فيلما “أيام الضجر” و “حسيبة” السوريّان: هل خلقا إشكاليات بصرية أم ترددات في المعنى؟

يختزل فيلم (أيام الضجر) مرحلة هامّة من مراحل الصراع العربي الإسرائيلي ويحتوي نسبة كبيرة من المعلومات والوقائع في فترة الوحدة التي عاشتها سورية ومصر عام (1958)م، ويلخّص أحداثاً وتفاصيل من وجهة نظر درامية وإن تشابهت الوقائع مع ما يحدث الآن.
المساعد (مصطفى) يعيش مع زوجته وأولاده الأربعة في منزل متاخم للحدود وسط قلق وهدوء نسبيين، يتم تكليفه بمهمة في منطقة ما وراء الحدود في مدينة القنيطرة لزرع الألغام هناك، وفي تلك الأثناء ينزل بحّارة الأسطول السادس الأمريكي بطلب من الرئيس (كميل شمعون)، فيتمّ تهجير العائلة مع عائلات أخرى إلى إحدى قرى اللاذقية، حيث تسكن زوجته مع أولادها في بيت أبيها، وبعد ذلك نرى المساعد (مصطفى) قادماً من مهمّته فاقد العينين وإحدى يديه دون أن يطرأ تغيير على شخصيته وسلوكه.

فكلما توضحت الفروق بين المشاهدة التليفزيونية والمشاهدة السينمائية كلما كان التأثير أكبر، فالتمايز هو ما يحدد مدى نجاح فيلم على آخر، وهذه النقطة تعاني منها بعض التجارب العربية.
فيلم (حسيبة) من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، وبطولة (سلاف فواخرجي) و (طلحت حمدي) و(جيانا عيد) و(سليم صبري) و(كندة حنا) و(عامر علي) و(مايا نبواني) زو (ريم بطرس) وآخرون .

هذه العناصر لو تمّ الاشتغال عليها لتوصّلنا إلى فيلم سينمائي جيّد، فحكاية ملحمية شامية كهذه تحاكي بالطبع مآسي شعوب أخرى، ولاسيما في حالة الحرب عندما يشنها السياسيون الكبار لتكون الضحية هم الصغار، وهذا ما يولّد عدة مشاكل منها كساد الفتيات في البيوت وقلة الرجال لموتهم في الحروب الملعونة، فتكون الفرصة قليلة للتعبير عن الحرية المنشودة، كما هو حال الحربين العالميتين وتأثيرهما على الأطفال والنساء خصوصا والحاجة الدائمة إلى الفرح والرقص، وهذه كانت المقولة التي طرحتها مسرحية (الرقص في لوناسا) لـ ( براين فرايل).

شروط سينمائية لا تليفزيونية
أما فيلم (حسيبة) فلم يخرج من كونه ذلك الإطار المتبع في المسلسلات الشامية التي تصور البيئة الدمشقية، ولم يمنح المتفرج تلمس عناصر الخصوصية السينمائية، وذلك بقربه التدريجي من كونه حلقة مختزلة من ثلاثين حلقة تليفزيونية، وفي هذا الجانب لم تشعرنا الصورة السينمائية بعمقها المعتاد، هذا العمق الذي يميز السينما عن سائر الفنون، فجاءت الصورة قريبة من الصورة التليفزيونية رغم تميز كاميرا الديجيتال في هذا الفيلم .
من جانب آخر، كانت مدّة الفيلم كفيلة بخلق الملل، وجاء الطول غير المبرّر واضعاً أصبعه على نقطة ضعف الفيلم، وكان بالإمكان اختزاله وحذف بعض أجزاء المشاهد، وبالتالي المحافظة على فترات الصمت.

يخلق من الشبه أربعين
ما يثير الانتباه في الفيلم مدى التشابه بين الرواية وبين النص المسرحي الإيرلندي “الرقص في لوناسا” الذي كتبه الأديب الثوري الكبير “براين فرايل” ولاسيما في تفاصيلها، سوى إضافة شخصيات ثانوية وبعض الأحداث الأخرى، ولا أدري من أخذ من الآخر، لكن المسرحية تحولت بعد ذلك لفيلم سينمائي وعُرضت في نفس الصالة التي عرض فيها الفيلم (حسيبة)، ومسرحية (الرقص في لوناسا) تتحدث عن واقع الحرب العالمية وتأثيرها على الدول الأوروبية ومنها إيرلندا من خلال معالجة مصير ثلاث فتيات يعشن مع الأم والعمة، وبأن الحرب تبتلع الرجال ومدى الكبت التي تعيشه المرأة، وحتى أن صناعة الحرير والنول لم تتغير في الروايتين عدا عن تفاصيل أخرى كالطفل الصغير والشاب الجندي.
أياً يكن، حسيبة هي الفتاة التي حاربت مع الثوّار تعود إلى الحارة الدمشقية وتتزوج وتنجب وتعمل وتحتفل، وفي كل هذه الصفات تدرج انسيابي لشخصيتها بين ما هو جميل وما هو قبيح، فلم تكن البداية تحمل دافعاً للاستقرار طالما كانت تعيش في الجبال وتحمل السلاح، ولكن الحاجة فيما بعد للحب والحنين تدفعها إلى خلق وسيلة ما لإشباع كبتها وسط تقاليد وعادات بالية، فها هي تعمل في الدكان بعد موت زوجها وتتعرض لملاحقات من عيون المارة والجيران، وهذه المحاولة في كسر التابوهات المعروفة جديرة بتحويلها إلى صورة معلوماتية تصل للجمهور بأوسع مداراتها. عندما أقول إنّ أهمّ ما يميّز الفيلم السينمائي هو الاختزال والصورة والصمت، لا يعني ذلك تطبيق القاعدة بحرفيتها وجمودها، لكن يمكن الاستعانة بها والقفز فوقها لمن يبدع فقط.
أياً يكن، يبقى هذا الخلط مميزاً للغاية، واعتبره نوعاً من التجريب السينمائي، فالقفز فوق الحواجز والقواعد الدرامية مسموح لمن يفهم القضايا الدرامية فقط، فكانت مشاهد الفيلم ترتبط بتفاصيل عدة تسخر من القدر بأسلوبها الخاص نحو الفرح والحزن لمائة دقيقة من العرض السينمائي .
فيلم (أيام الضجر) من إنتاج المؤسسة العامة للسينما لعام (2008) من تأليف وإخراج (عبد اللطيف عبد الحميد) وتمثيل (أحمد الأحمد) و(ريم زينو) و(معن عبد الحق) والأطفال (أمين عباس – محمد جبارة – عبد الرحمن عرب محمد عرب) بمشاركة (جمال سلوم) و(جمال العلي) و(محمد قنوع) و(فاروق الجمعات) و(فايز أبو دان) و(دينا خانكان).

(حسيبة) … ما الذي يخلقه التشابه؟
hasseeba
لعلّ السؤال الذي طالما أرّق العاملين في الوسط السينمائي يتعلق بكيفية تحويل النصّ الروائي إلى مقطوعة سمع بصرية أو صورة سينمائية، في الوقت الذي لم يعد فيه الوقت كافياً للتفكير بجدوى هذه النصوص في زخم السوق السينمائية العالمية .
الرواية تختلف بالطبع عن السينما بتركيزها على الأبعاد النفسية وتحليل الشخصية عبر تأمّلات عديدة، وتأتي السينما لتأخذ دورها في اختيار زوايا التصوير وأمكنته ونوعية اللقطات وما شابه، وفي هذه الحالة يتمّ التوصل إلى معادلة شبه مرضية بين الجانبين الصانعين للعمل .
وفقاً لهذا وذاك، يقوم المخرج السوري (ريمون بطرس) بتحويل الرواية التي كتبها الروائي السوري الكبير (خيري الذهبي) إلى شاشة السينما بوصفها تعادل كاميرا الديجيتال، فإلى أي مدى حاولت الكاميرا الوصول أو الولوج إلى البعد النفسي؟ وهل تمكنت من توصيف الحاجات والدوافع الدرامية ؟

تراجيكوميديا
ما يلفت الانتباه في هذه المقطوعة البصرية الجديدة هو الخلط بين فنّي الكوميديا والتراجيديا، رغم أنّ النهاية كانت ميلودرامية، لكن في أحايين عدّة أحسست أن هؤلاء الأطفال لم يأتوا إلا ليرسموا البسمة على الشفاه بعد الحزن الطويل، أو ليضيفوا كوميديا مجانية على بعض المشاهد، رغم أنّ بعض المشاهد لم تكن بحاجة لهذه الجرعة، أو بالأحرى لم تحتمل هذه الكمية الكوميدية، لكنني في الوقت ذاته شعرت أن ثمّة تجريبا جعل المهتمين بالسينما يسألون عن ماهية هذه الكوميديا السوداء، ولاسيما في المشهد الأخير عندما تختلط الدموع بالبكاء، فهل طبيعة الحياة تفرض ذلك أم أن الكوميديا والتراجيديا صنوان؟
وفقاً لذلك، فالمخرج في فيلمه الأخير (أيام الضجر) يختار فكرة واقعية عن مصير جندي في الحرب وما يؤول إليه ويعطي صورة كاملة عن وضعه العائلي والظروف السياسية التي تحكم المنطقة ككلّ، إلا أنّ الرموز والإيحاءات كانت موجودة بالطبع كما أسلفت سابقاً، وجاءت عبر تقنيات إخراجية إبداعية وحوارات سهلة وبسيطة، ولاسيما في مشهدي الإجهاض ودفن الجنين في وقت يطمر فيه المساعد القنبلة في مدة زمنية متساوية، وكانت هذه نقطة قوة تُحسب لصالح الفيلم، فالمشروع القومي العربي تم إجهاضه إن جاز القول وزُرعت بدلاً عنه قنابل ستنفجر في وجه جنودها، وهذه المقاربة لخصت التأثير الكافي على المشاهدين.

فلسفتا المكان والزمان
المكان بتفاصيله كان بطلاً أساسياً، حيث أضاف إلى الشخصيات ما لم تستطع أن تبوح به، وقطع الديكور والإكسسوارات كانت كفيلة بذلك، فالمنزل وسط هذا العراء الموحش يوحي بالهدوء والرعب ولاسيما بعد أن يغادر الزوج منزله فيصبح مأوى للأفاعي، وتلك الدبّابة أمام المنزل تمنح المتفرّج بعداً كافياً لمدى التوتّر الذي يصاحب منطقة حدودية كهذه، فالحياة هنا مؤقّتة والاستقرار معدوم .
أما الزمان فتمّ الاشتغال عليه بعناية، وأدّى وظيفته الدرامية، وغالباً ما كانت الأحداث تتناوب في الفترات الزمنية المختلفة، فالليل بعتمته مصدر لمشاكل عدّة، فكلّما تجلس العائلة في ساعة معيّنة من الليل لشرب الشاي، تفاجأ بحدوث ما لم يكن يخطر على البال، إما أن تمرّ سيارة عسكرية أو حشد من الجنود أو صراخ الأطفال وما إلى ذلك من توترات انعكست بشكل كبير على نفسية (مصطفى) الذي كان يؤدي أخطر مهماته في الليل.
لذا، فالحديث عن البيئتين الزمانية والمكانية ومدى تأثير كلّ منهما على الأخرى، والعلاقة التي تربطهما يعيد إلى الاعتبار مسألة تمسك المخرج والسيناريست (عبد اللطيف عبد الحميد) بتلابيب هاتين البيئتين وعدم إسقاطهما من حسابه الدرامي في معظم أفلامه، وهذا الحرص على البيئة يقابله في الجانب الآخر عدم غياب صورة الطفل أو مشاركة الطفل باعتباره أحد ضحايا الحياة وصنّاعها، وهذا كلّه أدّى بطبيعة الحال إلى خلق صورة مشهدية غنيّة بإيحاءاتها وواقعيتها في نفس الوقت.
شخصية المساعد كانت مستقرّة في بداية الأمر، فمن حيث التكوين النفسي يسعى لتحقيق التوازن في عائلته، ويحلم بابنة، وهذه الحاجة تدفعه لإبراز معالم رجولته أمام زوجته، لكن الأجواء لا تكون في مصلحتهما دائماً، فيحاولان بشتّى الوسائل تحقيق ذلك، أما من الناحية الفيزيولوجية، فالكاركتر لم يكن واضحاً بما فيه الكفاية، فالعين لم تشهده سوى بثياب النوم أو اللباس العسكري، لكن ما كان يقوم به من تدريبات رياضية على مدار اليوم يدلّ على قوة جسمه وملاءمته للأعمال الخطيرة والحساسة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق