فظلم ذوي القربى أشد (حوار مع الكاتب خالد السليكي)

 


 

في مقاله المنشورفي موقع الأوان بتاريخ 17/12/2008. وعنوان (حين يتعرى الجسد الأنثوي محجبا ً)، استدرج الكاتب الكريم خالد السليكي من نزهته المعرفية وفسحة حريته، وطيب مزاجه في مكتبة ولودن بوك إلى قتامة المشهد الاجتماعي العام، حيثما وطأت قدماه وحيثما شاهد وسمع بالصدفة أو بالضرورة، تفاصيل حركة الجسد الأنثويّ بدءًا بمنظر المرأة لابسة الحجاب وسروال الجيينز على درج الطابق الثاني من المول حيث كان الكاتب، مرورا ًبما خطر في ذهنه من عبارة مليئة بالحزن والأسى، وردت في رسالة للدكتورة رجاء سلامة تعكس الواقع المأساوي (النتن) للمرأة، وصولا ًإلى المبادرة التي أطلقتها بعض الجهات في البلد التي جعلت من الحجاب دليلا ًعلى العفة، ويبدو أنّ هذه المبادرة هي ما أكرهه على العودة إلى الموضوع (موضوع الحجاب) الذي كلّما حاول فهم معناه (معنى الحجاب) والعفّة يزداد اشمئزازا  ًويصاب بالدوار، وبالتالي فإنّ المسافة التي قطعها الكاتب من المكتبة (حصن العقل) إلى المشهد العام القاتم (تعطيل العقل)، هي المعادل الموضوعيّ للمسافة الفاصلة بين العقل ذاته(حصن الوعي) وبين الدوار الذي أصاب الكاتب(حصن التيه). وهي نفس المسافة التي قطعتها المرأة من عصر المشاعة/ الأمومة(زمن الحرية) إلى أسوار عقد النكاح ( حصن العبودية) المكرّسة على طول هذه المسافة تاريخيا ً بثلاث سلطات استبداد(متراكبة) وقرصنة للحريات والحقوق كافة :
1- السلطة السياسية
2- السلطة الدينية
3- سلطة الذكورة داخل مؤسّسة الزواج البعد التنفيذيّ لعقد النكاح (سلطة الأب والأخ والزوج وغيرهم من أصول وفروع).
فقضية المرأة والحالة هذه هي قضية اجتماعية (اقتصادية سياسية إيديولوجية) داخل منظومة قضايا الحقوق والحريات الاجتماعية المسلوبة بماكينة وآليات عمل(السلطة/ الاستبداد) الذي يرتكز على نهب(الثروة الاجتماعية) وتقويض مقومات الحياة والتطور في مواقع الإنتاجين المادّيّ والتناسليّ اللذين تشكّل المرأة نصف وجودهما.
وبالتالي فالمرأة هنا(كالرجل) ضحية، وهي حينما ظهرت، محجّبة ًصامتة (في الشارع والأسواق)، أو محجّبة ًتدافع عبر أيّ منبر(فضائية مثلا ً) عن معتقدها في الحجاب، أوسعت الكاتب استياء وانفعالا  واختزل معالجة قضيتها المصيرية التاريخية إلى مسألة فردية ذاتية شخصية سلوكية وصفية من خلال ثلاث حركات:
– ارتكز على ظاهرية المشهد العام الذي تشكل المرأة أحد عناصر بؤسه وصبّ جام لومه عليها، (ولم يقل لها ماذا ستفعل) وحمّلها كامل المسؤولية الذاتية(مع إعفاء النساء العامّيات في بعض الحالات) معتبرا ًارتداءها للحجاب نابعا ً من قرار ٍ شخصيّ فرديّ، اتخذته المرأة بملء إرادتها، ناسيا ًالظرف الموضوعيّ بعمقه التاريخيّ، ثقيل وطأة الإكراه الذي يسلب المجتمع والمرأة الإرادة والحرية، وهذا الواقع لم يوفّر الكاتب نفسه، حينما ألقاه هذا الظرف الموضوعيّ القاهر في حالة الاشمئزاز المتزايد ودوامة الدوار الذي يصادر العقل، ويسلبه إمكانية التفكير الحرّ والعمليات العقلية.
– حينما ظهرت البرفيسورة المحجّبة على إحدى القنوات المغربية، ولم ترقْ فيما عبّرت عنه في مسألة الحجاب للكاتب، اقتادها بالنصيحة المتعالية إلى بيت اختصاصها الطبّيّ، ولزومه وعدم ترك الأطفال الصغار في البلد عرضة لفتك الأمراض. وعليها أن تجد لقاحا ً لهم، وحظرها في جغرافية انفعاله واستيائه والحالة الشعورية التي تحكمه. وأنكر عليها حقّها وحريتها  في  المعتقد والتعبير عن رأيها وأفكارها فيما تعتقده كمسلمة، واشترط عليها لممارسة هذا الحقّ، التأهيل المسبق(المهنيّ كالطبيبة والمهندسة وغيرهما، لكي لا تخطئ القول بأنّ الحجاب ثورة ثقافية ومعرفية، وأرادها أن تقف إرضاء لمعتقده ضدّ معتقدها.
– لقد ألصق الكاتب حجاب المرأة بانحطاط الراهن العربيّ الإسلاميّ، وراح يتغنّى بنفس الوقت بالأمجاد الحضارية الإسلامية، مبينا ً أنّ الإسلام من حيث هو ثقافة وتاريخ وإرث وحضارة، ودين، ليس مجرد حجاب. ونحن نسأل الكاتب هنا، من أين أتت إذن نواظم الحياة الاجتماعية والشخصية للمرأة من زواج وطلاق وحجاب وولاية ووصاية وميراث وأهلية؟ هل هي وليدة الراهن العربي الإسلاميّ مقطوعا ًمن شجرة؟ أم أنها جزء حيويّ من السياق التاريخي والبنية الإيديولوجية والتشريعية والعقدية للإسلام بما هو نظام دين ودنيا قد أحكم وضع القواعد التي تتحرك بموجبها المرأة عبر الدارة المجتمعية، في مؤسسات الدولة والمجتمع والعبادات، وبالتالي فحجابها وعفّتها واقتصاد جسدها ككلّ قضاياها محكوم بلائحة هذه القواعد التي أفرغت بدورها في لوائح فرعية من الأعراف والعادات والتقاليد والآداب العامة، وبات لزاما ً على المرأة أن تتحرّك داخل أحد  المسارات ضمن هذه البيئة الاجتماعية المحافظة:
1- المسار الواصل من بيت أبيها إلى بيت زوجها ثم إلى القبر.(أسر كامل)
2- المسار الواصل إلى مفاصل اجتماعية متعددة(عمل، أسواق، أنشطة، مناصب) وتتمتع بحرية حركة الجسد جغرافيا ً، وتنوع الأغطية والألبسة(سافرة، محجبة) لكنها منقوصة الحقوق وتواجه تمييزا ً وحائطا ً مسدودا ً في نهاية المسار(أسر ناقص)، ونقصان الأسر(الحرية الجزئية) هنا مرده أو مردّها يعود إلى التراخي والانفتاح الاجتماعي النسبي من جهة وإلى وعي المرأة وإرادتها ومجهودها(الذاتي المحدود) في التمرد والتخلص التدريجي المتاح من أسرها الذي لن يتحقق التحرر منه كقضية إلا بتحرر المجتمع برمته ونيله حقوقه وحرياته وإزالة كل أشكال الاستبداد والعسف والتمييز والاضطهاد.
فالكاتب الكريم، مع كل نواياه الطيبة، المبثوثة في مقاله، وجديته في حمل لواء القضايا الخاسرة على أكتاف المعرفة العقلانية، فقد ألحق ظلم ذوي قربى القضايا بالمرأة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق