فيروس مونتيسكو

دسّ مونتسكيو أخطر فكرة( مبدأ) في النظرية السياسية الحديثة، كان من شأنها أن منحت مفهوم الدولة ووظيفتها طابعاً جديداً ونوعياً تماماً. وينبغي الاعتراف اليوم أنّه لولا هذا الإسهام الأصيل الذي يعود إليه لما أمكننا أن نتحدّث في السياسة وعلومها بهذه الطريقة التي صارت معهودة. فلقد غدت السياسة منذ مونتسكيو غير التي كانت في الأزمنة السابقة عليه. ولهذا السبب لا ينسب لويس ألتوسير( مونتسكيو) إلا لذاته فلم يكن له من معلّم إطلاقاً، حسب قول التوسير، ولم يكن له أب شرعيّ يُنسب إليه، ولم تكن لديه الفكرة الأمّ. فقد كان وحيداً وانطلق من ذاته ليؤسّس علماً جديداً، وسياسة جديدة للدولة غير مألوفة. ويعلن التوسير بحماسة تبدو مبرّرة “إنّ اعتبار مونتسكيو مؤسّسا لعلم السياسة هو حقيقة حاصلة. لقد قالها أوغست كونت، وأعاد قولها دوركهايم ولم ينكرها أحد جدّياً” .

شكّلت نظرية هوبز في الحكم المطلق صياغة نظرية غير متعمّدة لمفهوم الدولة، رغم أنّها ليست نظرية متكاملة في الدولة، وقد وحّد فيها بين السيادة المطلقة وبين الدولة. ومن هنا لم يكن وارداً بالنسبة إليه أن يدعم أيّ تقسيم للسلطات كمفهوم للحكم. النتيجة الوحيدة للفصل بين السلطات، برأيه، هي حكومة مقسّمة، والحكومة المقسّمة لا تعني في نهاية الأمر سوى العودة إلى الحالة الذئبية، وهو ما يناقض الغاية التي تشكّلت السيادة من أجلها.

نجم عن هذه الرؤية لنظام الحكم والسيادة لدى هوبز، دور للدولة يقوم على عدم الاعتراف باستقلال أية كينونة اجتماعية خارج نطاق هيمنتها، وعلى استبعاد كلّ دور للهيئات المدنية الوسيطة وإلغائها. إنّ إرادة الدولة تتماثل مع الكلّ وتتطابق معها، وهذه جميعاً يتمّ استيعابها، في حالة الاستبداد، في إرادة السيّد وتتشخْصن.

كان مونتسكيو شاهداً حيّاً على عصرٍٍ حافل بالانقلابات السياسية والاجتماعية، وقد كانت رغبته في حماية المجالس التمثيلية وهيئات النبالة وامتيازاتها تقف خلف إسهامه الأصيل في الفكر السياسيّ الحديث. و هو لم يعمد في الواقع إلى إيجاد نظرية حقوقية في الفصل بين السلطات، كما يشير توشار، بل هدف إلى تقديم تصور سوسيو سياسي لتوازن القوى، وهو توازن يرمي إلى تكريس مكانة قوّة بين القوى الأخرى، ألا وهي قوّة الأرستقراطية. وقد غدا هذا التصوّر ضرباً من العقيدة السياسية على يد خلفائه فيما بعد، وتمّ تبنّيه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي( 1789م) وغيره من اللوائح الأساسية كـالدستور الأمريكي، وهنا تكمن أهمّية إسهامه في النظرية السياسية.

دافع مونتسكيو عن الهيئات الانتقالية الوسيطة وبرّرها في دستور متوازن، وكان أوّل من بادر إلى وضع التنظيمات المستقلّة في مركز المجتمع المدني. فقد أشاد بالإنكليز لأنّهم، برأيه، أسّسوا نظاماً يصون المصالح المادية للعامة والنبلاء والملك معاً عن طريق تحقيق توازن بينها، وترجموا ذلك سياسياً ودستورياً في فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفي خلق التوازن بينها، كلاً في مواجهة الأخرى. غير أنّ مونتسكيو، كما هو مرجّح،” لم يفكّر بالفعل في فصل مطلق للسلطات الثلاث، فالسلطة التشريعية ينبغي أن تستجيب لدعوة الحلّ من السلطة التنفيذية، والسلطة التنفيذية تستبقي حقّ الاعتراض على التشريع. والسلطة التشريعية ينبغي أن تمارس سلطات قضائية استثنائية.”(1) ومع ذلك فقد مضى العديد من المفكّرين، فيما بعد، في استخدام تصوّر مونتسكيو باتجاه تكريس الفصل بين السلطات وتعميقه، إلى درجة الدعوة إلى هيئات تشريعية ذات مجلسين تشريعيين، كما بدرت لدى كلّ من ماديسون Madison وألكسندر هاملتون A. Hamilton وغيرهما. إنّ القراءة الدقيقة لنصوص مونتسكيو لا توحي لنا بالفصل المطلق بين السلطات، بل بتعاونها وتضافرها مع تأكيد استقلالية عمل كلّ منها في الآن ذاته، وهناك نصوص وأمثلة عديدة تشير إلى مثل هذا الاستنتاج وتعزّزه.

قسّم مونتسكيو أنظمة الحكم إلى جمهورية، وملكية، واستبدادية. ورأى أنّ الحكومة الجمهورية، هي التي تكون للشعب أو لفريق منه السيادة. في حين أنّ الملكية هي التي يحكم فيها فرد واحد، ولكن بقوانين ثابتة. بينما يحكم في الاستبدادية، فرد مستبدّ بلا قانون ولا نظام أو مبدأ، يحرّك الجميع وفق إرادته وأهوائه ويسيّرهم. وبرأيه، إذا كانت السلطة ذات السيادة في قبضة الشعب جملة سمّي هذا ديموقراطية.

على غرار معاصريه صوّر مونتسكيو الاستبداد في” روح الشرائع” بذعر شديد، ونظر إليه على أنه نوع من الأنظمة الاستبدادية التي نشأت أصلاً بين الشرقيين والمسلمين،(2) وبات يهدّد الآن أوربّا من الداخل ويسحق، بلا رحمة، الجماعات والطبقات الوسطى في المجتمع ويرغم أعضاء الدولة على أن يظلّوا مجزّئين وجهلة وجبناء روحياً.

يتميّز عالم الاستبداد، بأنه عالم موّحد ومتجانس ومسطّح، لا تمايز فيه ولا تنوّع، إنه عالم المساواة المطلقة المساوية للعدم. فجميع الناس هنا يتمتّعون بالمساواة، لا لأنّهم، كما يقول مونتسكيو، كلّ شيء كما هو الحال في الديموقراطية، بل لأنّهم لا شيء أمام إرادة المستبدّ ومشيئته. إنّ انعدام التمايز يشمل حتى المؤسّسات الوسيطة والهيئات الانتقالية، التي تشكّل قوام المجتمع المدني، فالاستبداد يمنع الهيئات المستقلّة والاتحادات من الوجود والعمل ولا يسمح بأيّة تنظيمات أو مراكز نفوذ تنافس نفوذ المستبدّ، وهذا مظهر آخر لنظامه، الذي يتصف بأنه خالٍ من البنى الوسطية ومراكز النفوذ الاجتماعي أو السياسي. وبما أنّ المسافة بين المستبدّ وبين الناس تبدو خاوية ونائية، لأنّ المؤسسات الوسيطة، التي كان بمقدورها أن تردع السلطة المركزية وتطوّعها، قد تمّ تدميرها أو تدجينها، فإنّ الجميع يصبحون عبيداً لمشيئة المستبدّ، ومحكومين بالخوف والتعسف، إذ تنعدم إمكانية تقييد السلطة المستبدة ولجمها. بهذا المعنى تغدو التسوية الاستبدادية العدوّ الأكبر للحرّية والاستقرار، لأنها تقوّض الهيئات المستقلّة والبنى الوسيطة، التي تتحمّل عبء دور الاعتدال، وتكبح اندفاع السلطة.

كما أنّ النظام الاستبدادي، برأي مونتسكيو، لا يقيم حساباً لأية فضيلة سياسية، إذ ليس لها أيّ دور تقوم به . ويرى أنّ الشرف يغدو خطراً في هذا النظام، الذي يتأسّس أصلاً على الخوف ويهدف إلى الهدوء والسكينة. فما كان يدعوه لوك بسلام المقابر، يعلن مونتسكيو أنّه ليس سلاماً، إنّه صمت هذه المدن، التي يرابض العدو على أطرافها بغرض احتلالها.

لاحظ مونتسكيو أنّ من يملك السلطة على هذا النحو يميل دائماً إلى إساءة استعمالها، ويستنتج أنّ الحلّ الوحيد للحؤول دون ذلك، هو مواجهة السلطة بوساطة السلطة ذاتها. وبناءً عليه رفض تركيز السلطة وإنما قال بضرورة توزيعها في مراكز مختلفة بحيث لا تحتكر جهة واحدة السلطة كلها ووظائفها، وبهذا وحده تكون الحرّية. يقول مونتسكيو:” يوجد في كلّ دولة ثلاثة أنواع للسلطات، وهي السلطة التشريعية، وسلطة تنفيذ الأمور الخاضعة لحقوق الأمم، وسلطة تنفيذ الأمور الخاضعة للحقوق المدنية (القضائية)….فلا تكون الحرّية مطلقاً إذا ما اجتمعت السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية في شخص واحد أو في هيئة حاكمة واحدة، وذلك لأنه خشي أن يضع الملك نفسه، أو المشرعون أنفسهم، قوانين جائرة لتنفيذها تنفيذاً جائراً.

وكذلك لا تكون الحرّية إذا لم تفصل سلطة القضاء عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية،.. فكلّ شيء يضيع إذا مارس الرجل نفسه أو هيئة الأعيان أو الأشراف أو الشعب هذه السلطات الثلاث: سلطة وضع القوانين، وسلطة تنفيذ الأوامر العامة، وسلطة القضاء في الجرائم أو في خصومات الأفراد… إن الأمراء الذين أرادوا أن يكونوا مستبدّين بدؤوا بتركيز جميع هذه السلطات في شخصهم دائماً.”(1)

يتيح الانفصال بين السلطات والتوازن فيما بينها ظهور حكومة معتدلة ومجتمع مدني موازٍ، وبهذا يمكن ضمان الحرّية السياسية، التي لا يمكن أن توجد، برأي مونتسكيو، في غير الحكومة المعتدلة. لكن الحرّية لا تكون في الدولة المعتدلة ذاتها بصورة دائمة، إلا بشرط عدم إساءة استخدام السلطة، وهذه الأخيرة لا يمكن الحدّ منها إلا بتقسيم السلطة. وهكذا، فالحرّية السياسية هي في المحصلة ناجمة عن تقسيم السلطة، وبذلك تنشأ السلطات المختلفة داخل الدولة بشكل تحدّ الواحدة منها الأخرى وبحيث لا تستطيع أية واحدة منها أن تنفرد أو تقوم بشيء على حدة. إن تنوع آليات المنع والإقرار بين مختلف السلطات هي وسيلة الحرّية السياسية وأداتها الرئيسة لدى مونتسكيو، الذي يسهب في وصف تنظيم العلاقة فيما بينها، ليصل في النتيجة إلى القول، بأنّ هذه الطريقة في تنظيم الحكم توائم الحكومة المعتدلة، ولا يمكن أن تتحقق إلا من خلالها. ففي هذه الأخيرة يتعذّر إساءة استخدام السلطة، والحرّية السياسية يمكن ضمانها بهذا الشكل.

إنَّ الحكومة المعتدلة تطابق النظام الملكي، لكن حتى الاستبداديّ هو ملكي، بيد أنه ملكية مستهترة ومشوّهة. إن التمييز السائد لدى مونتسكيو هو بين الأنظمة الملكية وبين الاستبدادية، في حين أنّ النظام الجمهوريّ لم يعد موجوداً إلا في ذاكرة التاريخ . فمع الملكية ووجهها الآخر الاستبدادية نجد أنفسنا في الأزمنة الحديثة من وجهة نظره. في حين أنّ العصور القديمة لم تعرف ملكيات حقيقية، كما يقول.

يمارس السلطة، في كلا النظامين، الملكي والاستبدادي، سيّد منفرد، لكن الأنظمة الملكية المستقرة تتميز بسلسلة معقدة من المؤسسات الانتقالية الوسيطة، وتعتمد على استقلالها أساساً، وبذلك تكون الدولة أكثر ثباتاً والنظام أكثر رسوخاً. ” والمؤسسة الوسيطة الأكثر طبيعية- من وجهة نظر مونتسكيو- هي سلطة النبالة”(1) ونفوذها، أي مؤسسة الامتيازات الأرستقراطية، التي تتدخل في مشيئة الملك وتحدّ من رغباته الفردية وتحول دون تحوّله إلى طاغية أو مستبد. وعليه يرفع مونتسكيو شعاره الأساسي” بدون ملك لا وجود للنبالة وبدون النبالة لا وجود للملك، ولكن يوجد مستبدّ”(2). وقد أشاد مونتسكيو بالملكيات وعدّها أفضل من النظم المستبدّة وأكثر استقراراً، لأنّ الهيئات الوسيطة والانتقالية فيها تمكّنها من إيجاد علاقات نفعية متبادلة بين الملك والنبلاء، إذ تُوزّع السلطة السياسية وفقاً للمكانة الاجتماعية والنفوذ والثروة، فيقبل الملك القيود التي يفرضها على سلطته مجتمع مدنيّ عالي التنظيم.

نخلص، في ضوء ما سبق، إلى القول إنّ إسهام مونتسكيو الأصيل في النظرية السياسية يقوم على تصوّر مقيّد للسلطة، وعلى مبدأ تجزئتها، من أجل تحقيق المبدأ الاجتماعي العامّ المتعلّق بحماية حرّية الأفراد السياسية وكفالتها، وذلك بضمان عمل الهيكليات الاجتماعية الوسيطة والتنظيمات، واستقلالها بمعزل عن نفوذ السلطة وميولها للهيمنة، بحيث تلعب دوراً فاعلاً ومؤثّراً في عمل الأولى وفي ضبطه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق