فعنونو يصرخ من زنزانته ضد النفاق السياسي الغربي / سعيد الشهابي

فعنونو يصرخ من زنزانته ضد النفاق السياسي الغربي / سعيد الشهابي

'انني أطلب من اللجنة ازالة اسمي من قائمة المرشحين لهذا العام. انني لا استطيع ان اكون جزءا من قائمة تحتوي على شمعون بيريز، رئيس اسرائيل. انه الرجل الذي يقف وراء كل السياسات الذرية الاسرائيلية… وكل ما أريده هو الحرية، والحرية وحدها'. هذه الكلمات لم تخرج من بين شفتي أحد الفلسطينيين الذين ذاقوا العذاب على ايدي الصهاينة، بل هي كلمات مردخاي فعنونو، الذي أصبح أمله محصورا بالحصول على جواز سفر لمغادرة 'اسرائيل'، ليضمن حريته التي ما فتىء يطالب بها. لقد اصبح يشعر انه يتنقل ما بين الزنزانات الضيقة والسجن الكبير. فما ان يتصل بشخص غير اسرائيلي حتى يعتقل ويودع الزنزانة الضيقة، وما اكثر تردده عليها. وهو الآن يرزح وراء القضبان منذ 26 ايار/مايو الماضي، عندما اصدرت محكمة اسرائيلية حكما بسجنه لسبب تافه، وهو اتصاله بصديقته النرويجية. فوفقا للشروط التي فرضت عليه بعد اطلاق سراحه في 2004، بعد 18 عاما قضاها في السجن، فهو ممنوع من الاتصال بأي شخص 'أجنبي' فان فعل، أعيد الى زنزانته. وعندما سيق الى زنزانته التي يرزح فيها حاليا، كان يصرخ قائلا: 'عار عليك يا إسرائيل … عار عليك يا إعلام، عار عليك ايتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية'.

وقال متحديا قادة الكيان الاسرائيلي: 'انكم لن تستطيعوا ان تحصلوا مني في ثلاثة شهور ما فشلتم في سحبه مني في 18 عاما'. وهذه هي المرة الثانية التي يسجن فيها منذ خروجه من سجنه الاول الطويل الذي قضى أغلبه في زنزانة انفرادية. ففي 2007 اعتقل وصدر حكم بحقه بالسجن ستة شهور بسبب اتصاله بصحافيين وكذلك بصديقته. وبعد استئنافه الحكم، تم تخفيفه الى ثلاثة شهور، واعطي فرصة الاختيار بين ان يقوم بخدمة اجتماعية بدلا من السجن. ولكنه رفض الخدمة الا في القسم العربي بالقدس الشرقية، فرفضت المحكمة وادخل السجن. لقد كان مشهد اعتقاله مجددا يعكس امورا عديدة: اولها انه لم ينكسر برغم الضغوط التي قلما يتعرض الآخرون لمثلها، ومن بينها الاعتقال في زنزانة انفرادية لمدة 11 عاما. ثانيها ان الرجل ليس نادما على ما فعل، بل يعتقد انه خدم ضميره وانسانيته وادى واجبه عندما أماط اللثام عن مشروع تدميري واسع في صحراء النقب. ثالثها: انه ما يزال يتحدى سجانيه، برغم ما يشاهده من خذلان من الجهات التي كان يعول عليها. فلم يعرف عن الدول الغربية ان مارست اي ضغط حقيقي على الكيان الاسرائيلي للافراج عنه، او التوقف عن تعريضه للتنكيل المستمر. رابعها: انه ما يزال متشبثا بانسانيته، فعندما خير بين الاعتقال والخدمة المدنية، فضل الخدمة بشرط ان تكون في القدس الشرقية، ليبقى متصلا بالفلسطينيين العرب والمسلمين، وبعيدا عن سجانيه.

ما هي قصة هذا 'الاسرائيلي' المتمرد؟ ولماذا التنكيل به الى هذا الحد؟ ولماذا الاصرار على ذلك في وجه الادانات الدولية العديدة للكيان الاسرائيلي؟ منظمة العفو الدولية اعتبرته 'سجين رأي' لان جرمه الوحيد انه ينتقد المشروع النووي الاسرائيلي، ولم يقم بجناية او جرم. والواضح من خلال صرخاته التي اطلقها وهو يقاد الى السجن مجددا انه يشعر بخيبة الامل من جهات ثلاث: اولها 'اسرائيل' ككيان عاش فيه واعتقد انه يحترم حقوق مستوطنيه. وثانيها الاعلام الدولي الذي تنكر لقضيته، برغم انها لا تخرج عن اطار حرية التعبير التي يفترض ان يدافع الاعلام الحر عنها. فكأن وسائل الاعلام تخلت عن مسؤوليتها بخصوص حماية حرية التعبير والدفاع عمن ليس لهم لسان. اما الجهة الثالثة فهي الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي اعتقد انها سوف تتبنى قضيته وتدافع عنه بعد ان فعل ما فعل، وساعدها في مهمتها، وتجشم الجهد والعناء لكشف الحقيقة. هذه الوكالة يفترض ان تبذل قصارى جهدها للدفاع عنه لانه، في نظره. وقد أثاره صمتها الطويل إذ لم تحرك ساكنا، ولم تقدر التضحية الكبرى التي قام بها وهو يوفر لها معلومات مهمة حول المشروع النووي الاسرائيلي الذي يتنامى في الخفاء، والذي يرفض القائمون عليه الاعتراف بوجوده او الكشف عن اية معلومات علنية بشأنه. ولم تكن تضحية فعنونو قليلة، بل انه قضى الشطر الاهم من حياته في السجن، وتعرض لمعاملة قاسية، وما يزال يدفع ثمن موقفه حتى اليوم. فهو ممنوع من الاتصال حتى بصديقته لانها 'غير اسرائيلية'. فعنونو لم يعد يصدق ما كان يسمعه في شبابه حول 'ارض الميعاد' و 'واحة الديمقراطية'، حتى اضطره الامر لتغيير ديانته اليهودية واعتنق المسيحية. فاذا كان الصمت الدولي ازاء ما جرى له في بداية محنته قد يمكن تبريره بجهل ما حدث له، فما المبرر للصمت بعد ان اصبحت قصته معروفة على نطاق واسع: في ظروفها واهداف ما قام به، واساليب التعاطي الاسرائيلي معه؟ لقد اعتقد فعنونو انه يمارس حقا طبيعيا ضمن ما يسمى 'حرية التعبير' عندما تحدث عن المشروع النووي الاسرائيلي، وظن ان وسائل الاعلام الغربية والوكالة الذرية للطاقة الدولية، سوف يهتمان بقضيته ويطالبان باطلاق سراحه. ولكنه ادرك الآن ان ثمة اطرافا ثلاثة تتفاهم في ما بينها على نطاق يفوق ما يدركه الكثيرون: 'اسرائيل' والاعلام الغربي والوكالة الدولية للطاقة الذرية التي اصبحت، من خلال ما اصبح واضحا بعد عدد من التطورات، اداة ضغط تستغلها الدول الغربية خصوصا الولايات المتحدة الامريكية لتحقيق اهداف سياسية بعيدة عن اهدافها المعلنة.

الجريمة التي ارتكبها فعنونو، في نظر الاسرائيليين، انه كشف اسرار المنشآت النووية الاسرائيلية في صحراء النقب، تلك المنشآت التي ما تزال تثير اللغط حتى اليوم بسبب السرية التي تحاط بها، والرؤوس النووية التي انتجتها على مدى نصف القرن الماضي. كان فعنونو الذي عمل في تلك المنشآت تسعة اعوام (1976-1985) يشعر ان المسار الاسرائيلي في المجال النووي خطير ويجب ايقافه، وانه لا يخدم مصلحة الكيان الاسرائيلي بل يسبب الحروب والتوتر في المنطقة. وبرغم انه كان يعمل برتبة متواضعة (كان فنيا بوحدة نووية، ومدير shift بمركز الابحاث النووية في النقب، الا انه كان متابعا بادراك ووعي لما يجري في مفاعل ديمونا النووي من تصنيع وتخصيب. ويعتقد الخبراء ان 'اسرائيل' بدأت تصنيع السلاح النووي في مطلع الستينات، ولكنها التزمت سياسة 'عدم الاعتراف او الانكار' في ما يتعلق بتلك السياسة. وكان فعنونو قريبا من مجموعة ذات اتجاهات يسارية احتجت ضد تدمير المفاعل النووي العراقي 'اوسيراك' في 1981 خلال الحرب العراقية الايرانية. والواضح من خلال تصرفاته ومواقفه انه كان يعارض السياسات الاسرائيلية خصوصا في مجال التصنيع النووي.

ويبدو ان اتجاهاته السياسية والايديولوجية اصبحت معروفة لدى السلطات الاسرائيلية ففصلته عن العمل بمفاعل ديمونا في 1985، الامر الذي اتاح له الخروج من الاراضي المحتلة. ونظرا لامتعاضه ازاء الممارسات الاسرائيلية فقد اعتنق المسيحية عندما كان في استراليا التي كانت اولى محطاته بعد مغادرته الاراضي المحتلة. وسعى لكشف ما لديه من معلومات حول المشروع النووي الاسرائيلي، حتى جمعته الاقدار مع بيتر هونام، مراسل صحيفة 'صنداي تايمز' اللندنية. ومن هناك اصطحبه الى لندن، وقدم ما لديه معلومات حول المشروع النووي الاسرائيلي للصحيفة، مدعومة بالصور والارقام والحقائق. وبعد ان تحققت الصحيفة من صحة ادعاءاته قامت بنشرها على الصفحة الاولى في 5 تشرين الاول/اكتوبر 1986 تحت عنوان: 'الكشف عن اسرار ترسانة اسرائيل النووية'. ومن خلال المعلومات المتوفرة يتضح ان جهازي الموساد و 'شين بيت' الاسرائيليين علما بما فعله فعنونو قبل ان تكشفه الصحيفة، وقررا اعتقاله بأية وسيلة، ولكن خارج الحدود البريطانية لتفادي الاشكالات الدبلوماسية. وقد استدرجته تشيريل بنتوف، احدى عميلات جهاز الموساد في لندن، التي أسمت نفسها 'سيندي' لعلاقة غرام، وأقنعته بالسفر الى روما لقضاء اجازة. وما ان وصل الى روما حتى اختطفه عملاء الموساد وخدروه ونقلوه الى 'اسرائيل'. وقد اجريت له محاكمة صورية انتهت باصدار حكم بالسجن عليه لمدة 18 عاما قضاها كاملة.

فعنونو، السجين للمرة الثالثة، يحمل في نفسه مرارة كبيرة تجاه الجهات التي كان يتوقع ان تحميه او تدافع عنه. ففي البداية تقدم بطلب اللجوء السياسي لدى النرويج والسويد وايرلندا الشمالية، ولكن الدول الثلاث رفضت طلبه بسبب علاقاتها الحميمة مع الكيان الاسرائيلي. وبعد اعتقاله كان يتوقع ان يحظى بشيء من الاهتمام من صحيفة 'صنداي تايمز' التي خصها بالمعلومات التي لم تتوفر لأية وسيلة اعلامية اخرى قبل كذلك. ولكن ما ان اعتقل حتى اصبح طي النسيان، في ما عدا الفترات التي يصدر فيها بيان من جهة حقوقية او دولية هنا او هناك. ولم تغب عن ذهن فعنونو مرارة الشعور بالخذلان الذي واجهه من قبل الوكالة الذرية للطاقة النووية، التي لم تحرك ساكنا لحمايته او المطالبة باطلاق سراحه. فمن الناحية النظرية يفترض ان تكون مبادرة فعنونو بالكشف عن تفصيلات المنشآت النووية الاسرائيلية ومشروعها النووي مساعدة بالغة للوكالة التي تعنى بالاشراف على توقيع معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية، ان بي تي، والتأكد من التزام الدول بها. فعندما 'تبرع' فعنونو' بالمعلومات المذكورة، كان ذلك كافيا لمتابعة خيوط المشروع خصوصا انه قدم تفصيلات دقيقة اكدها الخبراء النوويون ومنهم مصمم الاسلحة النووية الامريكي سابقا، ثيودور تايلور، والمهندس البريطني فرانك بارنابي. فقد اعطى تفصيلات دقيقة لعملية فصل الليثيوم -6 اللازمة لانتاج التريتيوم الذي يعتبر عنصرا جوهريا لانتاج القنابل التي تعتمد على الاندماج النووي. كما قدم تفصيلا لعمليات تصنيع البلوتونيوم التي قدرها بثلاثين كيلوغراما في العام الواحد، وان 'اسرائيل' تستخدم 4 كيلوغرامات لكل رأس نووي. وبذلك تمكن الخبراء من استنتاج ان 'اسرائيل لديها من البلوتونيوم ما يكفي لصنع 150 رأسا نوويا. هذه المعلومات ضرورية وكافية للضغط على الكيان الاسرائيلي للتوقف عن انتاج السلاح النووي، خصوصا ان كافة المعلومات التي قدمها تؤكد ليس عزمها فحسب على الانتاج، بل امتلاكها ذلك السلاح المرعب. فما الذي منع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من متابعة هذه القضية الخطيرة؟ لماذا لم تتخذ الوكالة، بدعم الدول والجهات المحبة للسلام والرافضة للسلاح النووي، مواقف مسؤولة لتجنيب العالم مخاطر انتشار هذا السلاح الفتاك؟

وثمة ابعاد اخرى لقضية فعنونو. ففي العام 2006 كتب رئيس القسم البريطاني لمنظمة العفو الدولية مقالا قال فيه ان شركة ميكروسوفت سلمت الحكومة الاسرائيلية تفصيلات العنوان الالكتروني لفعنونو على الهوت ميل، بالتمويه مدعية بانه يخضع للتحقيق بتهمة التجسس. حدث ذلك بدون حصول الشركة على امر قضائي يسمح لها بذلك. ولكن برغم التعتيم تواصلت الحملات الدولية الداعمة له والمطالبة باخلاء سبيله. واشار الكثير من هذه المنظمات الى ان الرجل لم يعد يمتلك من المعلومات ما يضيفه، خصوصا ان ما لديه من معلومات يعود الى ما قبل ربع قرن (اي منذ ان أقيل من وظيفته في 1985). فما الذي سيقوله للصحافة الاجنبية او الاشخاص في ما لو تواصل معهم؟ لقد اصبحت قضية فعنونو تحديا للضمير الانساني، خصوصا في ظل الاوضاع الدولية الحالية التي اصبح العالم فيها مهددا بالسلاح النووي من القوى التي تمتلكه، خصوصا 'اسرائيل'. الامر المؤكد ان الصمت الدولي على اختطاف فعنونو من المياه الايطالية، والسماح لـ 'سيندي' بالعمل الاستخباراتي الخطير، بما فيها استدراج فعنونو وتسهيل جريمة اختطافه، كل ذلك يشجع الكيان الاسرائيلي على الاستمرار في سياساته العدوانية وارتكابه الجرائم في المياه الدولية كما فعل مؤخرا عندما اعتدت قواته على 'أسطول الحرية'.

كما ان اعتقال السلطات البولندية احد عملاء الموساد الذين تورطوا في جريمة اغتيال الشهيد الفلسطيني، محمود المبحوح، واحتمال تسليمه للسلطات الاسرائيلية امر يثير الغضب ويدفع للتساؤل عن مدى جدية الدول الغربية في سعيها لاحتواء الارهاب او منع انتشار الاسلحة النووية، او شجب القرصنة والعدوان. لقد كان مشهد مردخاي فعنونو وهو يجر الى السجن الاسرائيلي مجددا، وهو يرفع إشارة النصر، تاريخيا، يعكس امرين: شعور الضحية بحتمية النصر وان كان في وضع صعب ومحاط بظروف معادية، واحساسه بخيبة الامل من عالم يتنكر للحرية ويتخلى عن دعم المظلومين، ويساير الظالمين ويدعمهم. وما التطورات الاخيرة في منطقة الشرق الاوسط الا تأكيد لهذا المنحى. فماذا يعني حماية 'اسرائيل' من الغضب الدولي ورفض شجب ارهابها الذي مارسته ضد قافلة المعونات الانسانية، في مقابل معاقبة ايران التي لم ترتكب فعلا حقيقيا يستحق العقوبة؟ لماذا رفض محاكمة 'اسرائيل' على جرائمها الواقعة التي يراها القاصي والداني، واستهداف ضحاياها باصدار الاحكام بحقهم بسبب 'نواياهم' المفترضة التي لم يتفوهوا بها لأحد ولا يمكن تأكيدها؟ لقد وقف فعنونو موقفا انسانيا بسعيه لكشف السلاح النووي الاسرائيلي، ووقف العالم، ومعه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والاعلام الدولي، موقفا غير مسؤول، يدعم الظالم، ويتنكر للمظلوم، فهل هذا هو العالم الذي نبحث عنه؟

 

عن جريدة القدس العربي 23/6/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق