فلسفة الإلحاد

تمّ نشر هذه المقالة للمرّة الأولى في شهر فبراير عام 1916 ضمن مجلّة “الأرض الأم ّMother Earth Journal”.

لإعطاء فكرة وافية عن فلسفة الإلحاد، سيكون من المهمّ جداً أن نخوض في التغيّرات التاريخية التي طرأت على الإيمان بقوّة خارقة ومفارقة، منذ بدايات الفكرة وحتى يومنا الحالي. ولكنّ ذلك لا يقع ضمن نطاق مقالتنا هذه. على أيّة حال، لا بأس من التطرّق إلى موضوع أنّ مفهوم “الله”: القوّة الكلّية المفارقة، أو الروح، أو الوجود المطلق، أو أيّ مصطلح يمكن إيجاده لوصف هذا المفهوم، أصبح أقلّ تحديداً وأكثر إبهاماً مع مرور الوقت ومسيرة الحياة. بمعنى آخر، إنّ فكرة الله تنمو وتصبح أكثر ضبابيةً وإبهاماً مع تطوّر العقل الإنساني وتعلّمه كيفية فهم الظواهر الطبيعية بطريقة تردّها إلى أسبابها المؤدّية لها، وبدرجة أصبح فيها العلم يربط الإنسان بشكل تدريجيّ بالأحداث الاجتماعية.
“الله” في يومنا هذا، لم يعد يمثّل نفس تلك القوى التي كان يمثّلها في المراحل البدائية لوجوده، كما أنه لم يعد ذلك الموجّه للمصير البشريّ بيد من حديد كما كان يفعل في الماضي. كما أنّ الله أصبح مجرّد فكرة تعبّر عن نوع من الدافع أو الحافز الروحي لإرضاء أوهام كل مظاهر الضعف الإنساني وخيالاته. ضمن سياق التطوّر الإنساني تحوّلت فكرة الله وتكيّفت مع كلّ حالة من حالات الإنسان، التي اتسقت بشكل مثالي مع أصل الفكرة نفسها.

إنّ مفهوم “الله” ولد في جوّ من الخوف والفضول، بيئة تعمّها الفوضى وعدم الشعور بالأمان. فالإنسان البدائي غير القادر على إدراك الظواهر الطبيعية التي كان يعاني من طغيانها واضطهادها له وفهمها، رأى في كلّ ظهور مرعب من ظهوراتها نوعا من القوى الشريرة الموجّهة ضدّه، وبما أنّ الجهل المطبق والخوف الذي يشلّ كافة ملكات العقل والتفكير السليم هما أصل جميع الخرافات والأساطير، خلقت المخيلة البدائية المتعبة الفكرة الأولى عن كائن جبّار متعالِ وهو “الله”.

بشكلٍ ملائمٍ جداً، يقول الملحد والفوضوي الأشهر على مستوى العالم “مايكل باكونين” في عمله الكبير والهامّ (الله والدولة): “كافّة الديانات، بآلهتها وأربابها، وأنصاف آلهتها، وأنبيائها، ورسلها، وقدّيسيها، تمّ خلقها وابتكارها عن طريق الفنتازيا المتضرّرة للبشر الذين لم يحقّقوا مرحلة التطوّر الكامل والسيطرة التامّة على مؤسّساتهم. ولذلك، فالجنة التي يحدّثنا عنها الدين ليست أكثر من مجرّد سراب مجّده الإنسان عن طريق الجهل والإيمان، مكتشفاً صورته الخاصّة، ولكن بشكلٍ مكبّر ومعكوس – وهذا حدس رائع. فتاريخ الأديان، من الولادة، إلى مراحل عظمتها وازدهارها، فانحدار الآلهة التي نجحت في بادئ الأمر باحتلال جزء كبير جداً من النفس الإنسانية، ليس أكثر من مرحلة من مراحل تطوّر الذكاء والضمير والخبرة البشرية الجمعية. وكلّما تطوّر بنو البشر أكثر، في سياق مسيرتهم التقدميّة في التاريخ، سواءً كان من ناحية اكتشاف النفس البشرية أو العالم الطبيعي الخارجي، فالنوعية، أو حتى أي عيب عظيم مهما كان نوعه، كانوا يردّونه على آلهتهم، بعد أن يكونوا قد بالغوا فيه كبّروه ووضعوه خارج أي قياس أو معيار، خارج أسلوب الأطفال، بفعل وهمهم الديني… لذلك، ومع فائق الاحترام، إلى اللاهوتيين، والمثاليين الدينيين، والفلاسفة والسياسيين، أو الشعراء: إنّ فكرة الله تشير إلى انحطاط العقل البشري والعدالة الإنسانية وسقوطهما، إنّ هذه الفكرة هي الإنكار الأكثر تطرّفاً للحرية البشرية، ونتيجته الضرورية هي استعباد الإنسان، من كلا الناحيتين: النظرية والتطبيقية”.

لذلك، إنّ فكرة الله المنتعشة والمعدّلة، المكبّرة أو المصغّرة، حسب متطلبات كل فترة، حكمت البشرية وستستمرّ في ذلك حتى يرفع الإنسان رأسه وينظر إلى نور الشمس، من دون خوف وبإرادة يقظة لنفسه. بصفته رجل يتعلّم إدراك أغوار نفسه ويصبح الإيمان بالله عنده شيئاً زائداً عن الحاجة. إلى أيّ مدى سيكون الإنسان قادراً على إيجاد أنّ علاقته مع أقرانه ستعتمد بشكلٍ كاملٍ على الشكل الذي سينشأ عليه باستقلال عن الله.

حالياً هناك إشارات تشير إلى أنّ الإيمان بالله، وهي النظرية التي تقوم على التخمين والتفكّر، تمّ استبدالها بالإلحاد، علم التجربة والبرهان. في حين أنّ الأول يتعلّق بالسراب الميتافيزيقي للماوراء، بينما الآخر يمدّ جذوره ويرسّخها بثبات في التربة. إنها الأرض، وليست السماء، التي يجب على الإنسان إنقاذها إذا كان يريد الحفاظ على حياته واستمرار سلالته.

إنّ سقوط الإيمان هو أكثر المناظر إثارة، خصوصاً ذلك الشكل القلق الذي يظهر عند اللاهوتيين المؤمنين المتشدّدين، مهما كان نوع إيمانهم أو ديانتهم. فهم يدركون، من كثرة ضيقهم، أنّ عدد الملحدين يتزايد باستمرار، وبأنّ الجماهير تميل أكثر فأكثر إلى ناحية اللادينية بشكل يومي، وبأنهم يرغبون في التخلّي عن العظيم الماورائي ومجاله السماوي إلى الملائكة والعصافير، لأنّ العامّة باتوا منغمسين أكثر فأكثر في المشاكل والصعوبات التي تواجههم أثناء حياتهم ووجودهم.

ما هي الطريقة الفضلى لإرجاع العامّة إلى الإيمان بفكرة الله والروح القدس أو السبب أو العلّة الأولى… إلى ما هنالك من تسميات وألقاب. هذا هو السؤال والمؤرّق الأول بالنسبة لكافة الثيولوجيين وحماة الأديان. بقدر ما تبدو هذه الأسئلة ميتافيزيقة وغيبية، إلا أنّ لها حتى الآن خلفية فيزيقية محسوسة. فالدين “الحقيقة الإلهية المطلقة” بمكافآته وجزائه هو السوق التجارية الأضخم، الأكثر فسادا وخبثاً، والصناعة الأقوى والأربح على مستوى العالم، من غير أن نستثني صناعة الأسلحة والذخائر. إنه صناعة تضبيب العقل البشري وإرباكه وأسر القلب وخنقه. الضرورة لا تعرف أيّ قانون أو قاعدة، كما أنّ أغلب الثيولوجيين ملزمون بالموافقة على كل موضوع، حتى إن لم تكن له أيّة علاقة بالله أو الوحي أو الماورائي والغيبي. على الأرجح أنهم يستشعرون حقيقة أنّ الإنسانية تنمو وتكبر وقد أصيبت بالضجر والسأم من المذاهب والديانات التي تجاوز عددها المائة.

أمّا كيفية رفع مستوى هذا الاعتقاد والإيمان الأعمى بالغيبي والإلهي المفارق، فذلك يشكّل مسألة حياة أو موت لكافّة الطوائف والجماعات الدينية. لذلك نلمح عندهم ميزة التسامح، لكنه ليس تسامحا ناتجا عن حالة تفهّم، بل ناتج عن ضعف. وربّما هذا يفسّر الجهود المبذولة في كافة المنشورات الدينية على اختلاف أنواعها لجمع الفلسفات الدينية المتنوّعة والنظيرات اللاهوتية المتعارضة ضمن حقيقة طائفية مفترضة واحدة. أكثر فأكثر، إنّ المفاهيم المختلفة “للإله الواحد الأوحد، الروح الحقيقي الأنقى، الدين الصحيح الوحيد” تبرّر بشكل متسامح الجهود المسعورة لتأسيس أرضية مشتركة وموحّدة لإنقاذ الجمهور المعاصر من تأثير الأفكار الإلحادية “الخبيثة” – حسب تعبير الثيولوجيين.

إنها خاصية متميّزة من خصائص “التسامح الثيولوجي” بأنه لا أحد يهتمّ حقاً بالشيء الذي يؤمن الناس به، بل كلّ ما يهم هو أنهم مؤمنون أم غير مؤمنين. ولإتمام هذه الخاتمة، تمّ استعمال أكثر الطرق والأساليب قسوةً ووحشية. وقد تبنّت المؤسّسات الدينية على اختلاف أنواعها تنفيذ هذه المهمّة المقدّسة، وفرضت الرقابة على ضمائر الناس لقرون طوال.

يرى معظم الثيولوجيين من حرّاس العقائد – بشكل واعٍ شعوري أو بشكل لا شعوري أعمى- أنّ مفاهيم مثل: الله والشياطين، الجنّة والجحيم، الثواب والعقاب، هي عبارة عن سياط لسحب الناس إلى حلبة الطاعة، والاستضعاف والقناعة. والحقيقة هي أنّ الإيمان قد خسر معناه وجوهره قبل ذلك بزمنٍ بعيد لكن من أجل الدعم المشترك للثروة والسلطة. إلى أيّ حدٍ بلغ الإفلاس، حيث أنه يستعرض في خنادق المعارك وساحاتها في كافة أرجاء أوروبا. (لا ننس أن هذا النص كتب عام 1916، وهي مرحلة مليئة بالاضطرابات التي سادت كافة أرجاء أوروبا وآسيا- المترجم).

ألم يحاول جميع الثيولوجيين إضفاء صبغة الطيبة والتسامح على آلهتهم باختلاف أنواعها وأشكالها؟ إلا أنها بعد مرور عشرات القرون على التبشير بهذه الآلهة، ما زالت صمّاء لا تعير انتباهاً لمعاناة الجنس البشري. لم يكن كونفوشيوس يعير اهتماماً للفاقة والمعاناة والبؤس الذي كان يعاني منه الشعب الصيني. أمّا بوذا فلم يزعج نفسه أثناء لامبالاته الفلسفية بفاقة شعب الهندوس الغاضب ومجاعته. يهوه ظلّ متجاهلاً لبكاء الشعب الإسرائيلي وضياعه. بينما يسوع يرفض الانبعاث من عالمه المثالي ليفضّ الخلافات الناشبة بين أتباعه المسيحيين الذين ما زالوا يذبحون بعضهم البعض. (وأضيف هنا أنّ إله المسلمين ما زال غافلاً حتى الآن، ولا يعيرهم انتباهاً، إذ أنه يرى أتباعه قد انقسموا إلى فرق وطوائف متناحرة من أجل فكرة مجرّدة عنه هو، إلا أنه لا يظهر من مخبئه ويحلّ هذه الخلافات التي استنزفت البشرية لقرون طويلة- المترجم).

إنّ العبء المتراكم والناتج عن كل ذلك المديح والتمجيد إلى ذلك “القابع في الأعالي” باعتبار أنّ الله يقف إلى جانب العدالة والرحمة. لا يمنع الظلم بين البشر من أن يتزايد باطّراد. فالإساءات التي ارتكبت بحقّ الشعب في هذا البلد لوحده تبدو كافية لأن تملأ السماوات بمن فيها. ولكن أين هي الآلهة لتضع نهاية مرّة وإلى الأبد كلّ هذه الآلام والمآسي، وهذه الخطايا، هذه اللاإنسانية تجاه الإنسان؟ لا… ليست الآلهة، بل الإنسان هو الذي يجب أن ينهض بغضبه الجارف. هو، ذلك المخدوع بكل تلك الكيانات والمقدّسات، والمغدور من قبل مبعوثيها… هو، يجب أن يتعهّد بنفسه بتحقيق العدالة على الأرض.

إنّ فلسفة الإلحاد تعبّر عن اتساع العقل البشري وامتداده وتناميه. إنّ فلسفة الإلحاد، إذا كان بإمكاننا إطلاق تسمية “فلسفة” على هذا المفهوم، هي فلسفة ثابتة وساكنة. وحتى مجرّد محاولة ثقب هذه الألغاز تمثّل – من وجهة النظر الثيولوجية- عدم الإيمان أو اللا اعتقاد في القدرة الكلّيّة المطلقة، وحتى نكران الحكمة الإلهية المقدّسة التي تقع خارج نطاق البشري. من حسن الحظ، لم يكن العقل البشري أبداً – ولا يمكن أن يكون- مقيّداً ومحدوداً بالثوابت. لذلك فهو يتقدّم بثبات في موكبه القلق والحذر نحو المعرفة والحياة. العقل البشري يدرك أنّ “الكون أو العالم ليس نتيجة فعل إبداعي صادر عن ذكاء قدسي أو إلهي، خرج من اللاشيء أو العدم، وأنتج تحفة كاملة في تفاصيلها من فوضى عارمة”، بل إنه ناتج القوى الفوضوية العشوائية التي عملت عملها على مدى عصور طويلة، إنه نتيجة اصطدامات وكوارث، نتيجة نفور وجاذبية تبلورت من خلال مبدأ الانتقاء الذي يطلق عليه الثيولوجيون اسم “الكون المتّجه نحو النظام والجمال”. كما أشار جوزيف مكّكيب في كتابه “وجود الله”: “إنّ قانون الطبيعة ليس مجرّد توليفة فبركها مشرّع ما، بل هو مجرّد خلاصة الحقائق المؤلّفة عن طريق الملاحظة – حزمة من الحقائق. فالأشياء لا تتصرّف بطريقة معيّنة لأنّ هناك قانونا معيّنا، بل إننا نحن الذين نصوغ القوانين التي تصف سلوك الأشياء، وذلك لأنها تتصرّف حسب تلك الطريقة”.

إنّ فلسفة الإلحاد تمثّل مفهوم الحياة بدون أيّ جوهر ميتافيزيقي مفارق أو مدبّر إلهي مقدّس. إنّه مفهوم العالم الحقيقي، الواقعي بمسؤولياته الجمالية والتحرّريّة والتوسّعية، كما أنه يناقض العالم المتخيّل غير الحقيقي بأرواحه، وملائكته، ووحيه، والذي يبقي العقل البشري غارقاً في مستنقع المهانة والعجز.

قد يبدو ذلك مفارقة صارخة، إلا أنه مع ذلك صحيح بشكل مثير للشفقة، أنّ هذا العالم الحقيقي المرئي وحياتنا هذه يجب أن تكون طويلة جداً تحت تأثير التصوّر الغيبي، بدلاً من القوى الطبيعية المثبتة. فتحت وطأة سياط الفكرة الثيولوجية، لم تخدم هذه الأرض أي غرض آخر سوى أنها محطّة مؤقّتة لاختبار قدرة الرجل في التضحية من أجل إرادة الله. لكنّ إنسان اللحظة حاول التحقق من طبيعة تلك الإرادة، فقد اُخْبِرَ بأنّه من العقم بالنسبة “للذكاء البشري المحدود” أن يمضي أبعد من الإرادة المطلقة الأزلية. وتحت وطأة الثقل الهائل لهذه القدرة الكلية الأزلية، أصبح الإنسان غباراً – مخلوقا أقل قدرةً، مكسورا ويتعرّق في الظلام.

إنّ الجائزة التي يمكن الحصول عليها من فلسفة الإلحاد هي إنسان حرّ من كابوس الآلهة، وهذا معناه حلّ خيالات وأوهام الماوراء. إنّ ضوء العقل قد بدّد كابوس الثيولوجي من جديد، لكنّ الفاقة والبؤس والخوف ساعدت على تغذية الأوهام وتقويتها – سواءً أكانت قديمة أو جديدة، مهما كان شكلها الخارجي، فإنها تختلف قليلاً في الجوهر. الإلحاد، من جهةٍ أخرى، بمعناه الفلسفي يرفض الولاء والتبعية ليس فقط لمفهوم الإله، بل إنه يرفض كل أشكال التبعية لفكرة الإله، كما أنه يعارض المبدأ الثيولوجي على حدٍ سواء.

الآلهة، في وظيفتهم الفردية، لا يبلغون نصف خبث المبدأ الثيولوجي الذي يمثّل الإيمان في قدرة ما ورائية، وحتى كليّة، لتحكم الأرض والإنسان القاطن على سطحها. إنه الحكم المطلق لإله، إنه التأثير الغيبي الخبيث على الإنسانية، إنه الأثر الذي يصيب الفكر والفعل بالشلل، ذلك الذي يحاربه الإلحاد ويكافح ضدّه بكلّ ما أوتي من قوّة.

إنّ لفلسفة الإلحاد جذورا عميقة في الأرض، في هذه الحياة، وهدفها هو انعتاق الجنس البشري من كل أشكال الآلهة، سواء البوذية أو المسيحية أو اليهودية أو المحمدية أو البراهمية، وغيرها. ظلّ الجنس البشري معاقباً لأزمان طويلة بسبب اختراعه فكرة الآلهة، ولم يحصد من ورائها إلا الألم والمعاناة. ولا توجد هناك سوى طريقة واحدة للخروج من هذه المعمعة، يجب على الإنسان أن يكسر قيوده التي قيّدته أمام أبواب الجنّة والجحيم، لكي يتمكّن من البدء بتصميم صحوته ووعيه الذي سينير عالم الأرض من جديد.

لن ندرك جمال العالم والحياة والحرية وروعتها إلا بعد الفوز بجائزة الفلسفة الإلحادية في عقول وقلوب البشر. ففكرة أنّ الجمال هبة من السماء أثبتت فشلها وعدم فعاليتها. فهي ستصبح بأيّة حال جوهر حافز الحياة عندما يتعلّم الإنسان أن يرى في الأرض الجنّة الوحيدة الملائمة له. الإلحاد يساعد على تحرير الإنسان من الاعتماد على فكرة الثواب والعقاب كعدّاد الصفقة السماوية للفقر في الروح.

ألا يصرّ جميع الثيولوجيون أنّه لا يمكن أن تكون هناك أخلاق، أو عجالة، أو نزاهة أو خير دون الإيمان بوجود سلطة إلهية قدسيّة؟ بالاعتماد على الخوف والأمل، هذه الأخلاق كانت دوماً منتجاً سقيماً، متشبّعا جزئياً بالأحقية أو الأفضلية الذاتية، بالنفاق. أمّا بالنسبة للحقيقة والعدالة والخير، فمن هم الذين كانوا الدّعاة الشجعان والجريئين؟ في أغلب الأحيان كانوا السيئين والطّغاة: أمّا الملحدون، فقد عاشوا، وقاتلوا وماتوا في سبيل تلك القيم. كانوا يعلمون أنّ العدالة والحقيقة والخير ليست قيم موجودة في السماء، أو هي عبارة عن قيم أفلاطونية موجودة في عالم مثالي مفارق، بل إنها متعلّقة بهم ومرتبطة بالتغيّرات الكبيرة التي تحصل في الحياة الاجتماعية والمادية للجنس البشري، فهي ليست ثابتة أو أزلية، بل إنها متغيّرة وخاضعة للصيرورة، حتى بالنسبة للحياة نفسها. إلى أين ستصل فلسفة الإلحاد في مسعاها، وما هي المرتفعات التي ستبلغها، لا يمكننا التنبّؤ بذلك. ولكن يمكن توقّع هذا الحدّ: لن تتطهّر العلاقات الإنسانية من عوالق الماضي البائس إلا بواسطة نار التجديد.

بدأ الناس طيّبو القلب بإدراك حقيقة أنّ تلك القيم الأخلاقية، التي فُرِضَت على البشرية من خلال الإرهاب الديني، أصبحت نمطية وتقليدية وفقدت حيويتها ونضارتها. وأيّة نظرة سريعة على الحياة اليومية الحالية، على سماتها المتحلّلة، على مصالحها المتعارضة مع بغضائها، جرائمها، وجشعها، كافية لإثبات عقم المبادئ الأخلاقية الثيولوجية.

على الإنسان أن يعود إلى نفسه، وأن ينظر داخل أعماقه، قبل أن يتمكّن من تعلّم علاقته مع أقرانه. تمّ تقييد بروميثيوس على صخر العصور من قبل وحُكِمَ عليه بأن يبقى فريسة لصقور الظلام. حَرّر بروميثيوس من أغلاله وسينجلي الظلام بكلّ أشباحه وكوابيسه وغيلانه.

إنّ الإلحاد بنفيه لوجود الآلهة هو في نفس الوقت أقوى تأكيد على الإنسان وعقله وقدراته، ومن خلال الإنسان -الهدف الرئيسي والوحيد للحياة- فالإلحاد هو القبول الأزلي للحياة، والغاية، والجمال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق