فيلم “عيد ميلاد ليلى” بين إيحاءات الصورة و”غيرية” التأريخ..

قــاض فلسطينيّ يعود من إحدى البلدان العربية، وقد عمل فيها لمدة عشر سنوات، لشغل منصبه في مؤسّسة العدل الفلسطينية المقامة تحت الاحتلال، إلا أنه يفاجأ ببيروقراطية الإدارة الفلسطينية وتأجيل تعيينه، مما يضطره للعمل كسائق سيّارة أجرة، وفي يوم عيد ميلاد ابنته ليلى تعترضه عديد المواقف والعراقيل، إلا أنّه يعود آخر النهار بالطرطة والهديّة لابنته الوحيدة..

هذه هي الفكرة الرئيسية التي انبنى عليها فيلم “عيد ميلاد ليلى” للمخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، وكما تجسّدت أيضا في نسق السرد السمعبصري لهذا العمل السينمائي..

وللوهلة الأولى، والتي غالبا ما تأتي أحكامها انطباعية خالية من كلّ عمق، نجد بين أيدينا فيلما روائيا تسجيليا يتناول إشكالا بسيطا لمواطن فلسطينيّ لم يتحصّل على وظيفته بعد، بسبب البيروقراطية الغالبة، لا على الإدارة الفلسطينية فحسب، بل على الإدارات العربية قاطبة، خاصة وأن المجتمع الفلسطيني مثقل بقضايا أكبر؛ من قبيل الاحتلال الإسرائيلي، وتواصل الاستيطان، والترنسفير، والجدار العازل، والاقتتال الداخلي، وغيرها من القضايا التي تقزّم شكلا قضية هذا المواطن الفلسطيني العائد إلى أرضه المحتلة.. أو حتى هاجس عودته إلى بيته في المساء للاحتفال بعيد ميلاد ابنته ليلى بلا مشاكل أو معرقلات..

إلا أنّ الأحداث التي واكبت أحد أيام عمله الوقتيّ كسائق تاكسي، تلقي بظلال مكثّفة على واقع “السلطة” الفلسطيني الحالية، والاحتلال، والمجتمع ككلّ..

فرغم تحصّله على وثيقة تعيين كقاضي لدى وزارة العدل الفلسطينية ممضاة من الزعيم عرفات قبل استشهاده، إلا أنه يقابل بالتسويف كلما اتّجه إلى الوزارة من أجل المطالبة بتنفيذ قرار التعيين، هذا إضافة إلى تواتر العديد من المسؤولين على الوزارة كلّما حوّرت السلطة، ممّا جعل تكراره لمحاولة الالتحاق بصفّ القضاء في بلده المحتلّ ضربا من العبثية في مستوياتها الدنيا، خاصة وأنها مسألة إجرائية لا تتطلب الكثير من الانشغال ورصد إمكانيات السلطة الفلسطينية، مما يطرح استفهامات حول الشفافية والانضباط في التعامل مع ملفّات المواطنين..

كما يثير الفيلم من خلال هذه الحادثة وعبر ملفّات أخرى، ظاهرة الفساد الذي ينخر أجهزة السلطة الفلسطينية الرسمية، إضافة إلى الفوضى التي تتحكّم بالشارع الشعبي الفلسطيني.

الفوضى لا تنتهي عند هذا المستوى، إذ تعكس بشكل جليّ شخوص هذا العمل السينمائي الثانوية، التي تتحرك في مربع الاحتلال بحثا عن منفذ تحقّق من خلاله أحلامها الشخصية البسيطة، التي لا تتجاوز معنى العيش في حدوده الاصطلاحية، بحثا عن البقاء في حلبة الصراع الأزلية بعد أن فارقها معنى الحياة الحقيقيّ، والتهمها اليومي الشاقّ الذي فرضه عليها الاحتلال الإسرائيلي المريض بعقدة الهولكوست والمحتشدات..

فالكل يتحرك في إطار شديد الإغلاق محكم القيود، حشرهم فيه مخرج الفيلم حيث غايتهم فيه بسيطة ومسرّاتهم محدودة وطموحهم أن يروا نور اليوم الموالي، موظفين في ذلك طاقاتهم وتذاكيهم أحيانا من أجل الاستمرار في استنشاق الأكسجين الكفاف، مثل تلك المرأة التي نقلها بطل الفيلم أبو ليلى(محمد بكري) بالتاكسي، وحينما رأت طابورا لتوزيع الإعانات نزلت من السيارة متسائلة عن هوية الجهة السياسية أو المذهبية التي توزع المساعدات، حتى تعرّف نفسها على أنّها من ضمنها، ومن ثمّة تنال مبتغاها..!

