فلسطين في كتابين بالألمانية: ما الذي حصل؟

ما الذي أدى إلى ما حصل في فلسطين وكيف لنا أن نفهمه ونفسره؟ ربما يقدم كل من عملي ليتيسيا بوكاي “جيل الانتفاضة” وأميرة هاس “غدا سيكون أسوأ” مدخلا جيدا لتقديم إجابة على هذا السؤال.

يمتد عمل بوكاي على فترة زمنية تبدأ من الانتفاضة الأولى حتى الانتفاضة الثانية، عبر سرد لسير شخصية لأفراد مختلفين تقاطعت حوادث حيواتهم الشخصية مع الأحداث التي شكلت تاريخ المجتمع الفلسطيني خلال هذه المدة الزمنية، قصصهم هي في الآن ذاته قصة هذا المجتمع وقصة التغييرات التي أصابته. وما يميز هذه السير هو مباشرتها وإقصاؤها للصورة الزاهية للمناضل، أو للإرهابي لصالح الإنسان الواقعي وتناقضاته وصراعاته التي يخوضها عمليا.

من خلال هذه السير تحاول بوكاي تقديم صورة متكاملة ومرفقة بتحليل اجتماعي مكثف للمجتمع الفلسطيني، بالمقابل فإن كتاب هاس وبقسمه الأعظم –عدا المقدمة والفصلين الأول (الذي يعالج تطور سياسة الإغلاق الإسرائيلية) والأخير- يتشكل من مقالات أسبوعية كتبتها للجريدة الإيطالية “Internazionale”.

هذه المقالات تمتد على فترة زمنية تبدأ من 2001 وتنتهي عام 2006، وهي تبدو بمثابة شهادة شاهد عيان على الأحداث التي تحصل بحكم أن هاس تقيم في رام الله.

في هذه المقالات تصور هاس الواقع الفلسطيني اليومي تحت الاحتلال وملابساته، والمعاناة من سياسة الإغلاق والقصف العشوائي واحتلال المنازل وتدميرها، وتطور المجتمع الفلسطيني والتغييرات التي أصابته خلال سنوات أوسلو والانتفاضة الثانية، إضافة إلى تعليقاتها على المقابلات التي أجرتها مع عدد من قادة حماس ومنهم الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي.

القصص والمشاهد التي تحويها مقالات هاس هي صور بليغة للواقع الفلسطيني، والكتابان سوية يقدمان بهذا الشكل صورة مكثفة للحياة اليومية الفلسطينية على امتداد زمني مهم، صورة لا ينقصها العمق التحليلي.
الانتفاضة الأولى
شكلت المخيمات الفلسطينية (بلاطة وجباليا لعبتا دورا أساسيا) معاقل للانتفاضة التي تولت اللجنة الوطنية الموحدة والمشكّلة من التنظيمات الفلسطينية الأساسية ( فتح والجبهتان والحزب الشيوعي) قيادتها. وقد مارست اللجنة الوطنية هذه القيادة من خلال اللجان الشعبية، في الوقت الذي نأت فيه التنظيمات الإسلامية بنفسها عن اللجنة الوطنية وان شاركت مجموعاتها في فعاليات الانتفاضة.

نجحت الانتفاضة اعتمادا على وحدة المجتمع الفلسطيني، فالطبقات الاجتماعية جميعها امتلكت أسبابا للامتعاض من الاحتلال الإسرائيلي، إن كانت هذه الأسباب تتمثل بالفقر وانعدام الأمل بالنسبة إلى أبناء المخيمات أو الضرائب الباهظة وعوائق الاحتلال بالنسبة إلى الطبقات الوسطى والنخب المدنية.

بعثت الانتفاضة الأولى الأمل في نفوس الفلسطينيين، وإحساسا بقوتهم وقدرتهم على أخذ المبادرة وتحقيق الاستقلال.

إلا أن هذه الحال لم تدم، فهناك اتجاهات أساسية حكمت تطور الانتفاضة، تمثل الأول منها بالسياسة الإسرائيلية في قمع الانتفاضة وخاصة باغتيالات القادة الميدانيين أو إبعادهم مما أدى إلى صعود “الشباب” إلى القيادة وبالتالي تجذير موقف الانتفاضة من ممارسة العنف الذي ازداد، ومعه العنف ضد المتعاونين، مما استدعى في النهاية تدخلا من عرفات من أجل وقفه.

إن الطبقات التي انحدر منها هؤلاء الشباب هي الطبقات الدنيا من المخيمات، والذين امتلكوا للمرة الأولى إحساسا عظيما بقوتهم، وقدرتهم على فرض هيمنتهم وسيادتهم على الشارع الفلسطيني حيث اضطرت الطبقات الوسطى والنخب المدنية التقليدية إلى طلب حمايتهم.

مقابل ازدياد قوة الشباب وتجذر الانتفاضة، أصرت السياسة الإسرائيلية على استخلاص الضرائب وزيادتها مهددة بهذا الطبقات الوسطى، ويضاف إلى ذلك تكاليف سياسة الإضراب المستمرة مما أدى إلى إيجاد هوة بين هذه الطبقات التي اجتمعت في البدء على الانتفاضة، وخاصة أن الشباب نظروا إلى الطبقات الوسطى على أنها بمثابة خصم (أو خائن) محتمل.

التطور الآخر المهم الذي رافق الانتفاضة تمثل في التشدد الأخلاقي (الإسلامي) الذي صاحب هذه الانتفاضة، ولم يقتصر على الإسلاميين بل طال حتى الشيوعيين. إن الصراع ضد الاحتلال الإسرائيلي كان في جانب منه بالنسبة إلى الفلسطينيين صراعا من أجل صيانة المجتمع الفلسطيني وفك ارتباطه بالاحتلال الإسرائيلي، مما تطلب بعثا أخلاقيا وعودة إلى نظام الأخلاق الإسلامي، وبهذا الشكل أصبحت السلوكيات الأخلاقية المنتشرة بين الطبقات الوسطى معيبة ومحاربة، بل أنها أصبحت سلوكا مشبوها يشبه سلوك المتعاونين.

مع المفاوضات والوصول إلى أوسلو انتهت الانتفاضة الأولى بما بدا يشبه النصر للفلسطينيين، إلا أنه نصر نقل إلى المجتمع الفلسطيني القادم مع أوسلو ثأرا اجتماعيا ونزعة أخلاقية متشددة ومرتبطة بالهوية الفلسطينية ذاتها وشبابا قضوا أعمارهم في الحرب دون أن يؤسسوا ما يكفل لهم مستقبلهم.

سنوات أوسلو والطريق إلى الانتفاضة الثانية
كانت العودة بمثابة النصر بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين ابتهجوا برؤية أقربائهم العائدين، إلا أن هذه الفرحة لم تمتلك مقومات الديمومة، وسريعا ما بدأت التناقضات تظهر على السطح، والتي عززها نمط حياة هؤلاء العائدين، الذين دعوا “توانسة” بمعزل عن المكان الذي عادوا منه، فقد بدوا بالنسبة إلى الفلسطينيين بمثابة خونة بسبب من سلوكهم الغربي الفردي وهم في الوقت نفسه نظروا إلى أهل غزة كرجعيين. غزة التي لم يكن فيها غير مطعمين ولم يكن فيها سينما أو نادي، إلا أنه ولخدمة العائدين فُتحت مطاعم وأندية خاصة على الشاطئ تقدم فيها المأكولات الغالية والحفلات الراقصة.

شكل العائدون نخبة جديدة هيمنت على السلطة الوطنية الفلسطينية، إلا أن عرفات ومن أجل تدعيم سيطرته تحالف مع النخبة المدنية التقليدية، التي حظي أبناؤها بمواقع هامة في الوزارات وقيادة فتح.

إن “الشباب” الذين تمتعوا بموقع ممتاز خلال الانتفاضة الأولى قد ضعف موقعهم مع نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية. والمنفذ الذي فُتح أمامهم هو الانتماء إلى الأجهزة الأمنية التي تضخمت بشدة وأسست أجهزة أخرى جديدة، بحكم انعدام أية خبرات أخرى لديهم سوى التعامل مع السلاح، وخاصة أن دور السلطة الفلسطينية الحياتي قد أصبح شديد الأهمية مع اتجاه إسرائيل إلى تقليص حجم اليد العاملة الفلسطينية داخل إسرائيل بشكل حاد، مما زاد عدد العاطلين عن العمل من الفلسطينيين بحدة وخاصة في غزة، في ظل عجز الاقتصاد الفلسطيني عن استيعابهم، وهو الاقتصاد الضعيف تقنيا والعاجز عن المنافسة من ناحية، والمثقل بأعباء الممارسات الإسرائيلية التي تتحكم بمستورداته، وكذلك أعباء سياساتها الأمنية المتمثلة بالجدران العازلة والحدود التي تتكفل بمسؤوليتها شركات أمنية خاصة، ويقع عبء تمويلها على الفلسطينيين بشكل ضرائب للعبور.

أصبح “الشباب” الآن تحت سيطرة رجال النخب التقليدية الذين تصادموا معهم سابقا، وعليهم الخضوع لهم والتحول إلى “رجالهم”، وإلا كان عليهم أن يدفعوا ثمن رفض خضوعهم وهذا ما حصل مثلا مع احمد طابوق ومجموعته من مدينة نابلس.

بالمقابل كانت الأجهزة الأمنية تمثل إشكالا أمام “الشباب” الذين اعتادوا على محاربة إسرائيل والانتظام في مجموعات صغيرة لها نشاطاتها المستقلة، فالأجهزة الأمنية الفلسطينية ارتبطت بعد عملية تحرير مختطف إسرائيلي من قبل حماس بشكل متزايد بمتطلبات الأمن الإسرائيلي، وأيضا خضعت لمتطلبات وشروط مقدمي المال الدوليين وهذا الأمر لم يكن يسيرا على عدد غير قليل من “الشباب”، الذين اعتبروا هذا الوضع بمثابة خيانة.

كذلك فإن شروط الانضباط التي تفترضها الأجهزة الأمنية كانت صعبة على هؤلاء الشباب.

لقد احتل الصراع الطبقي دورا متزايدا خلال سنوات السلطة الوطنية وخاصة بين المدينة وأبناء المخيمات (وكذلك بين الضفة وغزة التي حتى عام 1996 لم يكن إلا ما يصل إلى 30% من شوارعها مزفتة ومنازلها بلا تمديدات). إذ شكلت المدينة تحديا للشباب والذين أرادوا أن يثبتوا كفاءتهم وقدرتهم على الحياة فيها، مما زاد من الحقد الذي يحمله “الشباب” تجاه البرجوازية والتي بدت كمن سرق كل نضال هؤلاء “الشباب”.

ما زاد الواقع بؤسا هو الفساد الكبير الذي اتسمت به السلطة الفلسطينية، والذي تداخل مع الصراع بين الأجيال الجديدة من فتح ضد النخب العائدة، وهو ما شكل بذرة نشوء لجان المقاومة الشعبية، التي بدأت كنشاط من داخل فتح ضد الفساد ، وبشكل أكثر تحديدا ضد موسى عرفات.

بالإضافة إلى الفساد لعبت الحريات المحدودة دورا سلبيا، فالبرلمان الفلسطيني كان ذو دور محدود وغير محدد المعالم وخاصة أن أغلبيته تتشكل من حركة فتح الحاكمة، ولم يكن نقد الحكومة أمرا مقبولا، بل أن التضييق على الحريات وصل إلى مراحل متقدمة من قبل الأمن السياسي وخاصة في حادثة جامعة النجاح عام 1996 والتي اعتقل الأمن فيها أكثر من مئة طالب.

السياسة الإسرائيلية: نظام الإغلاق وبلورة الطبقات
بقيت إسرائيل ورغم نشوء السلطة الفلسطينية الوطنية صاحبة الكلمة العليا في أراضي 67، فهي كانت عام 1995 وبعد اتفاق طابا تتحكم مباشرة بـ60% من أراضي الضفة الغربية و20% من ارضي غزة ولأجل مستوطنين لم تزد نسبتهم عن 0.5%، والبقية فهي مقطعة ومعزولة عن بعضها البعض ويمكن في أي وقت أن يدخلها الإسرائيليون، ولا يخضع جديا منها للسلطة الفلسطينية إلا المنطقة (A).

إلا أن اللب في السياسة الإسرائيلية كان سياسة الإغلاق (التي وصفتها هاس بسرقة المكان والزمان) والتي بدأت مبكرا بعد العودة وطبقت أولا في غزة، إلا أن العبور بين المناطق بقي سهلا حتى مارس 1993 عندما فصلت إسرائيل بين القدس الشرقية وبقية المناطق.

فيما بعد تطورت سياسة الإغلاق بشكل منتظم لتتحول إلى سياسة منهجية سيكون لها أبعاد كارثية على حياة الفلسطينيين، فهي حرمت الفلسطينيين من حرية الحركة، مما دفع الطلاب الغزاويين في بعض الأحيان ومن اجل الوصول إلى جامعاتهم في الضفة إلى السفر إلى مصر ومنها إلى الأردن وثم إلى الضفة الغربية.

إن فترات الإغلاق الطويلة جدا أجبرت الفلسطينيين على البقاء في بيوتهم، ولكن ما زاد من صعوبتها كونها أيضا غير المحددة مسبقا مما حرم الفلسطينيين من القدرة على التخطيط لمستقبلهم وما يفعلونهم.

يضاف إلى سياسة الإغلاق والتي وصلت خلال الانتفاضة الثانية إلى ذروتها مما حرم العديد من الطلاب من القدرة على الوصول إلى جامعاتهم ومتابعة دراستهم ووصول العاملين إلى أماكن عملهم، أيضا الحواجز والطرق الالتفافية والتي يقضي الفلسطينيون عليها الساعات من أجل قطع مسافة لا تحتاج إلا إلى دقائق، بالإضافة إلى المعاملة اللاإنسانية، ومصادرة الأراضي من الفلسطينيين من اجل الطرق والجداران.

هذه السياسة التي هدفت في النهاية إلى تحويل الواقع الفلسطيني على الأرض إلى كانتونات معزولة عن بعضها البعض ويمكن التحكم فيها.

بالترافق مع سياسة الإغلاق هذه كان هناك نظام لجوازات السفر وبطاقات VIP.

ساعد هذا النظام بشكل كبير على بلورة الطبقات الفلسطينية، فهناك ثلاثة أنواع من هذه البطاقات، الأولى منها تسمح لحاملها بالمبيت في إسرائيل والدخول إليها بسيارته الخاصة، بينما امتلكت الثانية والثالثة ميزات أقل. وقد حظيت بهذه البطاقات النخبة الفلسطينية والمتمثلة بالموظفين ذوي المراتب العليا في السلطة الوطنية والنخب المدنية والمثقفين المرتبطين بالمؤسسات الدولية، والذين سمحت لهم ارتباطاتهم بالحصول على جوازات السفر، بينما بقيت البقية من الفلسطينيين محرومة منها.

ما الذي دفع الفلسطينيين إلى عدم بناء مقاومة منتظمة في مواجهة هذا النظام الذي كانت له آثار كارثية على حياتهم فيما بعد؟

أولا إن السلطة الفلسطينية لم تطرح على الإسرائيليين هذه القضية أبدا خلال المفاوضات كما أشارت هاس، بل ما طرحته –كما تشير بوكاي- لم يتجاوز التفاوض على زيادة أعداد بطاقات VIP, وهو ما كان جزءا من مأزق المفاوض الفلسطيني خلال سنوات أوسلو حيث أصبح مفاوضا على التفاصيل لا أكثر.

لم تكن السلطة متضررة من هذا النظام، بل هو أعطاها إمكانية تحكم أفضل بالمجتمع الفلسطيني الذي أصبح بمثابة مجموعات صغيرة ومعزولة، ومن ناحية أخرى فإن رجال السلطة الفلسطينية امتلكوا مصالح متنوعة مع الإسرائيليين ومرتبطة بسياسة الإغلاق نفسها، فالجدران التي فرضتها إسرائيل تحولت إلى مورد بالنسبة إلى أجنحة مختلفة داخل السلطة الفلسطينية التي تولت مهمة تسهيل المرور للبائع الفلسطيني بالشراكة مع الإسرائيليين ومن أبرز الفلسطينيين الذين عملوا في هذا المجال كل من جبريل رجوب ومحمد دحلان.

عندما طرحت هاس فكرة تنظيم مسيرة يقودها نائب أو شخصية مسؤولة في السلطة الفلسطينية إلى أحد الحواجز الإسرائيلية من أجل الاحتجاج على الإغلاق على أحد ناشطي فتح، أجابها بأن الحيوانات الكبيرة “الشخصيات المهمة” لن تفعلها.

حماس أو التنظيمات الإسلامية الأخرى لم تكن في وارد الاحتجاج على هذه السياسة الذي كان بالنسبة إليها وكأنه اعتراف بشرعية أوسلو، أما التنظيمات اليسارية فقد عانت مشاكل أخرى حيث أن قادتها في الخارج. وبالنسبة للجبهة الشعبية كان هذا النشاط يحمل جانبا تطبيعيا لمشاركة حركات إسرائيلية مناهضة للاحتلال، وأخيرا فإن الحركات اليسارية ورغم معارضتها لأوسلو والعديد من سياسات الحكومة الفلسطينية إلا أنها في النهاية كانت مرتبطة بها بقوة، فالعديد من أعضائها يتلقون رواتبهم من منظمة التحرير الفلسطينية، وآخرون يعملون للسلطة الوطنية الفلسطينية.

إن قدر سياسة الإغلاق تحول في النهاية بالنسبة إلى الفلسطينيين إلى قدر فردي، وحرية الحركة أصبحت نوعا من الرفاهية الفردية ولا تنتمي إلى الحقوق، وهذا ما عبر عنه أحد المسؤولين الإسرائيليين عندما أكد في وجه الاعتراضات أن أهل غزة لا يحتاجون إلى مغادرة غزة.
الانتفاضة الثانية
التبس الصراع الطبقي أكثر بسياسات هوية ذات نزوع أخلاقي، خاصة مع ارتباط النخبة بمصالح متشابكة مع الإسرائيليين… سياسات الاحتلال الإسرائيلي المتمثلة بالإغلاق ومصادرة الأراضي والتي تضرر منها أهل غزة أو الذين صادف أنهم يقطنون بالقرب من المستوطنات الإسرائيلية. الفساد وانعدم الحريات والقدرة على إصلاح الوضع، وأخيرا فشل التجربة التفاوضية في بلوغ أي من أهدافها المعلنة، هذه كلها كانت في خلفية المشهد الذي انبعثت منه الانتفاضة الثانية، والتي تؤكد كل من بوكاي وهاس على أن ما يفرقها عن الانتفاضة الأولى أكثر بكثير مما يجمعها معها.

ففي الانتفاضة الأولى كان الأمل والرغبة بتحقيق دولة فلسطينية مستقلة هو الهدف الذي سعت الانتفاضة إلى تحقيقه، بينما الانتفاضة الثانية انطلقت من اليأس، فلا قيادة سياسية لها وهي لا تملك مشروعا ولا برنامج تستند إليه، وأكثر من ذلك إن الذين انضووا في الانتفاضة الثانية يسعون إلى أن يكونوا شهداء، وهم أنفسهم ينظرون إلى هدف الدولة الفلسطينية على أنه هدف بعيد المنال.

من البداية استخدمت إسرائيل العنف المفرط في مواجهة الانتفاضة الثانية، مما دفع الأخيرة إلى المواجهة بالعنف المقابل، وخاصة أن الشبان الذين التحقوا بالانتفاضة الثانية ـ وهم أيضا من المنحدرين من الطبقات الدنيا في مخيمات اللاجئين- لم يمتلكوا ثقافة سياسية، موازية لتلك التي امتلكها شبان الانتفاضة الأولى، الذين شكلت السجون الإسرائيلية والحركات السياسية مدرسة تعليمية هامة لهم.

خلال سنوات أوسلو لم تتوفر للشبان الناشئين أية تربية سياسية فعلية، ففتح لم تكن مهتمة وهي التي تحولت إلى حركة سلطة، والحركات الإسلامية لم يعد بمقدورها استيعاب المزيد، واليسار لم يكن مؤهلا لضم هؤلاء الشباب، وهذه الانتفاضة قدمت لهؤلاء الشبان الفرصة لإعادة بناء هوية لهم فقدوها خلال سنوات السلام المضطربة.

السياسات الإسرائيلية التي استخدمت في قمع الانتفاضة، من هدم المنازل إلى توسيع سياسة الإغلاق وإيصالها إلى أبعد مدى ممكن ومصادرة الأراضي، أدت إلى انعدام أية آفاق مستقبلية ممكنة لهؤلاء الشباب، فالكثير منهم لم يعد بمقدوره متابعة دراسته الجامعية، مع إغلاق الجامعات أو انقطاعاتها المستمرة، أو انعدام إمكانية التنقل والحصول على فرص عمل.

العنف الذي مارسه الفلسطينيون خلال الانتفاضة كان بدافع اليأس والظروف الكالحة من ناحية ومن ناحية أخرى بدافع إيجاد نوع من توازن الخوف مع الإسرائيليين، فالعمليات الانتحارية لم تكن فعالة على المستوى المادي إلا أنها كانت بالنسبة إلى الفلسطينيين فعالة جدا لناحية تحقيق توازن الرعب مع الإسرائيليين، الذين لن يكون بمقدورهم الصمود طويلا، وهذا ما أعطى لهذه العمليات قبولا شعبيا في الشارع الفلسطيني.

لعب الجانب الديني دورا مهما في العمليات الانتحارية، إلا انه من غير الممكن تفسيرها اعتمادا عليه وحسب كما ترى بوكاي، الواقع إن ما غذى هذه العمليات إضافة إلى عنف الاحتلال (عدد من منفذي العمليات فقدوا أفرادا من أسرهم على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي) هو الخبرة التي يحملها الشباب الفلسطينيون، فالشبان هؤلاء وفي ظل سياسة الإغلاق الإسرائيلية لم تتوفر لهم فرص الحركة والتعرف إلى العالم، وكثير منهم لم تتوفر لهم الفرصة حتى لمجرد مغادرة غزة إلى الضفة الغربية. إن الخبرة المحدودة التي حملوها، والتي هي أشبه بخبرة السجن الكبير، لم تسمح لهم بتطوير أشكال أخرى للمقاومة والمواجهة مع الإسرائيليين. في هذا الوضع لم يعد المجتمع الفلسطيني يرى في نفسه القدرة على محاولة ابتداع وسائل نضالية مغايرة ومختلفة وهذا ما دفعه إلى الاستمرار في دعم هذه العمليات الانتحارية.

ما يميز العملين هو تقديمها رؤية للصراع من خارج الرواية النضالية التي تستبعد أية انحرافات داخلية، إلا لتحلقها بالخيانة أو الانحراف. ما أظهره الكتابان بكل وضوح هو الطبيعة الاجتماعية للصراع والتداخل بين الصراع الطبقي والصراع ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعدم القدرة على الفصل بينهما.

إن أوسلو ونشوء السلطة الوطنية لم تحقق للفلسطينيين أي نصر أو أيا من أهدافهم التي ناضلوا من أجلها، بالمقابل انحدرت حركة فتح والسلطة الفلسطينية سريعا لتشكل ما يشبه سلطات الأنظمة العربية الأخرى أو الإدارات الاستعمارية، سلطة تمتاز بالفساد والتمايز الطبقي الحاد وتسعى في النهاية إلى الحفاظ على بقائها، ومع غياب أية إستراتيجية من أجل تحقيق أهدافها المعلنة سابقا كحركة تحرير وطني. تحولت هذه السلطة إلى سلطة على كانتونات معزولة عن بعضها ضمن الإطار الأعم للهيمنة والسيادة الإسرائيلية، وهذا ما وصلت إليه الحال عندما لم تحاول هذه السلطة تطوير إستراتيجية لمواجهة نظام الإغلاق الإسرائيلي، بل اكتفت بالتفاوض لأجل زيادة البطاقات.

هذا الحال لا يمكن تفسيره إلا بالنظر إلى التداخل بين مصالح النخبة الفلسطينية التي تشكلت مع بناء السلطة الوطنية وعلاقاتها مع الإسرائيليين من ناحية ومع المجتمع الدولي من ناحية أخرى. وفي حال كهذه يبدو أن الأوضاع تتجه إلى أن تكون أسوأ وأسوأ، كما ترى هاس بعنوانها الشديد الدلالة.
—-
Lætitia Bucaille
Generation Intifada
Hamburger Ed.-2004

Amira Hass
Morgen wird alles schlimmer
Berichte aus pal’stina und Israel
C.H.Beck-2006

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق