فليمت محمد بوعزيزي! / سوسن الأبطح

نقلت صحيفة «لوموند» الفرنسية معلومات أدلى بها أحد مستشاري الرئيس التونسي المخلوع، مفادها أن زين العابدين بن علي لم يهتم كثيرا لخبر إحراق المواطن محمد بوعزيزي نفسه بالنار يأسا، وكانت إجابته مختصرة جدا ولا مبالية وهو يقول: فليمت! ويتضح من كلام مستشار الرئيس المخلوع أن الاتصالات بين تونس وباريس لم تنقطع قبل الإطاحة ببن علي. وإذا كان من المعروف أن وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل إليو ماري عرضت تدريب الشرطة التونسية لقمع المتظاهرين، فإن الجديد هو الكشف عن اتصالات ملحة كان يجريها، أثناء الثورة، النائب اليميني الفرنسي إريك راؤول بالنظام السابق في تونس، للتحذير من إتاحة الفرصة للإسلاميين.

 

الفزاعة الإسلامية هي الباب الذي نفذ منه زين العابدين بن علي، بالتواطؤ مع الغرب، لإحكام قبضته على الحريات وخنق المواطنين. وهو «البعبع» الذي استخدمته أنظمة عربية عدة، لإحصاء أنفاس مواطنيها. وقبل الإسلاميين كانت إسرائيل ذريعة «عروبية» ممتازة لممارسة مختلف أشكال الاستبداد. ولم تعدم الأنظمة العربية الحجج منذ الاستقلالات إلى اليوم، لشل قدرة شعوبها على الاعتراض، فما بالك بالاحتجاج أو الثورة؟!

 

لا تزال الولايات المتحدة الأميركية، ذات الاختراعات الذكية، مؤمنة بنجاعة هذا النهج البائد، على الرغم من إحراق ما يزيد على 10 مواطنين عرب أنفسهم خلال أيام معدودات، والآتي أعظم. فقد وصل كبير المستشارين الأمنيين لأوباما إلى الجزائر حتى قبل أن يصل زعيم «حزب النهضة» الإسلامي راشد الغنوشي إلى بلاده، لينادي من هناك بانتخابات تونسية حرة ونزيهة، مشترطة بعدم وصول الإسلاميين. فكيف تكون الانتخابات «حرة» و«نزيهة»، يا سيادة المستشار، مع حرمان مواطنين، كبر عددهم أو قل، من حقوقهم المدنية؟ فهل يجرؤ المسؤول الأميركي على الطلب من حلفائه الأوروبيين، أو الإسرائيليين، إجراء انتخابات لا مكان فيها للأحزاب اليمينية الدينية المتطرفة؟ ولماذا أخضع العالم أجمع للدستور الأميركي، الذي سمح بإعادة انتخاب جورج بوش الابن بنزعاته الدينية الغرائبية المتطرفة مرة ثانية للرئاسة، وليستكمل مشروعه الحربي باسم الديمقراطية؟

 

لعل المستشار الأمني الأميركي اختار المكان الخطأ لإطلاق كلماته المفخخة لما للجزائر من رمزية دموية.. فليست فقط هي الدولة التي لجأ إليها معارضون تونسيون إسلاميون، وإنما هي الضحية الكبرى في المنطقة العربية كلها لألعوبة إقصاء الإسلاميين واضطهادهم بعد أن فازوا بالانتخابات، ليتبعها نموذج حماس، وانفصال غزة، وحرب الأخوة التي لم تنته فصولها بعد. فهل يسعى الأميركيون لإبعاد الإسلاميين عن خوض الانتخابات منذ البدء، كي لا تتكرر التجربتان المأساويتان في تونس؟ وهل هذا هو الحل الناجع في بلد أثبت جدارته بانتزاع حريته؟

 

نخشى، أكثر من أميركا نفسها، وصول الإسلاميين إلى السلطة في أي بلد عربي، لكن الحكمة تقتضي الاعتراف بالجميع كي لا يتحول جزء من المجتمع إلى عصابات تعمل تحت الأرض. لو تركت للإسلاميين منذ الخمسينات فرصة أن يخرجوا من جحورهم وزنازينهم ويطوروا أداءهم السياسي في أجواء طبيعية، لما كانوا اليوم مشاريع انتحارية تنفجر أرضا وجوا. ولربما كنا نتمتع اليوم بالتعامل مع إسلاميين على الطريقة التركية.

 

الضغط والبؤس ونقص الأكسجين في الهواء لا تؤثر فقط على الإسلاميين وتحولهم إلى قنابل موقوتة، بل تجعل من أي مخلوق سُد في وجهه الأفق كتلة غضب قادرة على الاشتعال. التحريم الديني للانتحار لم يمنع حتى الأشد تدينا من التباهي بمحمد بوعزيزي ورفاقه الذين تبعوه. كل الفتاوى التي قد يعمل الرؤساء العرب على استصدارها من شيوخهم، لن تطفئ نارا أضرمها بوعزيزي في الجسد العربي، وهاهي تمتد لتصل إلى مصر وموريتانيا، كما لم تردع عشرات الفتاوى السابقة الانتحاريين عن تفخيخ أنفسهم.

 

الحل، بالتأكيد، ليس ذاك الذي حمله كبير مستشاري الرئيس أوباما للأمن القومي جون برينان، لينصح به العرب ويخجل من تطبيقه في بلاده؛ لأن نصيحته عار على الديمقراطية. الخلاص يكمن حتما بالاعتراف بكل التيارات في الوطن الواحد، والتعايش مع فكر من لا نشاطرهم الرأي، من خلال دستور محكم، يمنع تجديد الولاية الواحدة لأصحاب المناصب الرفيعة، ومراقبة شعب واع لساسته ومحاسبتهم.

 

المفاتيح الغربية لحل الأزمات العربية ثبت أنها صدئة وعاجزة عن فتح أي من الأبواب الموصدة. تسابق الحكومات العربية على إلغاء الضرائب، وتخفيض الأسعار وتوزيع المعونات، مجرد حقن مهدئة في جسد يتمزق. السلام مع إسرائيل لم يعد أولوية. الحروب الداخلية الصغيرة باتت أشد فتكا. الفقر يقتل، اليأس ينحر، والشبان المحرومون سيأكلون الأخضر وما يبس. ما يقارب 40% من مكونات المجتمع العربي من الشباب. العاطلون عن العمل الذين يسندون الحيطان ويفكرون، من الصباح حتى المساء، فيما عليهم فعله للخروج من مأساة الفقر، بينما تتمتع حفنة من المحظوظين بالمليارات، هؤلاء البؤساء باتوا بالملايين، وليسوا بحاجة لمن يقودهم أو يحرضهم على الجنون.

 

هذا لا يعني أن الثورات العربية ستندلع بالضرورة غدا، لكن تفادي الأسوأ يكون بالاتعاظ من «الصدمة التونسية». تقديرات دولية ترى أن على الدول العربية توفير 100 مليون فرصة عمل في العقدين المقبلين لمواجهة التحديات الجسام التي تواجهها، علما بأن النظام التعليمي العربي بات يوصف بـ«المتخلف» من قبل البنك الدولي، نسبة إلى دول نامية أُخَر. وتكمن المأساة في أن هذه الدول ليست لها إحصاءات أو دراسات علمية عن حقيقة وضعها الحالي (بحسب منظمة العمل العربية) فما بالك بتصور لخطط مستقبلية إنقاذية؟!

 

الخوف الأحمر من الإسلاميين لن يوقف المحرقة، الانغلاق وبناء السدود بين الجيران العرب لن يزيدنا إلا فقرا وتآمرا على ذواتنا. الحرية الخلاقة لن تكون فقط بانتخابات هزلية هنا وإقصائية هناك، وإنما بنحر الخوف، وتكسير السدود التي تحجب الأفق وربط المنطقة بقطارات متطورة، تزيد فرص الاستثمار، وتقلم مخالب التطرف الديني والعلماني على حد سواء.

 

عن جريدة الشرق الأوسط 20/1/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق