فيلم “الربيع، الصيف، الخريف، الشتاء والربيع أيضا”: الطبيعة حقيقة والبشر محاكاة…

لا تستطيع أن تعرف ما تفتقده تماما إلا حين تعيشه حقا وتفتقده، أما قبل ذلك فلا شيء هناك سوى الشوق المبهم لهذا المُفتقد، ولعل هذا المدخل يصلح للتعبير عن حالتين: حالتنا كمتفرجين مكتفين بما يقدَّم لهم من سينما رائجة قانعين بها؛ وعن شخصية ذلك الطفل الذي تتوزّعه الفصول فيما بينها في فيلم المخرج الكوري كيم كي – دوك “الربيع، الصيف، الخريف، الشتاء والربيع أيضا..” (Spring, Summer, Fall, Winter and Spring).

وإذا ما بدأنا بأنفسنا كمشاهدين أتيح لهم أن يشاهدوا بعضا من سينما العالم المختلفة عن معظم ما ينتج في السينما الأميركية، فإننا سنكتشف أننا ضُلِّلنا طويلا بالنمط السائد الذي لا يشبه في أفضل حالاته أكثر من فصل واحد يتيم يتكرر دون انقطاع، لكننا سنكتشف عظمة التنوّع ونحن نتنقّل بين ربيع السينما الكورية وصيف السينما اليابانية وخريف السينما الأميركية الجنوبية وصيف السينما الأوروبية. ونحن إذ نتذوق طعم هذه الفصول ينتابنا ذلك الإحساس بأننا لا نستطيع التخلّي عنها بعد ذلك.

ثمة غنى غير عادي وتنوّع استثنائي وموضوعات أكثر رحابة وتجدد فني وعين أخرى لكل كاميرا، عين ترى ما لا تراه الكاميرا الأخرى، وفوق ذلك كله وقبله، ثمة أطروحات وتأملات عميقة في مصير هذا العالم، ورغم قدومها من ثقافات أخرى إلا أنها تمسنا في العمق وتحمل الكثير من الإجابات لكثير من أسئلتنا المعلّقة.

وفي وقت تحاول السينما الأميركية الرائجة أن تصُبَّنا جميعا في بوتقة معدنية تحدد ملامحنا وتستولي على أرواحنا، فإن كثيرا من سينما العالم تمنحنا أجنحة وتُطلق أرواحنا في مدارات لم نكن عرفناها.

فيلم “الربيع، الصيف، الخريف، الشتاء والربيع أيضا” نموذج متقدم لسينما لا تملك البصر فقط بل البصيرة أيضاً، وهي تذهب عميقا نحو بساطة الأشياء ورموزها الأولى لتؤسس عالمها الكبير وتكشف ما يدور فينا رغم كوننا نعيش على هذا البعد وننهل من ثقافات مختلفة ونعيش ثقافتنا الخاصة وأسئلتها.

فيلم لا ينسى، هكذا يمكن أن نلخص هذه الملحمة البصرية والملحمة الإنسانية التي لا يتجاوز عدد أبطالها أصابع اليد، ولكنّ ما يرفع يومهم من إطاره العادي إلى إطاره الملحمي هو ذلك التوحّد بما حولهم، إذ يغدو الكون كله قطعة من أنفسهم، الأشجار، المياه، السماء، الجبال، تحولات الطبيعة وتحولات الإنسان التي نراها في مختلف مراحله العمرية.

يأتي المخرج كيم كي – دوك إلى السينما مُعزَّزا بعين الرسام التشكيلي، فهذا المخرج الذي لم يدرس السينما، دخل عالمها من بوابة الفن التشكيلي، ولعل هذا ما منحه كل تلك القدرات على تقديم العالم كلوحة استثنائية، يفاجئنا بها، ويفاجئ الرسم والسينما بها أيضا وهو يقدّمها نابضة تمتزج ألوانها أمام أعيننا فتولد ألوان وتختفي ألوان، كما نولد ونتجلى ونختفي.

كنت دائما حذرا في تناول أفلام لم يرها الجمهور العربي بصورة واسعة، لأن الحديث عن مثل هذه الأفلام يبدو حديثا مع النفس ومع عدد قليل جدا ممن أتيحتْ لهم فرصة أن يروا هذه الأفلام، لكنني بتّ أرى انتشارا أكبر لهذه النوعية من الأفلام في بعض محلات استئجار أفلام (DVD) بصورة معقولة، ولم يعد أمر الحصول عليها مهمة مستحيلة لأولئك الذين يهمّهم فعلا متابعة أفضل ما تقدمه سينما العالم من اقتراحات.

***

في معبد بوذي يبدو عائما فوق الماء أكثر مما يبدو مبنيا في وسطه، وفي تلك البحيرة المحاطة بالجبال من جميع الجهات تدور أحداث الفيلم انطلاقا من الربيع. وحين نقول الربيع أو الشتاء أو أي فصل آخر فإننا نعني ذلك تماما، لأن المخرج لا يُرينا الربيعَ فقط بل روح الربيع أيضا، وكذلك روح الخريف، يرينا كل فصل في أوج بهائه كما لو أنه لن يسمح لأي سينمائي آخر أن يتفوق عليه مستقبلا!

في ذلك الربيع الفريد والخاص يتفتّح ربيع ذلك الطفل الصغير (وهو بلا اسم مثل بقية الشخصيات)، الطفل التلميذ أو المُريد الذي يعيش في كنف معلِّم راهب، يعلّمه ويراقبه، يزجره ويكافئه، يأسره ويحرره؛ ولذا فإن ذلك الطفل يلعب الدور الذي يلعبه كل إنسان… في حين يبدو الراهب راهبا وأعلى من ذلك بكثير وهو يشير ضمنا إلى قوة أعلى تراقب بدقة لا يفوتها شيء من سلوك وحتى أحاسيس ذلك الطفل الجميل المشاغب الذي يتحرك في ذلك المكان الشبيه بجنة حقا.

“لو نظرت إلى الفيلم عن كثب، يقول المخرج، لرأيت أنه أكثر من مجرد شخصيات. عناصر مثل الشجرة تنشأ من المياه ولها ذات الشأن والثقل كما الأشخاص. المياه التي تحيط بالمعبد ذات معنى لكل شخص، لذا فإن المعبد لا يطفو في منتصف اللامكان بل أنه في قلب لندن أو سييول”.
كونية الفيلم إذن حاضرة في كل لقطة من لقطاته وفي كل كلمة تصدر عن الشخوص وكل مصير يترقّب الكائنات فيه.

لا يشير المخرج في أي من لحظات الفيلم إلى أصل ذلك الطفل، ولا يتحدث الطفل عن شيء سابق للراهب، لا يتحدث عن أم أو أب أو أخ أو أي شيء، وفي ذلك ترميز لا يستطيع المرء أن يغضَّ الطرف عنه.

يقول كيم كي – دوك في حوار معه قام بترجمته الكاتب أمين صالح: “بدأت العمل بخمس صفحات فقط من المعالجة الموجزة، بعد ذلك – وعبر التأمل والتفكير – تكونت لدي الفكرة فباشرت بالتصوير.. المنتجون والمستثمرون طلبوا قراءة سيناريو كامل، لكنني وجدت بأن ذلك سوف يحبس الأشياء في قفص أو إطار محدد.. بالنسبة لي وللممثلين، في حين أنني أردت تجاوز ذلك”.

كل شيء في الفيلم يشير إلى فكرة مضمرة لا ينقصها الوضوح إذا ما تأملها المشاهد، بدءا من تلك الطفولة التي تتفتّح في الربيع وانتهاء بالطفولة التي تعود لتتفتح في الربيع الثاني الذي يمثل دورة الطبيعة والحياة في آن. وحين نقول الطبيعة هنا فإننا نقصد الإنسان لأنه جزء من هذه الطبيعة وتجليها أيضا.

لكن المخرج ينأى بنفسه بعيدا عن تصوير الطبيعة كما لو أنه يقلدها، لأنه لا يقدِّم لوحة طبيعة صامتة، بل يقدم رؤياه لهذا العالم الذي اختار أن يصوّره عبر هذا الموضوع الطافح بالدلالات.

ولعل أهم ما يمكن قوله هنا هو أن المسافة التي تفصل هذا الجمال الخارجي الرائع للطبيعة عن الإنسان كبيرة، رغم أن هذا الإنسان جزء أصيل من هذه الطبيعة بل ولعله هدفها الأكبر. فما يحدث فيه لا يمتُّ حقيقة، كما يطرح الفيلم، لذلك الانسجام الهائل بين شجرة وبحيرة وضفدع وجدول وأفعى وسمكة.

إن الانسجام الأكبر قائم في الخارج لكنه مشتت في الداخل الإنساني ومعاكس ومتمرد وعلى الجانب الآخر من هذا السلام الكلي، ولذلك كان لا بد من وجود المعلم الزّاجر المُعاقِب.

لا يفهم المرء لماذا كل هذه الرغبة بإلحاق الأذى التي تسكن نفس الطفل (البريء) وهو يسعى لتعذيب الكائنات الأخرى، مع أنه يعيش في ظل هذا المعلم الكبير، سوى أن المخرج يريد أن يشير إلى سلوك لا يُقَوَّم لأنه سلوك أصيل فوق التعلّم وفوق الزجر، كما لو أن جوهر الإنسان هو الأذى وجوهر المعلم هو الزّجر لا أكثر.

يمسك الطفل الصغير بسمكة ويربطها بحجر، بضفدع ويربطه بحجر، بأفعى ويربطها بحجر، ويُطلق هذه الكائنات تكابد ثقل هذا “الميراث” الذي وضعه الإنسان على كاهلها. السمكة تموت، الأفعى تموت، الضفدع وحده الذي يستطيع الصمود قبل أن تمتدّ يد الطفل إليه وتنـزع عنه ذلك الثقل الذي يكاد يسحق روحه بعد أن طلب الراهب من الطفل أن يمضي لتصحيح أخطائه، بل خطاياه.

الشيء الذي لا نستطيع إلا أن نتساءل بشأنه هنا هو مدى مساهمة المعلم نفسه في فصول التعذيب هذه، التي سيكون الطفل أسيرها في “الصيف” فيما بعد، وفي وضع مشابه تماما، حيث يراه المعلم يفعل ما يفعله مكتفياً بالمشاهدة كما لو أنه لا ينتظر شيئا سوى اللحظة التي ستتاح له فيها معاقبة ذلك المخلوق الآدمي.
يراقب المعلم الطفل في كلِّ حركة من حركاته، ويشاهده وهو يُعذِّب السمكة، ولكنه لا يفعل شيئا، ويُعذِّب الطفلُ الأفعى والضفدع ولكن المعلم لا يفعل شيئا، بل نراه يبتعد مكتفيا بهز رأسه بعد أن أمسك بالطفل متلبساً.

يعرف المعلم العالِم أن هذه الكائنات يمكن أن تموت بالتأكيد، بل تلك هي الحقيقة، ولكنه لا يتحرك في اللحظة المناسبة ليعوِّض بعلمه ما بدا من جهل الطفل، وبذلك يمكن القول إن علْمه جزء من الجهل وقرار واع بموت تلك الكائنات التي لا يدرك الطفل حقا أن فعلته ستؤدي إلى موتها، أو أنه بفعلته هذه يعذبها بسبب فرط البراءة القاتلة التي تسكنه.

ولذا، يتساءل المرء في النهاية: مَن قَتَل السمكة والأفعى في الحقيقة، الطفل أم المعلم الذي يعي ما يدور ولا همّ له سوى أن يوقِع هذا الإنسان البريء في الخطيئة حتى يعاقبه، أو يعلِّمه بالعقاب؟ وهذا ما يحدث حين يربط الطفل بحجر كبير يتلاءم مع وزنه ويطلقه في الغابة باحثا عن تلك الكائنات لينقذها، وقد كان الأحرى به أن يطلقه خفيفا ليتمكن من إنقاذها بسرعة أكبر ثم يعاقبه فيما بعد بربْطه بهذا الحجر الذي يعوق حركته، بحيث تحوّل الحجر فوق ظهر الطفل إلى وسيلة لقتل هذه الكائنات بصورة مباشرة في ذلك السباق مع الزمن للوصول إليها قبل هلاكها.

وما يؤكد هذه الفكرة نراه في “الصيف” وقد تحوَّل الطفل إلى شاب وقَبِلَ المعلم بدخول تلك الفتاة إلى عالمهما، الفتاة المريضة، المصابة بما لا نعرفه ولا يبوح به الفيلم. وفي وقت لا نرى المعلم جزءا من علاجها يتحوّل الشاب إلى علاج حيّ لها فعلا، فبالحب تشفى الفتاة وتتعافى، وبالتجربة التي زُجَّ به فيها يتعذّب الشاب، وفي كل لحظة نرى الراهب مراقبا ومنتظرا اللحظة التي تبرر له أن يعذب هذا الشاب بطريقة مختلفة.

يُحذِّر المعلمُ الشاب من الرغبة في الامتلاك لأنها طريق للقتل. ولكنه في الحقيقة يراقب طوال الوقت بعين الخبير الذي يعرف تماما إلى أين تمضي الأمور وكيف تتطور، وبالتالي فإنه يدرك أن عقاب الشاب قائم هذه المرة في أمرين: خروجه من هذا العالم الآمن الهادئ، والعقاب الذي سيقع عليه لارتكابه جريمة قتل الفتاة التي أحبها، ولذلك فإن الشاب مُعذب بمعرفة المعلم التي تدفعه إلى مصيره وتوحي له بذلك المصير ومُعذّب بالفقدان الذي نفذه بيديه ونتائجه الحتمية التي تنتظره هناك كما قال له معلمه.

تقديم المرأة كسبب للخروج من ذلك العالم الآمن مثالي الجمال يحمل دلالاته البعيدة التي تتخطى تراث البوذية، ويحوّلها لسبب للرغبة ومن ثمّ القتل، وإن كان قتلها، سيحوّلها إلى خطيئة كبرى تحتّم على الشاب أن يمضي العمر كله للإفلات من براثنها التي تمزق روحه. ولعل الموقف من المرأة هو أكثر الأمور وضوحا في هذا الفيلم، فالمرأة الأولى التي تظهر تكون سببا لخروج الشاب وترك المعلم وحيدا، المعلم الذي لا يلبث أن ينتحر وقد أقفر العالم من حوله وغدا وحيدا بلا أي إنسان… ولذلك فإن عقاب هذه المرأة القتل على يد ذلك الذي تعلّق بها، كما أن المرأة الأخرى التي تظهر في الربيع التالي في بداية الدورة الثانية للفصول تموت بعد أن توصل الطفل إلى الراهب، وفي هذا المشهد إشارة ما، شبه واضحة، إلى أن المرأة كانت خاطئة، ولذا فإن الموت هو عقابها الحقيقي.

ينهل الفيلم من ثقافات أخرى، كما أشرنا، ولذا كان من الطبيعي أن يصبّ فيها ويجد هذا القبول الواسع، ولكن الشيء الملفت هنا أن الطفل يقوم بقتل الأفعى، بما ترمز إليه في الديانات السماوية التي تحمِّلها وزر خروج الإنسان من الجنة، لكنه رغم ذلك يخرج من الجنة، كما لو أنه يريد أن يقول إن الإنسان هو المسؤول الأول عن عذابه هو والأقدار المحدقة به.

ولكن ماذا عن هندسة هذا العالم الذي يقيم فيه الراهب مع تابعه الصغير؟

يبني المخرج عالمه متكئا على حواجز قوية لكنها وهمية في آن، فالدخول إلى البحيرة يتم عبر بوابة عملاقة واسعة، تُفتَح وتغلق، مع أن باستطاعة أي شخص أن يدخل من جانب البوابة بسبب عدم وجود أي أسيجة أو جدران تحول دون ذلك، كما أن ضفاف هذه البحيرة العجيبة متصلة تماما مع الغابة والجبل. وما يقال عن البحيرة يقال أيضا عن ذلك المعبد الوحيد نفسه المبني وسط المياه تماما، فما إن تدخل إليه حتى تكتشف أن هنالك أبوابا ولكن ليس هنالك جدران، ورغم أن المريد يستطيع عبور هذه الجدران الوهمية للتسلل خارجا أو للقاء المرأة في الزاوية الأخرى المقابلة، إلا أنه لا يستطيع الوصول إليها إلا عبر الباب!

إن وجود الباب هنا رمزي بالتأكيد، لأن المخرج يقول إنه صورة لسلطة أعلى تستطيع أن تغلقه وتستطيع أن تشرعه في وجه من تشاء، وعلى الرغم من وجود هذا الفراغ الذي يمكن العبور منه، إلا أن الدخول الفعلي لهذه المملكة لا يتم إلا عبر الباب، فالباب مؤشر على الرضا والسماح والقبول بهؤلاء البشر.

وهنا يبرز سؤال آخر، وربما معضلة أخرى تمثل الوجه الثاني من الانقياد لقوة المعلم الرحيمة القاسية، وذلك السؤال هو: لماذا يقبل ذلك الإنسان في مراحل عمره المختلفة أن يظلَّ حريصا على إتباع التعليمات والالتزام بما وضِعَ له من قوانين تُلزمه بأن يسير في الممر الذي حُدد له، سواء أكان ذلك من أجل القيام بالتكفير عن خطأ ارتكبه أو القيام بهذا الخطأ؟

إن كل خروج في الفيلم كان يعني دائما خطيئة أو عقابا.

في الربيع يخرج الصغير ليُعذِّب الكائنات. في الصيف يخرج للقاء المرأة وممارسة الحب معها، ومن ثم الخروج وراءها وصولا للخروج الثاني الذي يؤدي إلى طرده عشر سنوات (في سجن خارجي) هو بمثابة الجحيم. أما الشتاء فيشهد عودة الشاب إلى المعبد وقد أصبح شيخا، ليقوم بدور الراهب بعد انتحار الراهب القديم. وانتحار الراهب يثير أسئلة لا نهاية لها، فهو إذ يخلو عالمه من مريده تماما ويغدو وحيدا، لا يجد أمامه سوى الموت. صحيح أنه يحل في روح أخرى، ويتمثل في الأفعى التي يصوّرها المخرج فوق قميصه بعد موته مباشرة، إلا أن موته، أو الحكم بموته وخروجه أيضا من تلك البحيرة بما ترمز إليه يعني الكثير.

أما الشيء الآخر فهو أن الشاب القاتل الذي عاد ليلعب دور الراهب أو المعلم ويُكمل مسيرته، قد أتى من خطيئة القتل ليُطبِّق قوانين لم يلتزم بها أصلا. وفي هذا الفصل تظهر المرأة الثانية في الفيلم وقد أخفتْ وجهها تماما حاملة طفلا بين يديها، تُوْدِعَهُ لدى الراهب الجديد وتتسلل خارجة في العتمة لتقع في حفرة في البحيرة المتجمّدة وتموت، في الوقت الذي نشاهد فيه طفلها يحبو فوق الجليد كما لو أنه علم ما حدث لأمه.

إن دورة “الرّهبان” هنا مثل دورة “الإنسان” أيضا، والخطيئة جزء من العالَمين، ولهؤلاء الرهبان ربيعهم وصيفهم وخريفهم وشتاؤهم وربيعهم أيضا.
خروج الراهب الجديد إلى قمة الجبل نصف عار في البرد القارص للوصول بتمثال بوذا إلى أعلى قمة مطلة على البحيرة هو محاولة للتكفير عن خطاياه، وهذا ما يعيد الفيلم إلى ثقافته الأصلية. وإن كانت رحلة الراهب أشبه ما تكون برحلة سيزيف وحكايته مع صخرته.

فيلم “الربيع، الصيف، الخريف، الشتاء والربيع أيضا” هو مُعَلَّقة مديح للطبيعة كُتِبَتْ بالكاميرا، إذ تبدو وحدها النقية الصافية لأنها الربيع والرصيف والخريف والشتاء والربيع أيضا، أما الرهبان والإنسان معا، فما هم سوى تلك المحاولة المتكررة لاستعارة جمال لا يستطيعون بلوغ أكثر من قشرته وهوامش رمزيته، كما لا يستطيعون الاحتفاظ به أبدا.

ولذلك، ليس من الغريب أن يقول المخرج الذي أدى دور الراهب الجديد: اخترت أن أقوم بتأدية دور الراهب (الثاني) في طور الرجولة لأنني لم أجد ممثلاً آخر يتلاءم مع الدور. لقد جاءت لحظة أردت فيها أن أكون مثل السمكة، أردت أن أفهم وجع الثعبان والضفدعة لكنني لست ممثلا، لذا فإن هذا القسم من الفيلم ذو عنصر وثائقي، حيث أردت أن أختبر ذلك الألم. الوثائقية تسجِّل محاولة شخص يكابد الألم الحقيقي، بينما الدراما هي مجرد تظاهر، محاكاة.

وهكذا انتقل المخرج من وراء الكاميرا ليعاني أمامها فعلا في واحد من أقسى مشاهد الفيلم.

وما يمكن أن يقال هنا عن الوثائقية والدراما يمكن أن يقال عن الطبيعة والبشر، إذ تبدو الطبيعة هي الحقيقة والبشر مجرد تظاهر، محاكاة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق