فلسفة الثورة 2/1

المتحمسون لفكرة العنف الثوري ضحايا للمنطق الثوري القديم حيث كان المجتمع “محكوماً بالسيف والسوط. لا يعرف الانتخاب إلا نادراً. ولذا كانت الحركة الاجتماعية عنيفة وبطيئة. حيث يثور المحكومون بالسيف فيقابلهم الحكام بسيف مثله ويبدأ التطاحن الدموي إثر ذلك. “وعليه لابد من تضافر سلاحين كما يقول علي الوردي، سلاح السّيف وسلاح القلم” فلم تنجح ثورة في التّاريخ من غير أقلام قويّة أو ألسنة تدعو إليها وتنشر مبادئها بين النّاس. فالسّيف وحده لا يكفي لتدعيم مبدأ من المبادئ الثورية. فإذا لم تتبدل القيم الفكرية ويخلع النّاس عن عقولهم طابع الخضوع والجمود عجز السيف عن القيام بثورة ناجحة”. (1)

 

كان العنف هو الوسيلة السائدة للمجتمعات في حركتها نحو التغيير والثورة، واستمرار هذه الوسيلة حتّى الآن – في سوريا وقبلها ليبيا، واليمن إلى حدّ ما – يشير إلى عدم شيوع وسائل التغيير السلمية الديموقراطيّة – صناديق الاقتراع والعصيان المدني. يمكن عزو ذلك إلى تزوير الانتخابات من قبل الأنظمة الفاسدة في حالة الانتخابات “الديموقراطية الصورية” أو لعدم السّماح لقوى التجديد السلميّة بالإفصاح عن نفسها بطرق سلمية هادئة. ويبقى العصيان المدني وسيلة أخرى إضافية فعالة لم تفلح الشعوب العربية في استخدامها وربّما يعود ذلك إلى شيوع فكرة العنف كوسيلة للثورة وغياب أو عدم شيوع الأفكار الثورية السلمية والفكر الحر بين الثوار. يحدث هذا مع الإقرار بوجود فتاوى فقهية سائدة لا تبيح العنف كوسيلة لتغيير الحاكم الجائر فكان الأحرى أو المتوقع أن تساعد وتُحرض تلك الفتاوى الدينيّة جموع المؤمنين أو المواطنين للبحث عن وسائل أخرى سلميّة لتغيير الحاكم عوضاً عن وعظهم بالرّضا والصّبر على جور هؤلاء الحكام .

 

القارئ لتاريخ الحكم العربي الإسلامي يعرف أن أغلب الحكام يدركون بأن الفكر الحر وسيلة من وسائل التغيير أنجع من وسائل العنف، ففي حالة العنف جابه الحكام العنف بعنف مثله أو أشد، ولمجابهة الفكر الحر فقد “منعوا كل جدل أو تفكير حر مخافة أن يؤدي هذا الجدل إلى الشك في التقاليد “المقدسة” وإلى الاعتراض على الحاكم الظالم لعلمهم بأن الجمود الفكري والخضوع للسلطان أمران مترادفان فقالوا “من تمنطق فقد تزندق” و “ومن خرج على الحكام فقد كفر”. (1) نفهم من هذا أن العنف كوسيلة لتغيير الحكام ستظل ظاهرة طبيعية مرافقة لأي ثورة في المجتمعات التي لا تستطيع أن تبدل حكامها بوسائل سلمية ديموقراطية ما لم ينتشر الفكر الحر وتسود الأفكار السلميّة الديموقراطية.

 

 

وسائل تغيير الحكام قديما وحديثا 

 

جاء الإسلام بنظام جديد للتغيير ولإدارة شؤون الدّنيا وللفصل بين النّاس في أمورهم الدنيويّة تمثل في مبدأ “الشورى”. لكن هذا المبدأ – ككثير من غيره من المبادئ الثورية التي أحدثها الرسول – بقى مفهوما نظريا ولم يجد طريقه للتطبيق على نحو عملي إلا في حياة الرسول وسرعان ما غُيب بعد موته فعاد الصحابة وهم تحت سقيفة بني ساعدة لأعراف البداوة والعصبية وقوانينها في التغيير والاستيلاء على السلطة بالقوة والغلبة وبأسلوب يبدو شوروياً في الظاهر يسمى “المبايعة” والذي غلب عليه الإكراه في كثير من الأحيان.

 

عاد مبدأ “الشورى” على يدي الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، لكن الناظر في مجلس شورى عمر يدرك إلى أي مدى أساء عمر لمبدأ الشورى حين جعل أعضاء مجلسه مقتصراً على القرشيين متجاهلاً الأنصار وبقية مراكز القوى التي ما كان له أن يغيبها لولا طغيان مبدأ العصبية والعشائرية وقيم القبلية. تلك القيم التي أتى الإسلام ليقضي عليها أو ليحد منها ويستبدلها بقيم العدالة والمساواة والأُخُوة. ثم ما لبث أن مات مبدأ الشورى وعلى نحو نهائي على يدي معاوية بن أبي سفيان حين جعل “التوريث” وسيلة لتداول السلطة استمرت حتى منتصف القرن العشرين تخلل هذه المدة ثورات كانت تأتي بأسر حاكمة مكان أخرى تتبع نفس نمط التوريث ولما ألغيت الخلافة وانتهى الاستعمار الأجنبي حل “الانقلاب” و “الاغتيال” كوسيلة لتغيير الحكام ثم “الاستفتاء” لتأبيد أمد حكمهم. وكانت القاعدة استبدال حاكم طاغية مكان آخر مع بعض الاستثناءات التي حولت قليل من الانقلابات إلى ثورات نتيجة لبعض الآثار الإيجابية التي أحدثتها لاحقاً.

 

وكان مقررا للتوريث أن يعود كوسيلة لتداول السلطة – من خلال “الانتخابات الصورية” أو صناديق الاقتراع – حتى في الجمهوريات التي تحول دساتيرها دون ذلك. فطُبق في سوريا وكان مقررا له أن يطبق في ليبيا ومصر واليمن وغيرها من الجمهوريات العربية لولا ثورات “الربيع العربي”. 

بهذا الاستعراض السّريع لوسائل تغيير الحكام المعتمدة عربيا وإسلاميا نَخلُص إلى أن العرب والمسلمين لم يختبروا أية تجربة ديموقراطيّة حقيقية في تغيير الحكام. فهل سيكون “الربيع العربي” وسيلة جديدة لتغيير الأنظمة شكلاً ومضموناً أم سيكون كغيره من الوسائل السابقة أداة لتغيير الشكل دون المضمون؟

 

 

وقود الثورات

يعتقد البعض من المتحمسين المثاليين من الثوار بأن ما يصنع الثورة هو حجم التضحيات التي يقدمها المؤمنون بها: عدد الشهداء وكمية الدم والعرق والدموع والأطراف المبتورة والعيون المفقوءة إلى آخر التضحيات المادية. لكن هذه التضحيات مهما عظمت ليست أكثر من مقدمات أو مدخلات تقليدية هي بمثابة وقود للثورات في عهودها الكلاسيكية يسبقها مدخلات أو مقدمات أكثر أهمية تتمثل في الوعي والفكر الثوري الذي ينير طريق الثورة ويصبح معها لون الثورات الحديثة برتقالي سلمي بعد أن كان أحمر قانٍ.

 

وفي كلا الحالتين لا يكون الحكم على نجاح الثورات بالمقدمات بوقودها البشري والفكري فقط بل في النتائج التي تفضي إليها الثورة ونسبة ما تحققه من أهداف. فليس شرطاً أن تأكل الثورة أبناءها وليس مهماً أن تقدم قربانا لها لتنجح أو لتفشل. وليس مهماً أن تكون ثورة برتقالية أو قرمزية أو بلا لون. المهم هو تحقق الأهداف التي خرجت من أجلها. ويقاس نجاح الثورة أو فشلها بنسبة تحقق تلك الأهداف. وفي غالب الثورات العربية يتمّ صياغة تلك الأهداف على هيئة بنود مكتوبة غالبا بعد تحقّق البند الأول منها مثل “القضاء على الاستعمار” في سياق الثورات الكلاسيكية أو “إسقاط النظام” في سياق ثورات “الربيع العربي” وفي كلا السياقين لا يلتفت الكثيرون إلى إمكانية استبدال استعمار خارجي بآخر داخلي أو استبدال نظام قديم بآخر جديد مع بقاء نفس المضامين.

 

تعتبر المغامرة والحماس والإجماع أو شبه الإجماع عناصر مهمة لأي ثورة لكنها ليست وحدها الكفيلة لضمان نجاحها وينقصها المكونات الفكرية أو البرمجية وتتمثل في ضرورة توفر “فلسفة الثورة”: فكرها الذي ينير لها طريقها. فالثورة التي يقوم بها مليون أو مليوني ثائر دون تنظيم ودون التمكن من إقناع حزب الصامتين، فضلا عن إقناع المؤيدين للنظام بعدالة قضيتهم، والثورة التي ليس في رصيدها من عوامل النجاح سوى خبر تناهى إلى أسماعهم عن نجاح ثورة في تونس وأخرى في مصر وكأن مفهوم الثورة لم يكن من قبل، والثورة غير المكتفية ذاتياً وداخلياً بسواعد أبنائها وتمويلهم، التي تكون عوامل نجاحها، فبقاؤها وصمودها مرتبط بالدّعم الخارجي، هي ثورة في مهب الريح. فلا يوجد ثورة أتاها الأمل من الخارج إلا وفشلت في تحقيق أهدافها. فقد أسهم المجاهدون العرب في طرد الاحتلال السوفييتي لكنهم كانوا أداة لدخول المحتل الأميركي، وأتت المعارضة العراقية على ظهر دبابة أميركية فرحل صدام ولم ترحل الدبابة والسيطرة الأميركية. حتى التدخل المصري العربي لصالح ثورة 1962 اليمنية لم يفلح في التخلص من جذور الملكية الإماميّة. وفي التاريخ مزيد من الأمثلة.

 

 

الفكرة الثورية يجب ألا تنتصر بالعنف

الذي يلفت نظر الثورة – أو الثوار – إلى خطورة تبديل الشكل مع بقاء المضمون هم فلاسفة الثورة أو مفكروها. ففي سياق ” الثورة السورية ” الحديثة – على سبيل المثال – توفر لها مفكرون “مؤيدون” وآخرون “معارضون”. مع التسليم بأن كلا الفريقين يضعان مصلحة سوريا أولاً، لكن شتان بين مفكر عقلاني – “معارض” و “متشائم”- عينه على المستقبل وينظر للعواقب من خلال النظر في معطيات الواقع المعقد وإشكالياته وبين مفكر آخر – “مؤيد ومتفائل” – عينه على المستقبل أيضاً لكن يحدوه الأمل وتغلبه الحماسة فيغفل تأمل المشهد المعقد على أرض الواقع أو يسيء تفسيره أو تحليله.

 

أدونيس نموذج للنقاد والمفكرين الذين صُنِّفوا على أنهم يقفون موقفا معارضاً من الثورة السورية وذلك من خلال النظر في رسالتيه المفتوحتين لكل من الرئيس بشار الأسد والمعارضة. لكن بعد مرور مدة ليست بالقصيرة على الرسالتين والأحداث المؤلمة في سوريا ندرك إلى أي مدى كان يمكن أن يسهم فكر أدونيس وغيره من المفكرين في تجاوز أو تفادي الكثير مما حدث ويحدث هناك لو لم يصم كلا الطرفين – نظام ومعارضة – أذنيه لشروط أدونيس التنويرية لضمان نجاح الثورة وتفادي تكرار اجترارها لمضمون النظام السابق.

يقول أدونيس موجها خطابه للمعارضة:

“كل تغيّر في أي ميدان لا يمكن التعويل عليه، إذا لم يكن صادراً عن إعادة نظر جذرية، وعلى نحو شامل، في هذا الأساس. هذا، إذا كانت الغاية من التغيير بناء مجتمع جديد، لا مجرد اختزال يتمثل، على الطريقة التقليدية السياسية في “الإطاحة بالنظام سريعاً وبأي ثمن”. المعارضة، خصوصاً في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ العرب، إما أن تكون على مستوى التاريخ والمستقبل: عملاً لبناء مجتمع مدني إنساني جديد، وإما أن تندرج في سياق المعارضات التقليدية: الاكتفاء بتغيير النظام القائم، سياسياً.

ويستهل رسالته المفتوحة للرئيس بشار قائلاً:

” السيد الرئيس، لا يصدّق العقل ولا الواقع أنّ الديموقراطية سوف تتحقق في سوريا، مباشرة بعد سقوط نظامها القائم. لكن بالمقابل، لا يصدق العقل ولا الواقع أن يظلّ النظام العنفي الأمني في سوريا قائماً. وذلك هو المأزق من جهة، لا تنشأ الديموقراطية في سوريا، إلا بعد نضال طويل، وإلا ضمن شروطٍ ومبادئ لا بدّ منها. لكن، لا بدّ من التأسيس لذلك، ومن البدء، الآن لا غداً. من جهة ثانية، بغير الديموقراطية، لن يكون هناك غير التراجع وصولاً إلى الهاوية”.

 

تكمن الإشكالية كما رآها البعض في تعويل أدونيس على النظام الديكتاتوري القائم في تأسيسه للديموقراطية الحقيقية وقد قضى عقود من حكمه في تقويضها. وهي إشكالية ذات بعدين، بعد يكمن في النظام، ليس في استحالة تأسيسه لديموقراطية حقيقية بل في عدم رغبته في ذلك. والبعد الآخر يكمن في المعارضة التي تفتقر للشروط أو للبنية الثقافية والاجتماعية القبلية اللازمة لتأسيس الديموقراطية وفي غياب مفهوم الحرية كمرجعية في برنامجها الثوري. أعتقد بأن أدونيس حسب المسألة زمنيا على ضوء المثل القائل “اختر أهون الشرين” أو أقصر الطرق للتأسيس للديموقراطية فقضى بإمكانية استجابة النظام لندائه العاجل أقرب من إمكانية استجابة المعارضة. بمعنى آخر تأسيس الديموقراطية لا يحتمل مزيدا من الانتظار وأن الوقت لا يسمح للتأسيس لها من خلال استلهام التجربة الغربية في الديموقراطية، فذلك يتطلب زمنا ليس بالقليل وأن الأولى والأجدر فرضها أو التأسيس لها من فوق. من جهة أخرى يرى أدونيس بأن القادم الجديد محمولا عبر سفينة “الربيع العربي” نقيض للديموقراطية وبالتالي سيعمل على تقويضها لا التأسيس لها. والأهم أن الفكرة الثورية والديموقراطية لا يجب ولا يمكن أن تمر من خلال بوابة العنف.

نموذج لمفكر سوري آخر هو جورج طرابيشي كان قد سبق أدونيس والربيع العربي بزمن في التحذير مما هو قادم حين كتب: “إن المجتمعات العربية تدفع اليوم غاليا ثمن تغييب البورجوازية وإفقادها اعتبارها الإيديولوجي، ليس فقط على شكل أنظمة سلطوية فوقية تنزع إلى تأييد نفسها في “جمهوريات وراثية” بل كذلك على شكل حركات شعبية تحتية، واعدة أو منذرة بشموليات من نوع جديد وأكثر جذرية بما لا يقاس في القطع مع الديمقراطية وقيم الحداثة. ففي ظل غياب البديل البورجوازي، فان المعارضة الشعبية للديكتاتوريات القائمة لا بد أن تأخذ شكل صعود محتوم لمد الأصولية، ولاسيما في الشروط العينية للعالم العربي الذي يتحكم في مقاديره، منذ لا يقل عن ثلاثة عقود، التوظيف الإيديولوجي والثقافي للدولارات النفطية لصالح الأصولية الإسلامية”. (2)

 

سنستكمل رحلتنا لاحقا ومطولا مع طرابيشي للتعرف على شروط التأسيس للديموقراطية والدّولة المدنية ولنقف عند سياسي ومفكر يمني هو الدكتور ياسين سعيد نعمان كنموذج لمفكر أضاء طريق الثورة اليمنيّة بكتيب صغير الحجم عظيم القيمة سماه “إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة” حمَّله خلاصة فكره لمسار ثورات تاريخية جعلت من العنف مدخلاتها الوحيدة فلم تحصد كمخرجات سوى العنف واستبدلت نظام قمعي بآخر من طينته. وهو في تنويره للثورة الحق يقول بالثورة السلمية لكن ولأن هذا الفكر على مستوى التنظير لا على مستوى الشعارات أو المسار السياسي قد تأخّر إلى حدّ ما – فبراير 2012 – وكذا عدم حضوره في أذهان أغلب الثوار، فقد تخلل العنف – المحدود – سياق الثورة اليمنية.

 

يقول نعمان تحت عنوان ( الفكرة الثورية يجب ألا تنتصر بالعنف ): “المزاج الثوري بطبيعته يعج بعناصر العنف مما يجعله مؤهلاً وميالاً لممارسته ما لم يتمكن العامل السياسي والثقافي للثورة من تكوين منظومة ضبط قيمية قوية في ميدان الفعل الثوري وبين الجماهير، وعلى مستوى رفيع من الثقة والتفاهم بين أطراف هذه العملية تمنع المغامرة بصورها المختلفة وتحد من نزعات التفرد والانتقام. “وأن” الحركات الشعبية والثورات والعمليات الاجتماعية المصاحبة ما لم تنضبط للقيم التي تميزها عن “الخصم” الذي ثارت عليه فإن عنفوانها قد يقودها إلى طريق العنف واستخدام أدوات ذلك الخصم نفسها بما في ذلك ثقافته وخطابه”.

السياسة في حالة الثورة اليمنية سبقت الثورة – أو سرقتها وفقا لتعبير البعض الغاضب ممن يحبذون طابعها العنفي ويجهلون عواقب هذا الخيار – بالرغم من جدل خروج الأخيرة قبل الأولى أو إخراج الأولى للأخيرة إلى ساحاتها. فكانت النتيجة أن “استطاع المسار السياسي أن يحمي الثورة بأن جسد بالملموس طابعها السلمي، وكشف بالمقابل الطابع القمعي للنظام وهو ما كان له أثره البالغ على الموقف الدولي في الضغط على النظام للسير في طريق نقل السلطة والتغيير”. (3)

 

هناك من يقول إن حجم ونوع التنازلات التي قدمها المسار السّياسي اليمني المعارض لا يتناسب وحجم التضحيات التي قُدمت على الأرض من قبل الثوار لكن نعمان يرد بأن تلك التنازلات حددتها طبيعة الخيار السلمي للثورة والمضي به حتّى النّهاية وأن البديل له كان الوقوع في فخ العنف وهو مطلب النّظام الذي حاول جر الثورة إليه مراراً. لكن ما لم يذكره نعمان أن نجاح الثورة السياسية في تحقيق أهدافها مرتبط بنجاح الثورة الفكرية. بكلمة أخرى، الوعي بإشكاليات التأسيس للديموقراطية وللدولة المدنية مقدمة ضرورية لنجاح أهداف الثورة وهذا ما لم يتوفر للثورة اليمنية كما سنرى من خلال استعراض تلك الإشكاليات.

 

هذه الفلسفة الثورية التي تهدف إلى القضاء على العنف بأساليب سلمية وتحرص على بلوغ الأفكار الكبرى ذات البعد الإنساني بوسائل مغايرة لأساليب النظام الذي ثارت عليه عبَّر عنها وحذر منها الكثير من المفكرين والفلاسفة بأساليب مختلفة منهم إميل سيوران حين قال إنّ “الثورة الناجحة التي تستولي على السلطة، تتحول إلى ما هو عكس الاختمار والولادة فتكف عن كونها ثورة وتقلد ملامح النظام الذي قلبته، وكذلك أجهزته وطريقة عمله. وكلما بذلت جهدا من أجل ذلك زادت في هدم مبادئها والقضاء على حظوتها “. كما عبر عنها نيتشه بأسلوب لا يخلو من الطرافة حين قال إنّ “انقلاب الأفكار لا يليه مباشرة انقلاب المؤسسات، فالأفكار الجديدة تسكن ولوقت طويل بيت الأفكار السابقة المقوضة، لا بل تعنى به إذ ليس لها مكان تنام فيه”. وكأنهم يحذرون جميعاً بأساليب مختلفة من مغبة تقليد الثورة لمضمون من تثور عليهم.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق