فلسفة الثورة 2/2

فلسفة الثورة 2/1 (…)

مفهوم الثّورة

طالما أنّ التّعريف الحقيقي للثّورة أياً كانت فلسفتها يكمن في تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها ففي هذه الحالة ستفقد الكثير من ثورات “الرّبيع العربي” معناها، ذلك أن هدفها المرحلي الذي تمثل في شعار “الشّعب يريد إسقاط النّظام” لم يتحقّق منه سوى جزء يسير في حين أنّ هدفها النّهائي المتمثل بإقامة الدّولة المدنيّة ما زال في طور الحلم.

الحال أن النّظام السياسي في اليمن لم يسقط تماماً ببقاء رأس النّظام حراً طليقاً ومحصناً ويمارس العمل السياسي بأشكال شتى هو وبقية أفراد أسرته الذين يسيطرون على جزء كبير من السّلطة بما يمتلكونه من ثروات منهوبة ونفوذ عسكري. فيما جزء آخر من النّظام القديم مسيطر فعلاً على الثورة كضريبة طبيعية لانضمامه إليها. وعلى فرض تمكن “ثورة الفرصة الأخيرة” أو قادة المسار السياسي السلمي من الإطاحة التامة بأقنوم النظام الأسري فهناك أقانيم أخرى تمثل إشكاليات في طريق الثورة والديموقراطية والدولة المدنية.

 

ليس من المنصف الحكم على نتائج أي ثورة من خلال عمرها القصير فتقييم كهذا يستدعي التريث خمس سنوات على الأقل. لكن بما أن الهدف المرجو من الثورة كمحصلة نهائية أو هدف أخير هو إقامة “دولة مدنية” تكون فيها المرجعية لسلطة الدولة ويكون الكل فيها أمام القانون سواء وتسودها قيم الحرية والعدالة الاجتماعية فبوسعنا الحكم على فشل الثورة منذ الآن ليس فقط من خلال غياب مفهوم الدولة المدنية لدى حزب الإصلاح – وهو أكبر الأحزاب المعارضة في اليمن وفي تكتل اللقاء المشترك المعارض الذي يشارك في نصف الحكومة اليمنية اليوم – أو من خلال تأجيل البت في هذا المفهوم لما بعد انتخابات 2014 كما جاء على لسان اليدومي – أحد القادة المؤسسين لحزب الإصلاح – في لقاءه مع قناة الجزيرة، لكن أيضاً من خلال اعتبارات أخرى قائمة على أساس أن إسقاط النظام ممثلاً بأقنوم الزعيم ليس إلا مشكلة قابلة للحل أو خطوة أولى تعد يسيرة إذا ما قورنت بإشكاليات أخرى أشدّ رسوخا وتجذراً – تقف في طريق الثّورة وهدفها المتمثل في إقامة دولة مدنية – ويستدعي إسقاطها في سبيل تحقيق “الدّولة المدنيّة”.

 

هناك عاملان أسهما في نجاح ثورتين من ثورات “الرّبيع العربي” وأعني بهما الثورة التونسيّة والثورة المصرية وأعني بالعاملين خلوهما من العنف والعنف المضاد وعدم انضمام رموز من النظام القديم إلى سفينة الثورة. والذي أسهم في ترسيخ هذين العاملين الطابع المؤسساتي للدولة في ظل نظامها القديم. في حين فشلت ثورتين في تحقيق هذين العاملين هما الثورة الليبية والثورة السورية ونجاح الثورة الليبية في إسقاط النظام لا يعد دليلاً على نجاح تحقيق أهدافها حتى الآن. وفي حين فشل نظام علي صالح في اليمن إلى جر الثورة إلى فخ العنف والحرب الأهلية فقد نجح في ترحيل جزء منه لينظم لركب الثورة وجزء آخر يساهم مناصفة في حكم اليمن اليوم. نجاح نظام بشار الأسد في جر المعارضة إلى فخ العنف كان سببا من أسباب تأخير سقوطه مثلما كان العنف سبباً في تأخير سقوط القذافي لولا التدخل العسكري الدولي.

 

 

إشكاليّات الديموقراطيّة والدّولة المدنيّة

شعار “الدّولة المدنيّة” هو السّائد كهدف بعد “إسقاط النّظام” في ثورات “الرّبيع العربي” لكن هل سيحظى هدف “الدّولة المدنيّة” بنصيب من التّطبيق العملي على أرض الواقع؟

 

 

المشكلة والإشكاليّة:

“المشكلة هي بالتّعريف كلّ مسألة يمكن حلّها والإجابة عنها بعد الدّرس والتقصي بطريقة علميّة أو برهانيّة. لكن الإشكاليّة بالمقابل هي كل مسالة أو مجموعة مسائل تكتنف الإجابة عنها صعوبات وتبدو قابلة لأجوبة متعددة، بل وأحيانا متناقضة، هذا إن لم تستوجب أصلاً تعليق الحكم بانتظار توفر شروط أفضل للإجابة. باختصار، لنقل إن الإشكاليّة – بخلاف المشكلة – لا تتحرّى عن جواب، بقدر ما تعنى بصياغة السّؤال وبسوقه إلى مجال الوعي وبالتّحريض على البحث عن جواب أو بالأحرى عن أجوبة”. (2)

 

 

أولاً – القَبَلية والمذهبيّة والطائفيّة 

مع أن كثير من القبائل اليمنيّة أسهمت في نجاح الثّورة – مثلما أسهمت في نجاح ثورات سابقة – إلا أن انضمام هذه القبائل للثورة لم يكن دافعه إيمان شيوخها بمبادئ الثورة أو السّعي لتحقيق أهدافها بقدر ما كان حسابا لمصالحهم ومكاسبهم الشخصيّة أو القَبَلية منها. يرادف إشكاليّة القبليّة والمذهبيّة في اليمن الطائفيّة في بلدان عربية أخرى. والقبيلة في اليمن تحظى بتبجيل كبير من قبل قطاع كبير من النّاس – هم قوام الدّولة المدنيّة – فضلا عن كثير من النّخب الحزبيّة والسياسيّة و”المثقفة” التي تطالب بدولة مدنيّة في نفس الوقت الذي تبجل فيه القبيلة أو تقتات على وجودها.

 

تكمن خطورة القبيلة في تشكيلها دول داخل الدّولة بما تملك من نفوذ وسلاح ومقومات عسكريّة وتمويل من الخارج وكذلك في تمدد نفوذها وسطوتها في النّسيج اليمني لدرجة أن يقترح أو يتمنى البعض – من سكان المناطق التي لا تعيش في ظل نظام قَبَلي أو مشيخي – اختراع القبيلة أو العودة إليها في حال اندثارها هناك. جانب آخر من مشكلة القبيلة يكمن في إنكار وجودها وادعاء أن الشعب اليمني “شعب غير قبلي وأنّه شعب متمدّن”بطبيعته” كما جاء على لسان اليدومي في نفس اللقاء مع قناة الجزيرة وكما عبر عن ذلك أكثر من “مثقف” رداً على هيكل عندما اختزل ثورة اليمن بأنها “قبيلة تريد أن تتحول إلى دولة”.

 

 

ثانياً – العسكر 

العسكر مكون أساسي من مكوّنات النّظام القديم. هؤلاء أيضاً حجزوا مقاعدهم في سفينة الثّورة. والمشهد الواقعي يبين أنّهم لا ينوون التّنازل عن مواقعهم ويسعون لترتيب مقاعد السّياسة ليكون لهم نصيب مهم من كعكة “النّظام الجديد” وهو ما يعده البعض التّمهيد لحكم عسكري بواجهة مدنيّة. وقد يكون من السّهل التغلب على هذه الإشكاليّة وعدها مجرد مشكلة لو لم يكن قطاع مهم من الجماهير يؤمن بأهميّة القائد الفرد وبأهمية بروز العسكر على رأس السّلطة السياسيّة واعتقادهم بأن الحل يكمن في “ديكتاتورية عسكرية” تكون قادرة على فرض سلطة الدولة وهيبتها أمام الجميع.

 

 

ثالثا – الأيديولوجيات

يميل البعض إلى نزع اللون عن ثورات الربيع العربي ويضفي عليها صفة ولون الماء أو أنها ثورات بألوان قوس قزح منزوعة الأيديولوجيا. أعتقد بأن هذا القول يغفل حقائق مهمة مثل خروج المظاهرات أيام الجمع ومن الجوامع وبشعارات غالبيتها دينية ثم فوز اللون الأخضر / الإسلاميين في الانتخابات وغيرها من الشواهد التي تعطينا إشارات إلى لون الثورة السائد. كما أن القول السابق يتجاهل أو يتناسى أن مثل هذه الأطياف المتنوعة شاركت في صنع الثورة الإيرانية وصرنا نعلم اليوم من قطف ثمارها في الأخير.

 

تحقيق “الدولة المدنية” على أرض الواقع القَبَلي من قبل أحزاب لها خلفيات أيديولوجية – دينية، يسارية، قومية، مذهبية – أمر ليس بالمستحيل ولكنه في نفس الوقت صعب المنال إذا ما أضيف هذا العائق الأيديولوجي إلى العوائق الأخرى سالفة الذكر. يمكن أن ننظر لهذه الإشكالية من منظور إيجابي يقول أن التعدديّة والتنوّع يثري الحياة السياسيّة والاجتماعيّة ويصبح حلا أكثر منه مشكلة أو إشكاليّة. يحدث هذا حين يتجاوز المنتمون لهذه الطوائف، أو المتبنين لتلك الأيديولوجيات الطائفة أو المذهب أو الأيديولوجيات ليلتقوا حول مشروع علماني أو مدني واحد. والحاصل هو العكس حيث التمترس حول القبيلة والمذهب والعقيدة والأيديولوجيا.

 

تأجيل اليدومي الإجابة عن سؤال مفهوم حزب الإصلاح للدّولة المدنيّة لا يعني جهله بمفهومها بقدر ما يعني عدم إيمانه بها وفقا لمفهومها المتعارف عليه أو طموح حزبه لتعريف آخر لمفهوم الدّولة المدنيّة أو لشكل آخر “ديني” للدّولة وهو أمر طبيعي كون المتحدّث قيادي في حزب أيديولوجي إخواني. وقد يكون تأجيل الجواب قائم على انتظار ما قد تأتي به رياح السّياسة أو “حكمة الله” في الشهور القادمة وهو نوع من التّواكل السّياسي ليس بغريب أيضاً أن يأتي من قيادي متديّن يؤمن بأن “بقاء علي عبدالله صالح في اليمن – في الظروف الرّاهنة – لحكمة يعلمها الله” كما صرح في ذات اللقاء.

 

 

رابعا – الأكثريّة والأقليّة:

المشهد اليمني يشير إلى أن هناك أقليّة مدنيّة من خلفيات ثقافيّة متعدّدة ومتنوّعة تؤمن وتطمح إلى تحقيق هدف الدّولة المدنيّة في مقابل أكثريّة تؤمن بمرجعيات أخرى بديلة للدّولة متمثلة في القبيلة والعشيرة والعقيدة والمذهب. إشكاليّة غياب الإجماع أو شبهه تضاف إلى بقيّة الإشكاليات الأخرى التي تعترض طريق الدّولة المدنيّة. 

واقع الحال العربي يبين أن “الأكثريّة ليست أكثريّة حزبيّة أو كتلوية ينعقد وينفرط داخل البرلمان بل هي أكثرية مجتمعيّة دائمة توصف بأنها إسلاميّة أو مسيحيّة سنيّة أو شيعيّة عربيّة أو بربريّة أو كردية ( قبلية أو عشائرية ). ومثل هذا التصوّر السّكوني المؤقنِم لمفهوم الأكثريّة والأقلية من شأنه أن يتأدى في الممارسة الانتخابيّة إلى تصويت جماعي إجماعي ينتصر فيه الناخبون لمرشحهم من دينهم أو طائفتهم أو إثنيتهم (أو قبيلتهم أو عشيرتهم). (2)

 

 

خامسا – الثّمرة والبذرة 

أعيد طرح سؤالي طرابيشي عن إشكاليات الديموقراطيّة في سياق الحديث عن إشكاليات الدولة المدنيّة أيضاً:

هل الديموقراطيّة شرط مسبق أم هي نتيجة وحصيلة لتطوّر مجتمع بعينه؟ وهل هي ثمرة يانعة برسم القطف أم هي بذرة برسم الزّرع؟

قد يمكن فرض “العلمانيّة” – أو المدنيّة بصيغتها الملطفة – على نحو هرمي من خلال سلطة الدّولة أو قائدها المؤمن بضرورتها كما يقترح أدونيس في رسالته لبشار الأسد. وفي حال توفرت هذه السلطة أو ذاك القائد الملهم يبقى أمر بقاء هذه الدولة “المدنية” محفوف بالمخاطر والانهيار كون الدّعامة الرئيسيّة لشيوع مفهوم الدّولة المدنيّة هو وعي الأكثريّة بأهميتها فهم من سيدافعون عنها في وجه المخاطر التي تتهدّدها. ذلك أن الديموقراطيّة والمدنيّة بذرة برسم الزّرع لا ثمرة يانعة برسم القطف وأن الأفكار العظيمة لا يكفيها إيمان العظماء بها أو من يقفون على رأس هرم السلطة فقط بل وإيمان النخب المثقفة والأكثريّة من عموم الشّعب.

 

الوعي الجماعي بهدف أو أهداف الثورة مهم في نجاح هذا الشّعار وتطبيقه عمليا. والحال أن جميع القوى الطوائف المذاهب والأحزاب تكاد تكون مجمعة على هدف “إسقاط النظام” أما مشروع أو هدف “الدولة المدنية” فلدى كل جماعة مشروع دولة يختلف عن الأخرى والمشروع الأكثر حضوراً بين هذه المشاريع هو مشروع “الدولة الدينية”. وعلى أقل تقدير قد تتفق هذه الأطراف على مسمى “الدولة المدنية” لكن لدى كل طرف تعريف أو مضمون مختلف إن لم أقل مناقض لطبيعة تلك الدولة كما تفهما الأطراف الأخرى.

 

يمكن القول باختصار أن الثورات في البلدان الطائفية المذهبية العرقية القبلية والعسكرية قد تنجح في تحقيق هدف “إسقاط النظام” لكنها تفشل في تحقيق هدف “الدولة المدنية” التي قامت من أجلها ذلك أن حلفاء الأمس واليوم يصبحون أعداء الغد ففي ذهن كل واحد منهم مشروع دولة يختلف عن الآخر.

 

 

سادسا – غياب أو تغييب البورجوازيّة

يرى طرابيشي أن غياب أو تغييب البورجوازيّة يمثل إشكاليّة كبرى في طريق تحقيق الديموقراطيّة حيث يقول إنّ “الديموقراطية وإن لم تتواجد حيثما تواجدت البورجوازيّة فإنّها تغيب حيثما غابت ونحن هنا بإزاء قانون إن لم يكن بالمعنى الطبيعي، فبكل تأكيد بالمعنى التّاريخي. ومن خلال استعراض الأمثلة التاريخيّة لتجارب الاشتراكيّة السوفيتيّة والعالم الثّالث، لنا أن نحكم بأنّ جميع المحاولات لبناء ديمقراطية في ظل تغييب البورجوازية قد باءت بالفشل. وبما أن الماركسية هي صاحبة اليد الطولي في إفقاد البورجوازية اعتبارها التاريخي فلنستعن إذاً بالمعجم الماركسي لنقول أن البورجوازية هي الحامل الطبيعي للديمقراطية وبانعدامه تنعدم”. (2)

 

 

سابعا – الخصم أو العدو الخارجي

مشروع الدولة المدنية في اليمن – على سبيل المثال – قُتِلَ بمقتل الرّئيس إبراهيم الحمدي – في أواخر سبعينيات القرن العشرين – ودُفن معه. لكن من حسن حظنا المعاصر فإن إحياء الموتى أو بعثهم أصبح ممكنا لكن ليس بعيسى ومعجزاته ولا بالله وقدراته فعملية الإحياء والبعث الحداثية لم تعد تتطلب المعجزات في وقتنا الحاضر بقدر ما تطلب الوعي بالبنية الفكرية التي تقوم عليها. قتل الحمدي دليل كافٍ على أن المشاريع العظيمة تجهض بقتل أصحابها عند غياب الدعم الجماهيري لها. الأصابع تشير إلى أن العدو الخارجي الذي يوصف بأنه “دولة شقيقة” هو من أمر بقتل الرئيس الحمدي وهو من وقف وما زال كمشكلة – وليس كإشكالية هذه المرة – ضد أي مشروع نهضوي في اليمن.

 

الذين قتلوا أو أجهضوا مشروع الدولة المدنية التي أرسى قواعدها الرئيس الحمدي هم أنفسهم من يصنعون تاريخ اليمن اليوم أو يسهمون بالنصيب الأوفر من هذا التاريخ وهم المملكة السعودية وشيوخ القبائل وشيوخ الدين وقواعدهم. فكيف لهؤلاء أن يؤيدوا مشروع الدولة المدنية كما فهمها الحمدي أو كما يعرفها قاموس السياسة ؟

 

 

ثامنا – إشكاليّة الصندوقين

أقتبس ما ختم به طرابيشي إشكاليات الديموقراطية بإشكالية “صندوق الاقتراع وصندوق جمجمة الرأس” وهي إشكالية ذات طابع ثقافي وتعتبر أهم إشكالية من وجهة نظري: “فالديموقراطية هي في التحليل الأخير ثقافة ومنظومة قيم متضامنة. وفي مجتمع لم ينجز تحديثه المادي والفكري ولم يستكمل ثورته التعليمية فإن الموضع الأول لتظاهر الديموقراطية ليس في صناديق الاقتراع وحدها بل كذلك وربما أولاً في الرؤوس. فالديموقراطية لا يمكن أن تكون نظاماً فصاميا.

 

 فهي لا يمكن أن تكون نظاماً للحكم بدون أن تكون نظاماً للمجتمع. وليس لها أن تسيِّر العلاقات بين الحكام والمحكومين بدون أن تسيّر العلاقات بين المحكومين أنفسهم. ومع أنها بالتعريف نظام للدولة فإنها بالجوهر نظام للمجتمع المدني. مع ذلك لا وجود لديموقراطية سياسية بحتة. فالديموقراطية هي بالأساس ظاهرة مجتمعية والمجتمع هو في المقام الأول نسيج من العقليات. ولئن تكن الحرية الديموقراطية تنتهي لا محالة إلى صندوق الاقتراع فإن الصندوق الأول الذي تنطلق منه وتختمر فيه هو جمجمة الرأس. وإن لم يتضامن صندوق الرأس مع صندوق الاقتراع فإن هذا الأخير لن يكون إلا معبراً إلى طغيان غالبية العدد. ولئن يكن الانتخاب أهم آليات الديموقراطية فإن الآلية الانتخابية نفسها غير قابلة للاشتغال دون زيت. وزيت الآلية الانتخابية للديموقراطية هو ثقافتها.

 

 ولنملك الجرأة على أن نعترف: فلئن تكن الأنظمة العربية القائمة تقيم العثرات أمام الآلية الديموقراطية فإن المجتمعات العربية الراهنة تقيم العثرات أمام الثقافة الديموقراطية. فالأنظمة العربية لا تتحمل انتخاباً حراً ولكن المجتمعات العربية لا تتحمل رأياً حراً. ومجتمع يريد الديموقراطية في السياسة ولا يريدها في الفكر ولا على الأخص في الدين ولا بطبيعة الحال في العلاقات الجنسية هو مجتمع يستسهل الديموقراطية ويختزلها في آن معاً. ومن الاستسهال – كما من الاختزال – ما قتل! (2)

 

يمكن في الأخير إيجاز نظرية الثورة فكرها أو فلسفتها في نقاط سريعة مختصرة بالقول أن:

الشرط الأول لإحياء مشروع الدولة المدنية يكون بالوعي بالإشكاليات سالفة الذكر والسعي للبحث عن أجوبة ممكنة لها. يلزمنا هنا الترويج أو التنوير لفكر عدم وجود تعارض جوهري بين قيم العلمانية وجوهر المدنية وبين قيم ومنهج الأديان في سعيها لاستخلاص الحلول. وهي عملية قد تتطلب عشرات السنين وكل المؤشرات تدل على أننا ذاهبون نحو دولة دينية لا تريد تطبيق مضمون الدّين ومنهجه روحه وجوهره بل تريد تطبيق مظهره أو شكله الخارجي المتمثل في الطقوس وتطبيق الحدود وتحقيق قدر من التنمية على حساب الحريات.

كل ثورة لا تنتقل بالمجتمع انتقالا جذريا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا، هي ثورة قاصرة، ولا يصدق عليها مسمى ثورة، حتى لو أسقطت نظاما وأقامت آخر.

شهد التاريخ العربي والإسلامي الكثير من الثورات أو الانقلابات – استبدال نظام حاكم أو طاغية محل آخر – لكن لم يؤدي أياً منها إلى ثورة فكرية اجتماعية تجعل من الحرية والتعددية مرجعيتها الأساسية.

 

هناك علاقة وطيدة بين الحريّة والمسؤوليّة فالحريّة تعني المسؤوليّة والشّعوب العربيّة تميل إلى أن يكون سيدها هو المسؤول الوحيد عن مصيرها ولذلك تفضل العبودية على تحمل المسؤولية. وما ينطبق على العبوديّة بشقها السياسي ينطبق على العبوديّة بشقها الدّيني حيث يشكل رجل الدّين – الشيخ المفسر الفقيه –المرجعية الأولى والأخيرة والبديل المريح لعملية التفكير وإجهاد العقل. وربما لهذا علاقة بتقدم الغرب فالفصل الذي حدث بين الدين والدولة هناك هو في الواقع فصل بين المسؤوليات وتحمل رجل الشارع لمسؤولية وجوده وتحمله لأعباء الحرية تلك الأعباء التي يفر منها رجل الشارع العربي ويلقيها على كاهل السياسي ورجل الدين. وشعار الأغلبية في هذا الأمر ما زال قائماً وهو أن “الإصلاح مهمة الإمام حصراً أما الشعوب فدورها يقتصر على الدعاء لمن غلب تسليما بالحتمية التاريخية وبالجبرية الدينية”.

 

 

الهوامش:

(1) علي الوردي – وعاظ السلاطين

(2) جورج طرابيشي – هرطقات 1

(3) ياسين سعيد نعمان – إشكاليات من واقع ثورة الفرصة الأخيرة 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق