فضائيات أكثر… أخبار أقلّ

ما زلت أذكر عندما تعرّفنا على الأطباق اللاقطة للبثّ الفضائيّ كيف أقمنا الدنيا ولم نقعدها ربّما حتّى الآن وخصوصا نحن المشتغلين في قطاع الإعلام من صحفيين ومذيعين ومخرجين….

ما زلت أذكر كيف غمرتنا الحماسة وكيف أصابتنا ما يمكن تسميتها لوثة حرية الإعلام والفضاء المفتوح وكيف قرّرنا ـ وبثقة قريبة من المطلق ـ أنّ عهود التعتيم الإعلاميّ وسيطرة الحكومات المستبدّة على الإعلام وتسلّطها على حرّية تداول المعلومات والأخبار قد انتهت إلى غير رجعة.

اليوم ما زلنا نُشعل النقاشات الشامتة بالحكومات ورقاباتها إن كان في منازلنا مع ضيوفنا أياً كان اختصاصهم أو مع البقّال أو الحلاّق أو مع زملائنا في المقاهي وما زلنا نؤكّد وبكلّ ثقة وببهجة غالباً أنّ الطوق الإعلاميّ والمعلوماتيّ زائل لا محالة في دول العالم الثالث وخصوصا دولنا العربية التي تسيطر فيها الأنظمة على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها بما فيها أمزجتنا وأوضاعنا النفسية…. بقبضة من حديد.

ما زلنا على تفاؤلنا وبهجتنا الشامتة بانتهاء هذه الحقب السوداء وانفتاح مجتمعاتنا على المستويين الشعبيّ والنخبويّ على فضاءات لا متناهية من الأخبار والمعلومات والمعرفة، المعرفة بما يحدث في العالم من تطوّرات وتغيّرات، المعرفة بالجديد وحتى القديم من الأفكار والتجارب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ….. وغيرها ممّا خبرته الشعوب الأخرى التي تجاوزتنا بأشواط في تجاربها الحضارية.

حوالي عقدين من الزمن مرّا على أوّل لقاء لنا بهذه التقنية الساحرة، ولم نسأل أنفسنا بعد ولن نسأل أنفسنا فيما يبدو أين نحن مما كنا نُمَني أنفسنا به قبل عشرين عام معيدين الكرّة مرّة أخرى عندما دخلت الإنترنت عوالمنا وأصبحت بمتناول أيّ كان تقريبا.ً

ربّما لم نطرح مثل هذا السؤال على ذواتنا ليس لبساطة وبداهة تساؤل كهذا وبداهة الإجابة عليه، وكذلك لا أظنّ أنّ السبب هو عدم القدرة على البحث والتمحيص عن إجابات له إذ أنّ الإجابة أو عنوان الإجابة العريض ظاهر يطفو على السطح تكفي نظرة فاحصة سريعة لوضع الأعلام الناطق باللغة العربية لاستبيانه.

أغلب الظن أننا نراوغ ونوارب في التطرّق إلى مثل سؤال كهذا من باب الخشية، خشية خيبة الأمل واندثار الأحلام أو أن تذروها الريح، أن نكتشف وبسرعة وبدون كثير عناء أننا لم نتقدّم قيد أنملة في مجال حرية الإعلام أو حرّية تبادل المعلومات، وأنّ قدرتنا على استقبال بثّ المحطّات الفضائية وكذلك قدرتنا على بثّ الإرسال التلفزيونيّ عبر الأقمار الاصطناعية، وأيضا قدرتنا على إنشاء وامتلاك مئات ومئات الفضائيات (479 فضائية عربية) بكلّ اختصاصاتها لم يؤثّر إيجابا كما تنبّأنا قاطعين جازمين في البدايات الأولى لانتشار لواقط البثّ الفضائيّ، فنحن نبدو أمام هذا السؤال كالعاشق الذي يخشى أن يكتشف الخيانة القاتلة التي ارتكبها معشوقه بحقّه، فلا يجد له مهرباًَ إلا الإنكار والتعامي عن الحقيقة السوداء.

فبينما نعيش ما يدعوه البعض إرهاصات ثورة “الإنفوميديا” التي يعتبر آخرون أننا باشرنا بخوض غمارها نجد أنفسنا أكثر جهلاً بما يحدث حولنا، وأقل قدرة على الإطلاع بمجريات الأحداث في العالم عموما والعالم العربي خصوصاً ـ على الأقل بالنسبة للناطقين بالعربية ـ ونمتلك نوافذ أضيق على العالم، رغم العدد الهائل من الفضائيات العربية ورغم وجود نسبة لا بأس بها من هذه الفضائيات متخصّصة بالأخبار والتغطيات الإخبارية… وغيرها مختصّ بالبرامج الوثائقية وغيرها مختصّ بالاقتصاد…إلخ

ولعل في طريقة تغطية الإعلام الفضائيّ العربيّ لما حدث في الحرب الأولى التي شنّتها قوّات التحالف على العراق، وهنا نضيف إلى التقصير أو تغييب الكثير من الحقائق، نقل الأخبار والصور الكاذبة عن ما يحدث حقيقة مثال واضح لفشل الإعلام العربي1

ونقترح مثالا آخر أكثر قربا زمنيا لهذا التقصير منذ بدايات البثّ الفضائيّ العربيّ وهو الموضوع الفلسطينيّ ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر ما اصطلح على تسميته الانتفاضة أو انتفاضة الأقصى، وكيف أنّ الفضائيات العربية توقّفت فجأة في لحظة معيّنة عن بثّ الصور للقصف والدمار وصور الشهداء الذي كانوا يسقطون يوميا رغم غياب صورهم عن شاشات التلفزة، هذا ما أكّده شهود عيان من الجرحى الفلسطينيين الذي استقبلهم مشفى الهلال الأحمر في دمشق، حيث شاءت الصدف أن يتواجد هؤلاء الجرحى في الوقت الذي توقّفت فيه وسائل الإعلام العربية وخصوصا التلفزات العربية عن نقل أخبار ما يحدث في جنين وغيرها من المناطق الفلسطينية بالصورة لتكتفي بإشارات سريعة إلى الأحداث وعدد الضحايا عبر ما يسمّى الشريط الإخباريّ، لتبدو الصورة للجمهور العربيّ وكأنّ عمليات القتل والتدمير المبرمجة قد توقّفت أو كادت في المناطق التي كان يستهدفها الجيش الإسرائيليّ رغم أنّ شهود العيان من الجرحى الفلسطينيين أكّدوا وبشكل قاطع أنّ القصف وعمليات القتل والتنكيل وتدمير البيوت كانت أكثر وحشية في الوقت الذي كانت فيه صور ما يحدث هناك أقلّ حضوراً بكثير على الشاشات الفضية مما هي عليه اليوم مثلا.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ما ذكرناه آنفا يبقى دائما على سبيل المثال، لأنّ التقصير الإعلاميّ المقصود لم يبدأ منذ تلك اللحظة فيما يخصّ الموضوع الفلسطينيّ أو غيره ولم يقتصر على تلك الفترة أيضاً.

وفي عودة إلى أسخن مناطق التوتّر العربية التي تستمدّ سخونتها من حرارة البيت الأبيض المرتفعة بشدّة استقبالاً لقاطنه الجديد، واقصد العراق مرّة أخرى سنرى عند المقارنة بين روايات الإعلام  لما يحدث على الأرض العراقية وروايات شهود العيان من العراقيين النازحين عن بلدهم، أنّ هناك تلاعباً كبيراً بالحقائق وتغييب أو تقزيم لحجم الأزمة التي يعيشها العراقيون في ظلّ الاحتلال الأمريكي، ودائماً حسب رواية شهود العيان والتي ستقارب الواقع أكثر في حال أخذنا بعين الاعتبار عدد النازحين العراقيين في دول اللجوء واستمرار تدفّق نازحين جدد إلى بلدان الجوار بالإضافة إلى الأرقام التي تشير إلى مقتل مليون عراقيّ منذ بداية الحرب.

لكنّ أوضح صور الفشل الإعلاميّ العربيّ أو لنقل قصور الإعلام العربيّ وعدم قدرته على تقديم المعرفة بمعناها الحرفيّ الأضيق أي التعريف بالأشياء يتجلّى في الغياب شبه التامّ لما انطلق ليظهر على السطح منذ شهور قليلة تحت اسم الأزمة المالية العالمية وانعكاساتها على الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط، حيث لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال فهم ما حدث وأسبابه وما يحدث الآن ناهيك عمّا سيحدث في العالم اللهم إلا العناوين العريضة والعريضة جداً التي لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن تنتج صورة واضحة أو فهما حقيقيّا للأزمة ومقدّماتها وتداعياتها الحالية وبالتالي الوصول إلى استشراف ولو ساذج وغير دقيق وغير واضح وطبعا بعيد عن التخصص حتى مثل هذا المستوى من المعرفة لا يمكن لأيّ ناطق باللغة العربية ادعاؤه فيما يخصّ الأزمة المالية والتي تربط بالنهاية بأكثر ما هو ضروريّ لهذا المواطن أي فرصة العمل ولقمة العيش، فمصادره (الفضائيات العربية بالدرجة الأولى كون المواطن العربيّ لا يعتمد القراءة كمصدر لمعلومات لأنّ الأمية متفشّية في السواد الأعظم) لم تقدّم حتى الآن الحدّ الأدنى من المعلومات بحيث يمكننا نحن الجمهور العربيّ ادّعاء فهمنا لهذه الأزمة المالية، فما يتمّ بثّه من عناوين وأخبار سريعة ومبسطة مثل: تعابير من نوع مشكلة الرهن العقاري، الانكماش الاقتصادي والركود الاقتصادي، الفقاعة المالية،  أو العبارات التي تعبّر بشكل أو بآخر عن نتائج الأزمة المالية في دول أخرى من العالم طبعاً مثل: التوقّعات بارتفاع عدد الفقراء في العالم 45 مليون في العام 2009 أو ازدياد الهجرة غير الشرعية بنسبة من 20 إلى 30 بالمائة، وغيرها من الأخبار عن المؤتمرات وتحرّكات الدبلوماسيين والاقتصاديين وقراراتهم (لمعالجة الأزمة المالية!!) لا تقدّم لنا من المعرفة ما يجعلنا ندّعي معرفتنا ولو السطحية بما ينشغل به العالم بأسره في هذه الفترة الحرجة فيما يبدو… والأنكى من كلّ هذا أننا نادراً ما نشاهد خبراً أو تقريراً إخبارياً عمّا يحدث في منطقتنا نحن بالذات وخصوصا دول ما يسمّى بلاد الشام وكأنّنا بمنأى عن العالم وكأنّنا لسنا جزءاً منه ـ ربما نحن كذلك بمعية أنظمتنا الحاكمة!! ـ

بالعموم بمتابعتنا لتغطيات الفضائيات العربية للأزمة المالية نجد هذه الفضائيات تختزل الأزمة المالية العالمية بأرقام مثل ارتفع أو انخفض مؤشّر بورصة كذا بنسبة كذا وتوقّعات لخسارة كذا فرصة عمل في دولة كذا ورئيس دولة كذا يعلن عن إنشاء صندوق لدعم قطاع كذا بقيمة كذا وهكذا دواليك.

كمّ من المعلومات يتداوله الإعلام العربيّ تشعر بعد جمعه والتأمّل فيه في محاولة لتفسيره وصولاً إلى نتيجة أو نتائج ما، أنّ الفضائيات العربية وصفت الأزمة المالية بعد كثير من الجعجعة والتهويل والعويل بأنّها أزمة مالية، في تطبيق فذ للمثل القائل وصف بعد الجهد الماء بالماء، ولم لا فالماء هو حتماُ ماء، ولمن لم يفهم بعد نقول: الماء هو (H₂O)، إنه لإشراق معرفيّ استثنائيّ لافت حقاً. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This