وقد شبّه أحد النقاد صورة شخوص الفيلم في غليانها اليومي من أجل الرغيف والأمن، بــ”أسماك مختلفة الألوان والأحجام والأشكال تتحرّك بعبثية ولا جدوى داخل حوض زجاجيّ محدود المساحة والحرية، مستعيضين عن الآمال الكبيرة، بأحلام شخصية متواضعة وأفراح صغيرة، وعن الطموح الإنساني والرغبة بالابتكار والتفوق، بمحاولة التحايل على العقبات والالتفاف على المشاكل، والعيش في حياة محاصرة..”

{{السردية السمعبصرية ودلالات الصور واللغة الفيلمية..}}

خلافا لفيلمه الأوّل “حتى إشعار آخر” الذي تدور أحداثه داخل منزل بغزّة أثناء الحصار وحظر التجوال، فإنّ أحداث فيلم “عيد ميلاد ليلى” تدور في أماكن متعدّدة من رام الله مقرّ السلطة الفلسطينية، حيث شهدت تناقضات شتّى في تسييرها وحرّكات متنوّعة لسكّانها(شخوص الفيلم) ودور فرادة، طبعا، لشخصية الفيلم الرئيسية أبو ليلى..

ولكن دعنا نتدرّج منطقيا في البداية لرسم الصورة الشمولية التي أراد منّا المخرج استيعابها، ثم يمكن لنا بعد ذلك فكّ علاماتها ورموزها ومعانيها المستترة..

يبدأ الفيلم بمشهد داخلي/ ليل وقع تصويره في غرفة النوم، حيث يرقد بطل الفيلم مع زوجته ليلى. الغرفة تغشّيها حلكة الظلام. ثم يأتي المشهد الثاني خارجي/نهار حيث ينطلق أبو ليلى(محمد بكري) صباحا لمدينة رام الله. المدينة يسكنها الضوء، وينعكس بغزارة على عمرانها وطرقاتها. المشهد الأخير داخلي/ ليل، وقع تصويره في الغرفة ذاتها التي بدأ منها الفيلم..

تحدّد المشاهد الرئيسية التي سبق أن تناولناها بداية الفيلم ووسطه ونهايته، بمعنى أنها تحدّد بنية السيناريو والحكاية المشخصنة، والتي جاءت في قالب دائري مكثّف بالرموز والدلالات. فالبداية تكون من غرفة النوم الحالكة، ثمّ نور النهار، لتعود الحكاية إلى غرفة الاستقبال المحتفل فيها بعيد ميلاد ليلى؛ حيث النور الخافت والشمعة اليتيمة فوق الكعكة..

فالنّسق الدائري للمشاهد والأحداث التي تأتي بين عتمتين دليل كاف على نفاذ البعد الإيحائي المستجلى من الرواية الفيلمغرافيه التي يسردها علينا مخرج الفيلم بالصوت والصورة..

كما أنّ “حدوثة” الفيلم، إن تلاءمت التسمية، والتي بنيت عليها مشهديته ولقطاته ومختلف أطوار إطاره الزماني والمكاني، وغير ذلك من البنى الفنية السينمائية، لها ارتباط وثيق بل وتلازمي مع عنوان الشريط”عيد ميلاد ليلى” الذي يمكن اعتباره محور الفكرة والأداء اللذين يقوم عليهما الفيلم، كما أن ربط صياغته اللغوية والتركيبية بالقضية الرئيسية للشريط يدخلنا في عمق دلالاته النصية وأبعاد استتباعات تمثلاته الحضارية، فالبطل ” أبو ليلى ” ينطلق منذ الصباح إلى شغله آخذا في الآن ذاته بعين الاعتبار العودة في مساء اليوم ذاته قبل بدء الاحتفال بعيد ميلاد ابنته ليلى، وأخذ العودة في الوقت المحدد بعين الاعتبار معناه تلافي مختلف العراقيل والصعوبات التي يمكن أن تعترضه في يومه ذاك حتى يتمّ الأمر، فامتنع مثلا عن نقل الركّاب للحواجز الإسرائيلية خشية أن يحتجز هنالك ولا يعود لبيته في الوقت، كما رفض نقل أحد المسلحين بالزي المدني رغم أنّ ذلك يدخل في مبدئيته وموقفه من انتشار المسلّحين في الشوارع، في إحالة واضحة على فوضى انتشار الأسلحة ليس بين مختلف الفصائل الفلسطينية فقط، بل حتى عند شباب المدارس الذين خصص لهم جزءا من خطابه الذي ألقاه في محطة البنزين حينما تطيّر من الفوضى العارمة التي تحكم المعيش اليومي للمواطن الفلسطيني، هذا إضافة لما يفرضه عليهم الاحتلال من إغلاق لجميع منافذ التنقل بحرية، مما يجعلهم يعيشون في كانتونات مقطّعة الأوصال بالحواجز والمستوطنات والجدار العازل، وجغرافية ضيقة بضيق السماء التي احتلتها الطائرات الإسرائيلية المحلقة في فضاء المدينة، هذا الاحتلال الذي لا نراه مباشرة في أحيان كثيرة ولقطات متعددة من الفيلم، ولكننا نحسّ بثقله في كلّ تفاصيل حياة الفلسطينيين اليومية..

أمّا الحوار الموظّف في السيناريو، فهو قليل غير أنّ لغته مليئة بالدلالات، محترمة في ذلك مبدأ تعدّد الأصوات في الحكاية، وعدم هيمنته على الصورة وعلى كيفية أدائه، كما تتخلّله في بعض الأحيان كوميديا سوداء ذات مغزى وجودي سريالي رغم واقعيتها التسجيلية، نلمسها مثلا في شخصية المرأة الحائرة بين الذهاب إلى مستشفى المدينة أو المقبرة بحيث أنها ترى أن لا فرق بينهما، فيذكرها أبو ليلى بالعادة المتبعة في هذا المقام، والتي تقتضي الذهاب إلى المستشفى أوّلا قبل التوجّه إلى المقابر، فتقول له المرأة إن زيارة المقابر لزوجها المقيم هناك، أما المستشفى فهي لها لأنها مريضة بالقلب، ولا تجد فرقا بين الذهاب إلى أيّ من المكانين أوّلا، فهما في نظرها “يؤدّيان إلى بعضهما البعض..! ”

ورغم توافق الحوار والأصوات مع الشخصيات ووضعها الاعتباري في “حدوثة” الفيلم، إلا أنه يقع في المباشرتية في بعض الأحيان. من ذلك ما قاله المذيع في راديو السيارة وهو يتلو نشرة الأخبار، حيث وصف كيف شجبت الدول العربية، وأدانت، واستنكرت، وانتقدت، ولامت، ووبخت.. دلالة على العجز العربي عن الفعل في مواجهة إسرائيل، ولو أن هذه المباشرتية اعتبرها بعض النقاد توظيفا مقصودا من المخرج للمبالغات اللفظية، إمعانا في السخرية من الوضع الفلسطيني والعربي بشكل عام..

ويقول مخرج الفيلم رشاد مشهراوي في هذا المعنى “حاولت وصف الفوضى المهيمنة حاليا على حياة الفلسطينيين، بعد أكثر من نصف قرن من الاحتلال الإسرائيلي، فبعد المقاومة من أجل التحرير، والمفاوضة من أجل السلام، وانتظار تطورات في هذا المجال، كانت النتيجة حرمانا وتجاهلا وعجزا عن الانشغال حتى بقضايانا لحياتنا اليومية ولم نتقدم إلا إلى الوراء”
“كما أن هنالك العديد من المشاكل والقضايا الصغيرة التي ينسجها السيناريو حسب تقنيات السخرية السوداء عبر كثير من اللقطات تصل، في بعض الأحيان، إلى شكل من أشكال “الاستطرادات المسرحية المباشرة “، ويبرز ذلك على وجه الخصوص في المونولوج الذي يستغرق فيه سائق العربة التي يجرّها حمار، وحديث الرجل عن الحمار كيف أصبح يفهم ويعقل، ربما أكثر من الجميع .!

ونلاحظ أنّ الحبكة الدرامية للسيناريو تفتقر أو لنقل تضعف فيها بعض العناصر على مستوى الخط التصاعدي للحكاية، وذلك في نقاط عدة نذكر منها الصعوبات والتجارب التي تمرّ بها الشخصية الرئيسية في الفيلم، والتحولات والصراعات والعقدة الدرامية التي ستنقلنا فيما بعد إلى لحظة المكاشفة والانفراج والنهاية سواء أكانت سعيدة أو حزينة..

ولعل الاختلافات التقنية التي يفرضها السيناريو كجنس فني متقدم على النص الروائي وتطوره من الشكل الثنائي (المقروء/المتخيل) في الرواية الأدبية إلى شكله الثلاثي (المرئي/المسموع/المتحرك) وتمثلاته المختلفة في المدارس المعاصرة، والمقترنة أساس بالعلامة السمعبصرية تجعل منه حسب رولان بارت “نسقا متعدّد العلامات، وكثيفا في تصديرها، كما أنه يوظف العلامات على أساس قاعدة (الرسالة) التي تنقل إلى الآخر (المتلقي) فهي رسالة رمزية وضمنية أيضا…”

ويأتي هذا التقييم التمايزي للبناء النظري لسيناريو الفيلم وتطوره عن النص الروائي الأدبي بعنصره الأخير المؤصل لحركة الأشياء داخل إطار الصورة، بناء على المحرار الكلاسيكي للسيناريو، الذي يشترط إلى جانب البناءات الفنية المحددة والمرحلية ذات النسق التصاعدي والحمالة لشيفرات سيناريوهاتية معبّرة، نجده يرتكز على بناء درامي ذي نسق تصاعدي وتفاعلي بين مختلف مكوناته التي لا تقف عند الإطار العام والتقديم المدخلي للأشياء. ولا تنتهي عند العقدة الدرامية والصراعات الداخلية والخارجية لشخوص عمله الفني، إلا أن بعض المتابعين لسينما رشيد مشهراوي يدلون بآراء أخرى في خصوص البناء الدرامي والنصي لفيلم عيد ميلاد ليلى، على اعتبار أن هذا الشريط ينتمي للمدرسة السينمائية الواقعية الجديدة، ولا يحتفي بالتفاصيل الدرامية المباشرة والكلاسيكية، بقدر ما يركز على الجانب التسجيلي للمجتمع الفلسطيني في واقعه الذي يعيش فوضى بيروقراطية السلطة الفلسطينية وسطوة الاحتلال وتغير المنظومة القيمية للبشر، مما حدا بالبعض إلى اعتباره تقريرا بلاغيا لما يمكن أن نطلق عليه “الحالة الفلسطينية ” من الداخل (فوضى الحياة، غياب القانون، الصراعات بين الأجنحة والجماعات المسلحة، الشباب الذي لا يعرف إلى أين يسير، الحصار الاقتصادي الخانق، وتدهور الخدمات، والاغتراب الذي لا علاقة له بالبحث عن معنى الوجود بل بالرغبة في إنهاء الوجود كما نرى في حالة الشاب الذي يعترض على أبو ليلى لأنه أخفق في صدمه بسيارته وقتله).

هذه النزعة نحو التجريب في السينما الروائية الطويلة هي ولا شك غيرية جديدة في السينما الفلسطينية الجديدة لا تتأسس على مجرد الاجتهاد التقني للبناء السينمتغرافي أو التقطيع السمعبصري للفيلم فقط بل تتجاوزه لنوعية الأحداث والشخصيات وأبعادها الوجودية..

هذه الغيرية في فيلم عيد ميلاد ليلى عبّر عنها الناقد السينمائي عدنان مدانات بقوله “أخيرا نشأت سينما فلسطينية روائية طويلة، بدأت بوادرها من فيلم صنع في لبنان عام 1982 عن رواية غسان كنفاني (عائد من حيفا)، ولكن فيلم (عيد ميلاد ليلى) لرشيد مشهراوي، ومحمد بكري يختلف..!”

{{للتاريخ لغته كما للسينما لغتها التأريخية..}}

عند قراءتنا للشريط السينمائي عيد ميلاد ليلى من زاوية تاريخية توجب علينا في البداية أن نقيم تمايزا ايبستمولوجيا بين المقاربات المختلفة لتأصيلية المجتمع الفلسطيني عبر مراحل التاريخ المتوثبة حينا والمتنافرة أحيانا من داخل أركيولجيا صراع الوجود والعدم…

فنجد مثلا أن دراسة دولة الاحتلال، لماهية الصراع التاريخي مع الفلسطينيين، التبريرية والوظيفية وأنها صاحبة الحق التاريخي، تختلف عن مقاربة الفلسطينيين للصراع والاحتلال. ودراستهم له وإن وجدت خلافات في داخل هذه القراءة حسب المواقع ومخابر التاريخ والجهة المشرفة عليها والتي تتعدد حسب المؤسسة الموجهة سواء أكانت في السلطة أو في المقاومة والمعارضة ولكنها تتفق في أنها ضحية للاحتلال والأبرتيد والهولوكست الجديد، بمعنى آخر ضحية لجلاد كان ضحية لما يمارسه من جرائم حاليا، وتحول إلى نازيّ جديد ضد الفلسطيني صاحب الأرض والتاريخ..

ونجد كذلك المقاربة السينماتغرافية الواقعية “المينارفية” التي تأتي متأخرة، بالمعنى الايجابي للكلمة، نلمسها من خلال قراءة مشهراوي للتاريخ من خلال أفلامه التسجيلية وفلمه “عيد ميلاد ليلى على وجه الخصوص”. حيث نجده يسجّل الأحداث ويؤرخ لمرحلة من خلال سيكولوجيا الفلسطيني البسيط ومنطوقه اليومي بما هو انعكاس لمراكمات ثقافية وسياسية فوقية ونتاج لفصول من الصراع من أجل البقاء والاستمرارية برغم الخطوب والإجرام المنظم والفوضوي والبيروقراطية والفساد والتواكل…

يقول المفكر الاقتصادي كارل ماركس “إن جذر الإنسان هو الإنسان..” ومن خلال هذه المعنى الفلسفي يمكن القول أن من يسود ويهيمن يفرض منطقه الخاص في كيفية التعامل مع الأشياء، بل وينتج أنواع من السلوك والتخاطب تصل حد الغرابة بمعناها المباشر والبسيط..

فالدعاية البيضاء لسلطة فاسدة وبيروقراطية تماطل وتؤجل النظر لطلبات المواطنين كما حدث مع أبو ليلى بطل الفيلم ستنعكس بالضرورة على مناهج تعليمها وصحتها وخدماتها الاجتماعية، ولن يكون منتوجها البشري بقادر على التغيير ولا هي قادرة على التوازن والتوثب إلى الأمام..

إن فوضى السياسة والعلاقات الاجتماعية، وتداخل الأدوار الوظيفية للميليشيات العسكرية وفصائل المقاومة، وسفور الاحتلال النهائي بابتلاعه للجغرافيا والمدنية والثقافة، ومخططاته لقبر الهوية فيما يشبه الثقب الأسود إلى ما لانهاية، وجدت تعبيراتها في اليومي الفلسطيني حيث خلقت حالة من المكابدة السيزيفية من أجل التجاوز والانتصار وحالة أخرى من التقبل والتعايش السلبي بشروط الآخر..

لقد حاولت سينما مشهراوي أن ترصد مختلف هذه الأنماط العبثية وتدمجها في قالب فني فريد، بعيدا عن التهافت والشوفينية والالتزام المباشر بالقضية الذي يحول الشريط السينمائي إلى مجرد نشرة أخبار روتينية تصور مشاهد القتل والدمار والدم، وتكرر نفسها في كل عمل دون الغوص في أعماق اليومي الفلسطيني حيث الحياة تأخذ منحى آخر والضحية يكرر جلاده في مستويات خصوصية من الصراع..

هو منهج آخر في التأريخ لمعاناة شعب يقبع تحت الاحتلال منذ ما يزيد عن ستة عقود بوسائل فنية واستيتقية دون الانحياز لأية مؤسسة سياسية كانت أو عسكرية إلا لقضية شعبه وضميره الإبداعي الذي لم يعرف لوثة السياسة وحسابات أصحاب القرار والفاعلين السياسيين وفي هذا الاتجاه يقول مخرج الفلم “إني لا أكرر الصورة الفلسطينية المطروحة بشكل عام، و السؤال هو: كيف أبرز فلسطين كما هي، وبلا تجميل لها، والمقولات السياسية أحببت أن أقولها بشكل بسيط جدا، وأن أقدم في الوقت نفسه بعض الأمل بإلقاء الضوء على العناصر الايجابية التي تبشر بمستقبل أفضل وان أعطي الجمهور فرصة أن يشعر كيف نجح الاحتلال في شقنا إيديولوجيا وجغرافيا في هذه الحقبة من حياتنا”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق