فيلم الطريق 181: خلخلة البديهيات وأنسنة الصراع



كثيرة هي الأفلام السينمائية التي طرحت القضية الفلسطينية على بساط البحث، وغاصت في خبايا الصراع العربي الصهيوني منذ بواكيره حتى الآن، ولكنّها قليلة جدا  الأفلام التي استطاعت أن تشرّح هذا الصراع وتغرس مبضعها في الأحشاء المعتمة والمختبئة لتنتشلها وتضعها أمام أشعّة الضوء لنتمكّن من فهم أكثر  لخفايا وخبايا ذلك الصراع الذي مازال يستنزف أرواحنا وأوطاننا، ويستعمله الطغاة والدجّالون والقتلة (من الطرفيين) لتبرير جرائمهم واستبدادهم ووحشيتهم وتجييش جماهيرهم وسوقها إلى الدمار.

هذا ما يسلّط عليه الضوء فيلم “الطريق 181” الحائز على  الجائزة الكبرى في مهرجان الأفلام العالمي لحقوق الإنسان – باريس 2004الذي أخرجه الفلسطيني ميشيل خليفي( صاحب أوّل فيلم روائيّ فلسطينيّ والحائز على جائزة النقّاد في مهرجان كان 87 وجائزة الصدفة الذهبية في مهرجان سان سيباستيان عام 87 عن فيلمه عرس الجليل) والإسرائيلي إيال سيفان( الذي هاجر إلى فرنسا عام 1987، معتبراً الإسرائيليين الذين هاجروا إلى إسرائيل عنصريين، بسبب ممارستهم لقانون عنصريّ، يسمح لهم الهجرة إلى إسرائيل وفي نفس الوقت يحرم الفلسطينيين ممارسة الحقّ نفسه).
 قام المخرجان برحلة سينمائية مشتركة في أرجاء البلاد لإنجاز هذه الجولة في أرض مولدهما.
فقاما بتخطيط مسار على خارطة البلاد أطلقا عليه اسم ” طريق 181″ نسبة إلى قرار الأمم المتحدة رقم 181، الذي صدر سنة 1947  ومنح 56% من الأرض  للأقلّية اليهودية و43% للأكثرية العربية وما تبقّى يكون تحت سلطة دولية .
هذا الحلّ كان سبب اندلاع الحرب الإسرائيلية العربية الأولى: حرب لا نهاية لها في الأفق حتى الآن. هذا القرار الذي قال عنه المخرج الإسرائيليّ: (أنّ الأمم المتنوّرة في هذا العالم ابتدعت فكرة التقسيم كمن يطرح فكرة الطلاق قبل الزواج، مما أدّى إلى الكثير من المشاكل. ومنذ ذلك الوقت لا يطرح إلا التقسيم وإعادة التقسيم . دون أن يطرح أحد مسألة التعايش، وهذا الأمر الذي نودّ التركيز عليه من خلال التأكيد على أنّ فلسطين لم تكن خالية من اليهود يوما ولا المسلمين ولا المسيحيين، وكان الجميع يعيشون جنبا إلى جنب. كذلك الأمر بالنسبة لليهود الذين كانوا يعيشون في البلدان العربية حيث كانوا مندمجين في البنية المجتمعية للبلدان التي كانوا فيها قبل أن يهاجروا إلى إسرائيل ويكتشفوا زيف الكذبة الكبرى: أنّ إسرائيل أرض الحلم والميعاد فإذا هي أرض الكذب والقتل والدم واللا أمان).
 
 

تتألّف أحداث الفيلم من ثلاث محطات تتوزّع كما يلي:
– من الجنوب، بدءًا من أشدود حتى حدود غزّة.
– حتى الوسط، أي اللِّد، المدينة العربية–اليهودية، وما حول القدس.
– وصولا إلى الشمال، بدءًا من رشعين، قرب الجدار الفاصل، حتى الحدود مع لبنان.

يقوم المخرجان بلقاءات وليدة الصدفة مع إسرائيليين وفلسطينيين، جنودا ومواطنين ومقاتلين سابقين في قوات التطهير العرقيّ صادفاهم على طول هذا الخط الوهميّ، مستعيدين بذلك ذكرى إبادة حصلت ومازالت تستمر، موقّعة بأصوات القاتلين أنفسهم  وشهاداتهم عما ارتكبته قلوبهم الحاقدة بحقّ شعب آمن وطيّب استقبل الضحايا الهاربين من جحيم المحارق  فأصبحوا جلادين يفوقون جلاديهم قسوة ووحشية .    
 
في الجنوب  المتاخم لغزّة وهو منطقة منظّفة عرقيا، مفرغة تماما من سكّانها الفلسطينيين الذي أصبحوا لاجئين في غزّة يتمّ لقاء مواطنين إسرائيليين وفلسطينيين، ويجري سؤالهم عن أسماء القرى والمدن العربية المختفية عن الخارطة الحالية والمثبتة على خارطة التقسيم التي يحملها المخرجان معهما. والملفت هنا أنّ الإسرائيليين يحفظون أسماء المدن والقرى العربية المبادة ( المسمية ، قسطينة، الرملة …) ويعرفون أنّ هناك سكّانا كانوا هنا وأصبحوا لاجئين في غزّة وفي مدن عربية، وعندما يُسألون عن الحلّ؟ تتضارب الإجابات بين عنصرية بغيضة مقيتة تسفر عن نفسها من خلال بعض الإجابات وبين قبول خجول بالأخر الفلسطينيّ.

تتجلّى العنصرية في عدد لا بأس به  من الأصوات التي تتحدّث عن تسفير العرب وبعض العبارات المكتوبة على الشوارع ” الترنسفيرا هو الحلّ ” و” عربيّ جيّد هو عربيّ ميّت ” و” ترانسفيرا : سلام وأمن”  وتتجلّى رؤية هذا البعض للحلّ بقولهم: ” ليعطوهم في الأردن أو السعودية أو مصر ..لديهم أراض كثيرة فليعطوهم هناك ” ولكنّ أكثر ما تتجلى العنصرية في  تلك المرأة  صاحبة المطعم الذي يقدّم حسما ما للجنود لأنهم “حماة الوطن” .
يمتلئ المطعم بصور لكلّ الحروب العربية – الإسرائيلية وعندما يسألها المخرج: لماذا كلّ صور الحرب هذه؟
هذه حياتنا ما العمل ؟ أتعتقد أن هذا سينتهي؟ أبدا .. أنا لا أشعر بالحرب هنا بل بالأمان، لأنّ كلّ هؤلاء الجنود هنا.
تتابع وتتهكم ساخرة: يأتون إلى هنا للبحث عن بيوتهم، تخيّل أن يأتي يوم ويطالبون باستعادة هذا المطعم !

هل بينكم علاقة ؟ يسألها المخرج ؟
علاقة بيني وبينهم ؟ (تقول ساخرة)اهه أنا أحبّهم جدّا ( تحدّق في الكاميرا وتكمل حديثها ) يجب اجتثاثهم من هنا . سندفع لهم وبذلك ترتاح الدولة من السرطان.
     
وهي تطلب أن توضع صور الحرب في قبرها بعد وفاتها، الأمر الذي يجعلنا نشعر إلى أيّ حدّ يتمّ عسكرة الحياة الإسرائيلية وقتلها الأمر الذي يجعل حتى اليهود ضحايا إيديولوجيا صهيونية معادية للحياة .
 

بينما يتجلّى التعبير الخجول عن الحلّ برأي بعض الإسرائيليين بالقول: أننا يمكن أن نعيش معا ؟ ولكن لن يسمح بذلك القادة السياسيون الذين بيدهم حلّ الأمور أو قول بعضهم: أنّ للفلسطينيين حقّا بالعودة ولكن لا نحصل بالضرورة على كلّ الحقوق ؟ 
أو قول تلك المرأة: أن يحرم مواطن من العودة إلى أرضه ليس منطقيّا ولكن لا يمكننا نحن المواطنين فعل شيء.
وإذا سمح لهم القانون الدوليّ بالعودة؟
لن يسمح لهم أبدا . تقول بثقة مفرطة. الأمر الذي يجعلنا نستنتج أنها تعيش صراعا داخليا بين  معرفتها الحقّ وبين عدم استعدادها لدفع ثمن إعادة الحقّ إلى أصحابه أو حتى تقاسمه معهم.
 
وبين هذين الطرفين يوجد طرف ثالث في إسرائيل يؤمن فعلا بحقوق الفلسطينيين ويسعى جاهدا لمساعدة الفلسطينيين– ومنهم المخرج نفسه – ولكن مازال تأثيرهم في الداخل الإسرائيلي محدودا، ومازالت أراؤهم بعيدة عن مراكز صنع القرار الإسرائيليّ. 

في المركز قلب الصراع على حدود الضفة الغربية، وهو في منطقة القدس حيث الصراع الأقسى، يعرض لنا المخرجان صراعا حادّا داخل بلدية مدينة اللد المختلطة حول أحقية العرب بترخيص منازل شرعية لهم، حيث تقوم السلطات بسن القوانين التي تمنعهم من ترميم منازلهم وإعادة بناء منازل لهم في الأراضي التي مازالت بحوزتهم، مما يدفعهم لبناء منازل بطرق غير شرعية الأمر الذي يجعلهم تحت رحمة قوانين الهدم التي لا ترحم.
يصوّر لنا الفيلم أيضا مأساة عرس فلسطينيّ حيث يقوم الفلسطينيون الذاهبون إلى العرس بالهروب من معابر التفتيش( وهم بملابسهم الرسمية) عبر الوديان ، مخاطرين بحياتهم من أجل لحظة فرح، الأمر الذي يعكس مدى صعوبة الفرح الفلسطيني المقام وسط جنائز الشهداء ورصاص العدوّ وخناجر العملاء! 
في الشمال حيث المستعمرات المتمركزة من زمن ما قبل قيام إسرائيل يركّز المخرجان على قضية بالغة الأهمية وهي اليهود العرب القادمون من دول عربية مختلفة( اليمن – الجزائر- تونس – المغرب)، هؤلاء المحاطون بعداء مزدوج :عداء العرب لأنهم صهاينة وعداء اليهود الغربيين لأنهم عرب، فنراهم يعيشون اغترابا مزدوجا بعد أن فقدوا كل شيء في الدول التي هاجروا منها الأمر الذي يجعلهم يحنّون إلى العودة إلى تلك الديار التي هجروها، ولعل أكثر ما يعكس ذلك: تلك المرأة المغربية التي كانت تقوم بحثّ اليهود المغاربة وتشجيعهم للذهاب إلى إسرائيل عبر اختراع كذبات كبرى عن أرض الميعاد والحلم والجنة الأرضية لتفاجأ هي نفسها بعد هجرتها أنّ كلّ هذا سراب وأنها كانت ضحية وجلادا في آن: ضحية  لأنّهم غرّروا بها  وجلادا لأنها كذبت على أولئك الناس وكانت سببا في تعاستهم، وقد فعلت ذلك مع والديها الذين لم يستطيعا الانسجام أبدا في إسرائيل وعاشا غريبين وهما يحنّان للعودة إلى بلدهما الأصليّ ولكنهما ماتا حزينين لتحمل ابنتهما عبء موتهما الذي مازال يفتت ضميرها ويجعلها تعيش تحت عقدة الشعور بالذنب الذي لن ينمحي إلا بالموت  .  
 

هكذا إذن على مدار أربع ساعات، يعرّي لنا المخرجان الداخل الإسرائيليّ  وتناقضاته المرعبة لنرى بأمّ العين مدى صعوبة العيش داخل هذا الكيان الذي يقتل أبناءه ويسلبهم معنى الحياة قبل أن يقتل أعداءه وخصومه.

ولكنّ أكثر ما يلفت الانتباه هو تلك التشابهات التي استطعنا التقاطها بين تفكير المواطن العاديّ البسيط في إسرائيل وفي الدول العربية كلها، يفكرون كما نفكر، يؤمنون بنظرية المؤامرة كما نؤمن، يعلقون أخطاء أفعالهم على غيرهم  ومن هذه التشابهات:   

هم يقولون : (المسلمون  سيحتلون العالم)، ونحن نقول:( اليهود يحكمون العالم)
هم يقولون :العالم كله يكرهنا، ونحن نقول:  العالم كله ضدنا
….
وغيرها من الأمور التي تعكس أنّ النظرة التي ينظر بها الإنسان العاديّ من الطرفين هي واحدة رغم تباعدها، وقريبة رغم قسوتها، ويعكس من جهة أخرى أنّ الناس في كلا الطرفيين ضحية الكذب الذي تروجه قياداتهم وثقافاتهم ووسائل إعلامهم عن طبيعة هذا الصراع، حيث لا تفعل تلك المؤسسات سوى ذرّ الرماد في العيون لمنع فهم خبايا ذلك الصراع وتعقيداته. 

أجمل ما في  الفيلم أنك لن تكون أنت نفسك بعد حضوره، ستتخلخل كلّ يقينياتك وبديهيّاتك التي كنت تتصورها لحل ما (سواء كان دولتين أو دولة واحدة لشعبين ) لهذا الصراع الذي استنزف أعمارنا وأفكارنا.
ستجد أن الحل أكثر صعوبة مما تتوقعه، ولكن من المؤكد أنك ستصبح أكثر فهماً لطبيعة العلاقات الأفقية والعمودية، والتشابكات والتعقيدات التي تحكم هذا الصراع الذي لن تنهيه كثرة الحروب الدائرة في منطقتنا بل ستزيده تعقيدا فوق تعقيد.

هذا الفيلم محاولة للتأمّل والتريث وإعادة التفكير بكلّ مسلماتنا  المسبقة، دعوة لخلخة البديهيات وإعمال الشك في يقينييات عفا عليها الزمن، لأنها لن تصمد أمام حقائق الناس العاديين  المشبعة بسذاجتها وحقدها وعنصريتها وصفائها: الناس الذين يقول عنهم المخرجان:
(أردنا، على امتداد هذا الخطِّ غير القائم، والذي اخترنا أن نسلكه، في معزل عن الأفكار المسبَّقة، أن نصوِّر الرجال والنساء والأمكنة والأقوال والمناطق – أي مجموعة من الأشياء التي لم يُكشَفْ عنها بعد. وتبعًا للمصادفات التي تولدت عنها اللقاءاتُ، أعطينا الكلام للرجال والنساء الذين تهملهم الخطاباتُ الرسمية، والذين يكوِّنون – مع ذلك – مرتكزات المجتمعين [العربي واليهودي]، أولئك الذين تنشب الحروب باسمهم.
وفي هذا كلِّه، أردنا أن نؤسِّس لعمل سينمائي يناهض الفكرة التي تزعم أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقوم به الإسرائيليون والفلسطينيون يتمثل، حصرًا، في الحرب، الحرب حتى ينتهي هؤلاء أو أولئك. )

ولكن، هل من يتّعظ؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق