فوق ظهر العولمة

لا ريب وأنه كان من أقسى التمارين التي قيّض لي كروائية، القيام بها: مقابلة الواقع على أرضه، المواجهة ـ لا مع شخصيات بسيطة ـ وإنما مع أشخاص من لحم ودم، لجم مخيّلتي التي ما عادت تطيق صبرا عند عتبة تلك اللقاءات التي أنتظر دون أن أدري ما أنتظر منها، وقبول ولوج مغارة المجهول دون الاستعانة بأي من أدواتي المعتادة.

صحيح أن عيني الروائية التي اعتادت “تحريف” الواقع بغية جعله أشد تعبيرا وبلاغة، تتقن جيدا أصول التفكيك وإعادة التركيب بغية استئصال ما هو أكثر خفاء، أشد مقاومة وأكثر استعصاء. بيد أني أعرف هذه المرة، بأني لم أعد حرة. ذلك أني أخشى الإساءة. أخشى التلاعب. أن أبقى بكماء أو ألا اسمع.

على عتبة كل لقاء وكل اجتماع مع أهل “تيفلت” و”مقام طلبة”، البلدة والقرية الصغيرتان المغربيتان حيث أقمت ورش التعبير الشفهي التي أعمل إلى تطويرها إلى جانب محترفات للكتابة الإبداعية، كنت أفرغ و أمتلئ امتنانا لأولئك النسوة والرجال يقبلون أن يشاركوني اللعبة وأن يهدوني بكل سخاء وقتهم ـ وهو سلعة نادرة ثمينة جدا في عالم ريفي مصنوع من العوز والحرمان، ومتأرجح دوما فوق حبل يقود من الصراع على البقاء إلى الحياة، فيما هو يتوعّد عابرَه بمصير مأسوي عند أدنى عثرة. فهم كانوا يعرّضون أنفسهم وهم يعرضون أمامي، أنا الزائرة المزعجة التي سقطت سهوا في أيامهم الضيقة، كلامَهم. كلام بدا متهاديا هزيلا في البداية يشكو من الأسر والعتمة والعزلة. كلام كبلته الصدمات وقد اعتاد أن يوصف ويتصف بالإعاقة والجهل أو بالجنون. وكلام ممنوع لأنه مجبر باستمرار على مقاومة خوفه من أن يتجاوز الممنوع، أن يزعج أو يعصى.

هذا وتدرك محترفاتُ الكتابة والتعبير الشفهي التي أقترحها تموقعَها في عالم يسوده اللغط والارتباك حيث تكرّر أصوات عليا منذ فجر التاريخ جملا، شعارات، خطبا وحقائق تبدو وكأنها وليدة الحنجرة نفسها: حنجرة كونية تدلق على الرؤوس أطنانا وأطنانا من كلام حارق يحوّل العقول إلى تماثيل ملح.

محترفات للتعبير الشفهي مع مواطنين من العالم العربي من أجل فلق الحجر، نفض الغبار عن العقول، كسر القوالب وتحرير الكلمة ؟ مبادرة طموحة جدا ربما، لا ريب، غير أنها تتمتع على الأقل بكونها تحاول سبر أرضية الواقع والإدلاء بشهادة…
***
وصلت أخيرا إلى بلدة “تيفلت” وقرية “مقام طلبة” بتكليف من المنظمة الفرنسية غير الحكومية “بريدج إنيسياتيف” (Bridge initiative) لأداء مهمة تنشيط عدة محترفات للتعبير الشفهي مع مجموعة من المواطنين حول موضوع العولمة، وذلك في إطار التعاون مع مؤسسة زاكورة للقروض الصغرى المتواجدة على كامل الأراضي المغربية .

“جمهوري”، إذا صح التعبير، مؤلف بشكل رئيس من مجموعات من الرجال والنساء الأمّيين في أغلبيتهم (باستثناء مجموعة واحدة مختلطة من الشبان المتعلمين)، المعتاشين من الزراعة، تربية المواشي وصناعة البسط والسجاد .

ها هي المجموعة الأولى هنا، في مواجهتي. نساء من كل الأعمار مع أطفال رضع على الأذرع أو صغار مختبئين تحت العباءات الطويلة.
كل العيون تحدق بي. ترتسم بعض الابتسامات.

أتلفظ ببعض جمل التعارف من أجل كسر برودة لقاء أول: كلمة “روائية” لا يبدو أنها تعني لهن شيئا. على عكس كلمة “لبنانية” التي كالنار، أشعلتهن كهشيم. هوَذا إذن جسر أول قد امتد بيننا صنعته أحداثُ الصيف الأخير التي ضربت بلدي. أحزر في عيونهن الصورَ التي رأينها خلال 33 يوما على شاشات العالم كله. فورا، بدون متضامنات معي. عفويا، أردن إظهار تعاطفهن.

لقد امتد جسر وعليّ عبوره. بيد أن فكرة تعذبني استمرت تطرق رأسي: كيف أقارب هذا الشيء الغريب، عديم الشكل، المطاط، الذي يسمى العولمة ؟ كيف أخرج من جعبتي أمامهم هذه الكلمة الفارغة التي لن تقول لهن في الغالب شيئا ؟؟

أعرف جيدا بأنني لست هنا سوى كي أساعد على تحرير كلمتهن، لذا أحظر على نفسي لعب دور التي “تعرف” والتي جاءت لكي تشرح وتفسّر وتخطب. هكذا أجدني أرمي كل ما أعرف وكل ما قرأت من فوق ذاك الجسر، متخلّصة من كل المعلومات “الزائدة” من أجل بلوغهن وأنا “عذراء” تماما، كما لو كنت صفحة بيضاء.

وكالمنارة المشعة في ليل من الشكّ، يقودني خياري هذا ويطمئن قلقي: فتح باب النقاش دون اتباع رسم مسبق من أي نوع كان، الإبحار بدفع من كلماتهن وأوجاعهن والانقياد وراء ريح اللحظة والانفعالات، والقضاء على تلك الجمل الطفيلية المسايرة الجاهزة سلفا. الحضور طبعا، ولكن على مسافة كافية، ضرورية حتى، لكي لا يصبح القرب منهن تفاهة…
حسنا، ما هي إذاً العولمة بالنسبة لكنّ ؟

العولمة هي كم هائل من الأمور المتباينة غير المتصلة في ما بينها، في ما عدا جذر مشترك أحيانا يُدخل شيئا من اللغط بين كلمات من نوع عالَم / عولمة / عُلما، فإذا بالعَولمة تتحوّل مثلا إلى مجلس من العلماء المشرّعين الذين يحلّلون ويحرّمون في أمور الدين !

لكن، بعيدا عن أمثلة للتندّر والتفكّه، العولمة هي: العالم، الآخر، الخارج، المحيط، الغربة. منطقة غير واضحة المعالم، متحركة، مجزأة، غامضة، حيث يحدث أن تتخذ بعض المدن المغربية حتى، موقعا لها على خارطة النائي البعيد.

لقد كشفت النقاشات بشكل أساسي، لدى المشاركات والمشاركين مستويين في وعي العالم: الأول سياسي والثاني اقتصادي. لكن، في الحالتين، هو ذلك المربّع المضيء الذي يحتل عرش السيادة المطلقة في كل الدور ـ جهاز التلفزيون ـ ما يشكّل النافذة الوحيدة على العالم، نافذة مطلة على مشهد مركّب، محزن غالبا، يعيد إليهم صورا عن ذواتهم وعن أشباههم على قدر من الالتباس والتشويش.

بالنسبة للمستوى الأول، السياسي، كل المشاركين مطلعين على ما يجري في العالم من أحداث. غير أن “العالم” هذا يملك خارطة خاصة جدا بما أن حدوده تنتهي عند حدود بعض المناطق المعذبة: أي فلسطين والعراق بالدرجة الأولى، يليهما لبنان بسبب أحداثه الجارية. من ثم وكتحصيل حاصل، هنالك إسرائيل والولايات المتحدة المتهمتين بأنهما أصل كل البلاء.

منظورا إليه من هذه الزاوية، يكفهرّ وجهُ العولمة فجأة لكي يصبح رديفا للظلم، للعشوائية وللانحياز. فهو بامتياز “العدو” الذي يسعى إلى إذلال العربي، إلى تحقير الإسلام، إلى الإساءة إلى المؤمن، إلى تشويه عادات مجتمع وقيمه الثقافية، إلى إفساد العقليات وإلى الاستغلال والقمع والتحدي والتدمير والقتل…

أما المستوى الثاني لإدراك العالم الذي يعدو كل شاغل ناتج عن نزاع سياسي، فهو يتركز على هم توفير لقمة العيش، الحافز الوحيد الحقيقي لامتلاك وعي جماعي ونظرة تصل الخاص بالعام، الشخصي بالمشترك، المحلي بالدولي.

هنا تتخذ العولمة وجها أقل قسوة وتضمّ للمرة الأولى قارة جديدة هي أوروبا. وهنا تتحوّل بدورها إلى كون منفتح، متسّع، مسكون بآلاف الاحتمالات والأشياء المشتهاة، بالثروات وعلامات التطوّر والتقدم. وكضيف مهم يجرّ في أثره كل أنواع الهدايا، تبدو العولمة أشبه بعصا سحرية ترغم الجنّي الكبير على تحقيق كل أمنيات السعادة، الثراء واليسر.

ومع ذلك، في الكلام قلق دفين إزاء خطر محسوس بشكل واع أو لا واع، إذ يخشى المشاركون الذين يعتاشون من عائدات أعمالهم اليدوية والزراعية، أن يغرقوا تحت سيول السلع البخسة الأسعار التي يبدو أنها تفيدهم بقدر ما تضرّهم: مثلان يرد ذكرهما باستمرار، الأول هو السجاجيد الصينية التي تجتاح السوق وتهدد حائكات السجاد المحلي بالبطالة، والثاني متعلق بالمنتجات والسلع المصنوعة في المغرب لحساب كبرى الشركات والماركات الدولية التي تحقق أرباحا خيالية على ظهر العمالة المغربية والتي تسمح، باعتراف المشاركين، لعدد من المغربيين بتحصيل أرزاقهم…
ومن يكون أصحاب القرار في فضاء العولمة هذا ؟

بالإجماع ومن دون أي تردد، أكان ذلك على المستوى المحلي، الوطني أو الدولي، تجيب النساء عاليا وبقوة : إنهم الرجال !

ولا يفيد أي تصحيح أو اقتراح أو تعليق أو محاولة في تغيير رأيهن.

أما الرجال من ناحيتهم، فهم يذكرون بالإجماع ومن دون أي تردد أيضا: هي أميركا !

ثم، ودونما اقتناع حقيقي، يروحون يتحدثون عن “المخزن” أو عن مختلف ممثلي السلطات المحلية.

تغرق مختلف المجموعات في جو من الأسى واليأس حين تستوعب عبثية عالم تسيّره العولمة، إلا أن السخرية الحاضرة دوما في الورش، تنقذ الموقف مجددا إذ يتم الانتهاء إلى الخلاصة التالية:

العالم امرأة والرئيس الأميركي جورج بوش هو رجلها! يا لهذا العالم المسكين حقا !

على صعيد آخر، لا يثير التطرق إلى إصلاح المدونة الهادف إلى تحسين الأوضاع القانونية للمرأة في المغرب، حماسة النساء بشكل خاص وإن اعترفن أنه أحد التأثيرات الإيجابية للعولمة التي ينسبونها في هذه الإطار تحديدا، إلى الغرب. غير أنهن يصررن على لا جدوى القوانين الجديدة إذ يخلص الرجال دوما إلى الالتفاف عليها وإلى تجييرها لمصلحتهم الخاصة، منتهيات إلى أن التطور لا يتم تبعا لقرار، بل أنه متصل بتغيير يطول العقليات وأنه من مسؤولية الرجل والمرأة على السواء.

من جانبهم يعلق الرجال: إن تحرر المرأة يسيء إلى الرجل لأنه يتسبب في خفض الأجور، يضع النساء في كل ميادين العمل، ويؤدي إلى بطالة الرجال.

مرة أخرى يقفل النقاش على استنتاج هو أشبه بالطرفة: إلى القوانين الجديدة المتعلقة بتنظيم الزواج، تنبغي إضافة بند جديد: ممنوع العولمة !!!

ماذا لو لعبنا فرسمنا العولمة على سجادة، عبرنا عنها بصورة أو بكلمة، لكي نشرح للصغار مثلا، فما تراها تكون… ؟
– نوع من كتاب… لا، مجلة !

أجل تلك هي العولمة. مجلة نفتحها، نقلّب صفحاتها فتتوالى كمية هائلة من الصور والمشاهد والمعلومات.
– كرسم على سجادتي، أضع غابة ملأى بالأشجار والزهور.

لمَ ؟ لأن المغرب بات جميلا ومتفتحا كغابة جميلة، كنبتة رائعة.
– أنا كنت رسمت باخرة.
لأن العولمة هي رديف الهجرة السرية.
ولأن الباخرة تذكر بالسفر وباكتشاف العالم.
– لا أعرف ما هي بالضبط :
لكني واثق من أنها ليست أكلة.
أنا أعتقد أنها نظام سياسي.

– لا ! قلت لكم إنها الآخرون. أجل، العولمة هي العالم الآخر الذي يجلب البلاء, هناك العرب والمسلمون من جهة، ومن الجهة الأخرى، يوجد كل الباقين…
– بكلمة واحدة العولمة هي:
بحر
متاهة
نافذة
وسيلة
رأس المال
الحس العملي
شر لا بد منه
جرثومة…

تنتهي الورش حول كوب من الشاي وبعض الحلوى. ثم الصورة التذكارية للمجموعة، المصافحات بالأيدي وقبل تصحبها تعبيرات عن الشكر وتحيات حارة…

النساء والرجال يعودون إلى بيوتهم مسترجعين إيقاع حياتهم الاعتيادي. لقد تجوّلوا لوقت وجيز فوق ظهر العولمة قبل أن يودعوها متمنين لها حظا سعيدا. خطوات قليلة وينسوننا، هي وأنا. قد يصطحبنا أحدهم إلى داره فيضعنا فور وصوله، في علبة حديدية صغيرة حيث تحفظ عادة بعض الذكريات وكل تلك الأغراض “الغريبة” التي لا يملك لها مثلُ “أولئك الناس”** متسعا أو مكانا.
——–

* عن نص أصلي كتب بالفرنسية تحت عنوان Sur le dos de la mondialisation
** أغنية فرنسية لجاك بريل بعنوان “ces gens-là”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق