فلسفة الأنوار ف. فولغين- ترجمة هنرييت عبودي – مراجعة جورج طرابيشي

{{الناشر : دار الطليعة و رابطة العقلانيين العرب.}}

{{سنة النشر : 2006}}

*لا تزال الثورة الفرنسية 1789بوصفها الحدث الأبرز في مجريات القرن الثامن عشر، تثير المزيد من الأسئلة وتستثير العدد المتزايد من محاولات الفهم والتفسير. الأغلبية من دارسي هذه الظاهرة، دون مبالغة، تقرّ أن العالم بعد الثورة الفرنسية يختلف عن ما قبلها. نقطة التحول هذه لم تكن حدثا نتج عن المجهول بل هي تأتي في سياق الحراك الثقافي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي في ذلك الوقت وهذا هو المبدأ العلمي المستحدث الذي ينشد دراسة الظواهر ضمن سياقاتها الطبيعية وحكرا على مجمل الظروف والتطورات والأحداث السابقة واللاحقة لها دون التورط في “الالتزام”بإجابات جاهزة، مضمرة أم ظاهرة ذات مبنى ميتافيزيقي يعطل أدوات البحث العلمي الحديثة.

{{قراءة في الكتاب}}

{{لعبد الله المطيري}}

ضمن الدراسات التي أصبحت في متناول القارئ العربي الآن كتابان مهمان الأول هو كتابنا اليوم “فلسفة الأنوار “ل ف . فولغين أما الثاني فهو كتاب “عصر الثورة : أوربا ( – 18481789)”للمؤرخ الإنجليزي المهم إريك هوبزباوم .صاحب ثلاثية : “عصر الثورة : أوربا ( – 18481789) و”عصر رأس المال : – 18751848″و”عصر الإمبراطورية : – 19141875” هذه الثلاثية أصبحت رباعية بإصداره لكتاب”عصر التطرف : القرن العشرون القصير 1914-1991). ميزة هذين الكتابين أن الأول “فلسفة الأنوار”يسير في الطريق الذي أوصل إلى الثورة الفرنسية ثم يقف عندها أما الثاني فينطلق من لحظة الثورة إلى ستين سنة تلتها. وهذا ما يعطي نظرة أكثر اتساعا وشمولا لإرهاصات الثورة كما لتفاعلاتها ونتائجها. هذا مع أخذنا بالاعتبار والحيطة كوننا أمام قراءتين لا قراءة واحدة، أمام منهجين وتصورين صحيح أن كلا المؤلفين ماركسيا المنهج إلا أن اشتغال هذا المنهج المتعدد أصلا يأخذ مسارات مختلفة ستحاول هذه القراءة تقصيها وتتبعها.

وفقا للمنهج الماركسي الجدلي تعد الثورة الفرنسية ثورة برجوازية باعتبارها التطور الذي ينتج عن تأزم الإقطاع ووصوله إلى حدوده الأخيرة مما يؤدي بطبقة البرجوازيين إلى الثورة على النظام السائد، الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. هذه الثورة البرجوازية التي تمثل الفترة الرأسمالية من التاريخ البشري تمثل خطوة هامة للوصول إلى الثورة الشعبية، ثورة البروليتاريا. “ثورة طبقة العمال والشغيلة بأجر الذين يتعرضون للاستغلال من جانب الطبقة التي تمتلك رأس المال ووسائل الإنتاج في المجتمع. ويرى كارل ماركس أن انهيار الإقطاع ونمو الرأسمالية قد أسفرا عن نشوء طبقة جديدة لا تمتلك شيئا من أوساط الفلاحين والعمال الزراعيين الذين لم تعد أرض يعملون فيها أو عليها، فاضطروا إلى بيع عملهم مقابل أجر في المراكز الصناعية الجديدة . وقد أعرب ماركس في البيان الشيوعي (1848) عن اعتقاده بأن ليس لدى العمال (البروليتاريا) ما يخسرونه إلا قيودهم، وأنهم سيكسبون العالم بأسره إذا أطاحوا الطبقة الرأسمالية المستغلّة “.

من هنا بالذات يقرأ ف. فولغين الثورة الفرنسية، كونها دليلا على صحة النظرية الماركسية في تطور المجتمعات من المشاعية الأولى إلى عصور الإقطاع ثم الفترة البرجوازية المتمثلة في العصر الرأسمالي الذي ينتج نقيضه ومن الإثنين تنتج الفترة الشيوعية المتمثلة أساسا في إلغاء الملكية الخاصة سبب كل التفاوتات الطبقية. كانت الثورة الفرنسية عند فولغين نتيجة لوعي طبقي تطور كثيرا عند طبقة البرجوازيين أما العمال الفرنسيون في القرن الثامن عشر فلا يزالون بعيدين جدا عن وعي مصالحهم الطبقية ولذا لم تشكل البروليتاريا خطراً على البرجوازية، فالحد الفاصل بين مصالح البرجوازية ومصالح الجماهير الشعبية كان أقل بروزا ووضوحا من حاجة الطرفين المشتركة إلى الإطاحة بالنظام الإقطاعي والاستبدادي. عموما تجب قراءة المفكرين الماركسيين بحذر كون الكثير منهم قد وقع أسير العمى الأيديولوجي مما أوقع الكثير منهم في التزييف سواء بوعي أو بدون وعي. مكمن الخطر هنا هو هل سيؤدي “الولاء”للنظرية الماركسية عند فولغين إلى التعسف في التأويل وعمليات الإغفال والانتقاء. من المهم الانتباه إلى هذا الخصوص.

يقسم فولغين الكتاب على ستة فصول : الفصل الأول : مؤسسو الإيديولوجية البورجوازية، فولتير ومونتسيكو . الفصل الثاني : الاقتصاديون، الفيزيوقراطيون، تورغو، نيكر. الفصل الثالث : الموسوعيون، ديدرو، دولباخ، هلفسيوس . الفصل الرابع : الديموقراطيون والمساواتيون، روسو، لنغيه، بريسو، مارا . الفصل الخامس : النظريات الاشتراكية والمشاريع التعاونية، مسلييه، مورلي … . الفصل السادس : عشية الثورة، الكتابات الصحفية والجذرية السياسية … .

في بداية القرن الثامن العشري كان النظام الاجتماعي في فرنسا يجمع بين عناصر من النظام الإقطاعي البالي، والمسيطر في نفس الوقت وبين عناصر من البنية البرجوازية التي كانت قد نجحت في ترسيخ جذورها. كان النظام السائد يدعم التوجهات الرأسمالية ولكن دائما في الحدود التي لا تمس مصالح الطبقات المسيطرة من إقطاعيين ورجال دين إلا أن تطور الرأسمالية أدى إلى تولد وعي عند الطبقة البرجوازية خصوصا بإعاقة النظام ومخلفات الإقطاع لمصالحها مما أدى بها باستمرار للضغط من أجل إزالة هذه القيود التي تساقطت تباعا وصولا إلى القيد الأكبر المتمثل في السلطة المستبدة المتمثلة في تحالف الإقطاعيين ورجال الدين تحت مظلة الملك.

فولتير هو كما يرى فولغين الوجه المركزي، الوجه المحوري لهذه الحقبة الفريدة والبارزة من تاريخ البشرية، حقبة الأنوار. القضية الأساسية في فكر فولتير هي حربه مع الكنيسة، يقول فولغين “احتلت حرب فولتير على الأباطيل والخرافات والأحكام المسبقة المرتبطة بالدين والتي كانت موضع رعاية واعتناء فائقين من قبل الكنيسة، مكان الصدارة في نشاطه الفكري والتثقيفي الجديد. لقد كانت الفلسفة العدو الرئيسي في نظر فولتير، لا لأن الأباطيل والأحكام المسبقة الدينية هي الأكثر تنافيا مع العقل السليم، والأوسع انتشارا والأعمق جذورا فحسب، بل لأنها أيضا تتسبب في توليد أكثر المصائب الاجتماعية خطورة وفي تقديم تبرير لها. ولئن أعطى فولتير تحرير العقول والضمائر من الأحكام المسبقة تلك الأهمية الفائقة، فلأن هذا التحرير يفسح في المجال أمام فهم صحيح للكون، وأيضا وعلى الأخص لأنه يشكّل ضمانة لإعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية وفقا لمبادئ العقل “.

يضع فولغين مونتسكيو كثاني المؤسسين لأيديولوجيا الثورة البرجوازية باعتباره المفكر السياسي الأكثر هيبة ونفوذا في دوائر المعارضة البرجوازية في القرن الثامن عشر في فرنسا. ويعتبره الفكر الدستوري الفرنسي مؤسسه . وقد لعب كتاب مونتسكيو “روح الشرائع”دورا بالغ الأهمية في نشر الأفكار الدستورية المعتدلة والترويج لها في أوساط الفرنسيين.

كان الحراك السابق والمؤدي للثورة شاملا ففي المجال الاقتصادي ومع تطور الاقتصاد في فرنسا وتعارضه مع العلاقات الإقطاعية السائدة، ظهرت الكثير من الأفكار الاقتصادية أهمها ما عرف بالفيزيوقراطيين الذين هم جماعة من علماء الاقتصاد الفرنسيين المتأثرين بحركة التنوير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. اعتمد نظرياتهم على (حكم الطبيعة ومنه اشتق اسمهم)، وعلى نظريات نيوتن والنموذج الميكانيكي الذي وصفه لحركة الأجسام. وحاولوا تطبيق القوانين الطبيعية على النشاط الإنتاجي والاقتصادي وتوزيع السلع والخدمات في المجتمع، وبخاصة في القطاعين الزراعي والتجاري. يأخذ فولغين على المفكرين الاقتصاديين أنهم لم يصلوا إلى فكرة إلغاء الملكية الخاصة بحكم ارتباطهم بمصالح الطبقة البرجوازية.

الموسوعيون : دالمبير وديدروالذي يعتبره فولغين أعظم فيلسوف مادي في القرن الثامن عشر. يحضرون كواحدة من أهم الحركات الفكرية التي مهّدت للثورة من خلال نقدها المباشر والصريح للسائد والمستقر وللسلطات القائمة سلطة الاستبداد السياسي وسلطة الاستبداد الديني انطلاقا من نظرية الحق الطبيعي، النظرية التي سادت في القرن الثامن عشر وهي تقوم على أن الطبيعة البشرية هي مصدر القوانين وليست هناك حاجة لمصادر أخرى. كان ديدرو من أكثر مجايليه صراحة ومباشرة في نقد هذه السلطات وعلى كل الأصعدة. يرى فولغين أن ديدرو كان متعاطفا مع المثل الأعلى الاشتراكي ومعاديا لمبدأ الملكية الخاصة.

جان جاك روسو أحد أهم أعلام التنوير في القرن الثامن عشر يضعه فولغين ضمن مجموعة الديموقراطيين والمساواتيين. هذه المجموعة التي خرجت كما يرى فولغين كتعبير عن ألم الفلاحين وشرائح البرجوازيين الصغرى الذين تأثروا كثيرا من التطور الرأسمالي. لم يكن الحل بالطبع يكمن في العودة إلى النظام الإقطاعي بل في الديموقراطية والمساواة. ولذا يجعل فولغين كتاب روسو “مقال في أصل اللامساواة بين البشر وفي أسسها”مفتاحا لفهم هذه الرؤية. الثورة على الحكم الاستبدادي عند روسو لا تقل شرعية عن السلطان الذي ادعاه هذا الحكم لنفسه كونه يحكم بالقوّة فحسب والقوّة وحدها كفيلة بالإطاحة به. الاستبداد عند روسو يفسخ العقد الاجتماعي. “العقد الاجتماعي”كتاب روسو الذي تحول إلى إنجيل للديموقراطيين الثوريين في ثورة 1789مما أدى بجوزيف لاكانال أن يقول “أن الثورة هي التي تولت، بنوع ما، شرح العقد الاجتماعي “. ولكن ماذا يقول العقد الاجتماعي ؟ إنه يقول باختصار وتركيز شديدين “أن يضع كل واحد منّا شخصه وكامل طاقته تحت الإمرة العليا للمشيئة العامة، ويعامل كل عضو على أنه جزء لا يتجزأ من الكل “.

التيار الاشتراكي هو الآخر تطور في القرن الثامن عشر وإن بقي طوباويا واعتمدت في نفس الوقت على الصيغ والمبادئ السائدة التي رسمها الفكر البرجوازي في عصره. كان هذا بسبب أن البروليتاريا لم تكن تكوّنت بعد كطبقة ولم تدلل بعد على أي استقلال تاريخي ولم تصدر عنها بعد أي حركة سياسية خاصة بها. أبرز ممثلي هذا التيار هم : مسلييه ومورلّي ومابلي ودون ديشان.

عشية الثورة، النصف الثاني من القرن الثامن عشر، تصاعدت موجة الاستياء والتذمر المتصاعدة، التي استثارها النظام الإقطاعي والحكم الملكي المطلق والمستبد. تجلت هذه الموجة في أشكال أدبية مختلفة. ومع اقتراب ساعة الثورة كان عدد الأبحاث والكراريس السياسية يزداد باطراد. كما في كتب التاريخ والفلسفة، واقتحمت المواضيع السياسية الآداب الجميلة. فقد استخدمت الأسلحة الأدبية على أنواعها كافة في الهجوم على مواقع النظام السياسي والاجتماعي القديم. كان الدستور الأمريكي المتقدم قد ترجم للفرنسية ومثّل نبراسا للكتاب والصحفيين. لعبت الصحافة دورا هاما في تصعيد الرأي العام تجاه الظلم. برز في هذه الفترة المتأخرة كوندورسيه الرياضي الكبير والأب المتنور سييس ومارا صاحب الدستور أو مشروع إعلان حقوق الإنسان والمواطن. سنقف عند لحظة الثورة لنكملها الأسبوع القادم مع كتاب “عصر الثورة”لإريك هوبزباوم.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق