواخر المتّجهة من السلطنة وإليها في قناة السويس. ومن جهة أخرى، ربط منح التأشيرة لطالب السفر من لبنان وسوريّا إلى مصر بنقل كيلوغرام واحد من زنود الستّ تُسلّم، لحظة الوصول، إلى دائرة الجمارك. ولمّا كان المثقّفون الأحرار يومذاك، من أمثال يعقوب صرّوف وشبلي الشميّل وفرح أنطون، يسعون إلى الهجرة إلى مصر والتمتّع بحريّاتها، ولمّا كانت أعدادهم كبيرة نسبيّاً، بات في وسع منقولاتهم أن تسدّ بعض الفراغ الاستراتيجيّ وأن توفّر للقيادة العسكريّة تمتّعها بزنود الستّ. هكذا نشأت في الأدبيّات السياسيّة المعادلة التي باتت تُعرف بـ «الحريّة مقابل زنود الستّ«.

بيد أنّ جواب الحكومة البريطانيّة على المذكّرة جاء سلبيّاً وغاضباً: فقد ورد فيها أنّ «تجربتنا» مع هذه «الأقوام» تبرهن لنا أنّ زنود الستّ لا تملك الفعاليّة المرجوّة على صعيد تحسين الطباع والأخلاق: «والبرهان الذي لا يُدحض أنّهم شعوب زنود الستّ، وهم الذين يأكلونها، أو هذا ما يُفترض أن يكون، ومع ذلك، انظروا ما الذي نراه منهم؟«.

هكذا طوي أمر الحملة البريطانيّة على سوريّا ولبنان، وقُرّر، في 1898، التوجّه إلى السودان لأهداف سوف تتحدّث عنها وثائق أخرى يُفترض أن يفرج عنها الأرشيف الحكوميّ البريطانيّ عمّا قريب.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 17/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق