فيما بين الحلم ورماده

 "كلما حزمت أمتعتي و حاولت الفرار

يقبض عليّ حبك كذراع الميت "

"هل أعبّر عن أحلامي بالهمس و الّلمس كالمكفوف

أم أتركها تسيل على جوانب رأسي كصمغ الأشجار الاستوائية؟"

     محمد الماغوط
 

كانت الساعة السادسة، مدينة الزيتون تستعيد حيويتها بعد الخمود الذي أحدثته صفعة الحرّ، فالمدن  تشارك  سكانها قيلولة النهار و تلملم  من بين لغط المساء و صخبه الشظايا لمرايا السكينة في وجودهم عند الليل…، أكتب رسالة SMSلها، يعتريني خفق شديد في القلب  فأتعرق، كأني كلما حاولت الكتابة لها عانيت حرارة احتضانها، وانقطاع أنفاسي التي لا تشبع  من طيب شيء لا ينفك ينفلت كلما ازداد جسدها الطري بي التصاقا…..لو كان هذا الخلوي يقوى على حمل نبض القلب و كيمياء الأوردة مع الصوت أو الحروف، لصار الآلة المقدسة للحب وأيقونته الممجدة، ولصنع ما لم تقو أية نحلة أو ملة على بلوغه.

أجول في الشوارع الخالية إلا من سيارات  تعبرها لماما. تقودني قدماي حيث لا تعلم نفسي، كضال يهفو للقاء من يرشده. خفق القلب يعلو تحت وطأة  الانتظار. يرنّ الهاتف لينطبع اسمها مرصعا على شاشته  بخلفية ضوء تتخذ شكل بالوعة، لتخلق في القلب توأمها، الأولى أنهيها بالضغط على الزر بينما الثانية لا تعرف إنهاءها إلا هي حين تنساب لامسات بنانها مدغدغة كل شبر في جسدي كما تنساب قطرات ندى على تويج ورد مشرئب لملاقاة شمس يوم جديد.  فلكم هي قاسية رحلة الحياة حين تضعك وديعة مستسلمة بين أياد لا تعرف ما هي فاعلة بك و أقصى أمانيك  أن تحتفظ بك  وألا تلقي بك في أول حفرة  تصادفها على قارعة الطريق المتاهي للدهر. قشعريرة تسري في الجسد والأنامل المرتعشة ما قويت على الرد، كتمت الصوت لأتأمل اسمها المتراقص على الشاشة متطلعا لاستجماع ما علق من  شتات سناها  بذاكرتي، تعاود السلوك نفسه، و أكرر الحركة  ذاتها، لأن مباغتة الآخر خاصة إن كان الأعز على القلب، تنتشلني مني، و ترميني أشلاء، فأفضل أن أكون المبادر  كي أستجمع شظاياي .فعلا بادرت فجاء صوتها   شلال شدو، وكنت أرغب في ألا يكون لها وقت ؛فهي نجمة أخشى الانصهار إن هي مني دنت، لكنها أصرت و ماذا بيد تابع صغير أمام نجم انتظمت له مجرة القلب .

أينك؟  قالت، قرب السوق المركزي، مرتعشا أجبت، أتعرف مكانا آخر؟ ردت، وهل لمعصوب عينين بفيض وهجك أن يعرف ؟قلت لنفسي الكليمة "أجدك بعد نصف ساعة قرب الملتقى بمحاذاة  السوق المركزي "همست، رد عمقي :سمعا و طاعة مولاتي .

لماذا انتقت هذا المكان بالتحديد، ما الذي يجعل اللغة تحالف القدر في نحته لمخاوفي، لماذا كل كلمة تحوز في جوفها عكس معناها، بل موتها مثلما هي الحياة مسير في اتجاه الموت، لماذا اختارت الملتقى، أليس هو ذاته المفترق؟!

لماذا السوق المركزي تحديدا، هل تقصد بيعي لأحزاني؟

شاردا أروح وأجيء، مهادنا نبض القلب المسكين، لم أعرف كيف  ارتاح جسدي في أحد مقاعد المقهى المجاور للمكان الذي عينته، وهاهي رأسي تتلو كل سيارة أجرة، باحثة بعيون متلهفة عن صورة ما شبعتها .

مرة أخرى اسمها يعلو شاشة هاتفي، بعدما علت هامة صاحبته علي، منتفضا كطائر بلله القطر قمت من مكاني، نأيت عن المقهى، جاء صوتها الرخيم معيدا :أينك الآن؟؟ بالرغم من دقة وصفي، فإنني حين أسمع صوتها تخلف كلماتي موعدها مع المعاني…

أجابت: لا بأس سأجدك!

حتى وإن لم يكن، فأنا منذ عرفتك ألفيت حضرتك تغمرني في حركاتي و سكناتي، ومع كل  رسالة منك، على شحها، يجتاحني نزق الصبيان  وأستشعر عجلة الزمان تضرب عن السير إلى الأمام .

عيناي  الزائغتان لا تقران على قرار، قدماي لا يقوم لهما مقام، أداري ضعفي… وهاهو الوجه الصبوح العزيز يهل، كنت قادرا على تمييزه حتى ولو كان وسط حشد غفير، رغم أني لم أسترق إليه إلا نظرات معدودات ذات مساء ضجت سماؤه بطائر السنونو، وقد  مر عليه قرابة الشهر. لما ناديت باسمها متلهفا، كانت تخطو  بثباتها المعهود جهة الطوار المقابل. آه ليتك تعلمين كيف يسبق نداء القلب صوت اللسان و أنت ما تعبئين!

وكان اللقاء، فسلام، فمسير يسير، على يسره أحسست وأنا بجانبها كأني  أسير على بساط   يحقنني فرحا، أو كأنها  كانت تغذيني  من مشيمة سرية بمشاعر ما سبق لي أن خبرت مثلها، ولا تشربت كيمياء يدانيها…

سرنا خطوات كأنها كانت على الحافة  الفاصلة بين الحلم بامتداداته الألقة واليقظة بوخزاتها الضاغطة… جسدي يتشظى أشلاء ثم أستجمعه بنظرة من عينيها الحالمتين، أو بالهمس الشادي  من بين شفتيها الحلوتين .كنت أستشعر دبيب كسل لذي لا أعرف منبعه، و أشياء تستعيد خضرتها بداخلي، و انبساطا مرحا  يمحو ما تكلس بأعماقي.

لا أعرف كيف قادنا خطونا الشارد، أو بالأحرى خطوي الشارد، و لا أذكر أية أحاديث تبادلناها، فقد غرقت في دفء لذة أنستني كل شيء، لم أستفق من سكرتي، إلا حينما دنت خطواتي من مقهى "الركن" فلماذا الركن تحديدا ؟إنني أتطير بالأسماء، فاللغة ما يشير بها الذي يتكلمها، بل في الغالب، هي التي تومئ له صوب الآتي، وكلماتها ما هي إلا إشارات براقة خاطفة من أنامل القدر التي تحوك  الشباك المرتقب على دروب الزمن المتعرجة.

لماذا الركن ؟ لماذا هذا الاسم من بين كل الأسماء ؟ ويعاود السؤال ضغطه على رأسي الصغيرة ؛أتراه انتقي كي أترك فيه قلبي وديعة للنسيان كأي شيء فقد صلاحيته ليظل نهبا لغبار الأزمنة في ظلام  ركن من الأركان المهملة، أم أنه اختير لقائمته كي تكون لي محبسا، أم لرأسه الحادة كي تدمي القلب، مخلفة الذكريات المضمخة بدمي مخلوطا بقيظ يوم من أيام النصف الثاني من أغسطس…

دلفنا إلى وسط المقهى التي لفظت جل زبائنها إلا قليلا ممن توزعوا على الطاولات الملاصقة  لزجاجها المحاذي للشارع، صعدنا درجات السلم المعدودة، كان المكان على ضيقه يسع لخلوتنا، إذ  كان شاهرا لفراغه إلا من امرأة  سحنتها تشي ببلوغها سن الخمسين، تسهر على نظافة المرحاض، متوسلة أن يفرغ الزبناء  دريهمات من جيوبهم، بعد إفراغ متانتهم أو أمعائهم.

أخذنا مكاننا عند الركن، فتوارينا عن أنظار ها، كان السقف واطئا، بعد برهة جاء النادل، لم يبطئ في إحضار ما طلب منه .لنخلو بعدها لأنفسنا، رشفت باحتشام من كأس عصيرها  بشفتيها القرمزيتين، فأحسست برغبة جامحة في إعادة تذوق تلك الرشفة من لسانها، امتدت يدي  بعد أن قطعت وهاد جسدها إلى أدفء ما فيها، هكذا أنا أقصد النبع من أقصر الطرق، كنت أخالها ستنهرني، لكنها ما مانعت، و لاهي تمنعت، بل كبست في لطف على  ظاهر يدي ببطن كفها الناعم كأنها تحبذ  اختياري للموضع الأنسب، ثم مالت  بجيدها كشجرة مثمرة تستطيب الاجتناء، امتد دراعي لتطويقها بينما تفرغت شفتاي لتذوق طعم العصير وقد حلاه رضابها، كانت مقلتاها الهذباوتين  تستسلمان  لنصف اغماضة  كي لا تكدر الرؤية عليها صفو المكامن، وجاء طيبها مسكرا عبقا بنداء إيروس..

ماذا بمقدورك أن تفعل وأنت في حضن أنثى، مأسور بتلافيف لاماعة، سوى أن تستجمع أنفاسك كأنك في غور اليم .حتى إذا ما لامست تخوم الاختناق، وأطلت عيناك على هاوية الموت، سارعت لتوزعها لفحات قائظة و شواظ نحاس لاهب  بحمرة عشق متختر على كل ذرة وشبر من جسدها، كيما تحقنها ببعض من لسع جمرات فرنك الداخلي …

     ماذا  بمكنتك أن تفعل وأنت تضيع وتتلاشى في عباب عينيها الوسيعتين؟ ماذا بمكنتك سوى أن تغوص فيه باحثا عن صدفة الخلود؟ أو على الأقل عن لوح ينجيك ويوصلك إلى شطآنها الآمنة، وأن تروي أجفانها من مقلتيك بعبرات النشوة الحارة بالحزن، الدافئة بالتوجس من انفلات اللحظة، ماذا بمقدورك سوى أن تجعل  أناملك  تعانق بنانها، وأن تكبس على جسدها ضاما إياها ضمة الحلول، ليظل ملازما لك بالمزيج الشفيف لروائحه المسكرة نشوة، ملازمة هواء تنفسك لك؛ لا يغادر رئتيك إلا  ليجدد دورته فيهما.

كانت صيحة الديك الثانية كافية لتلقي به على شاطئ  اليقظة، بعد أن كسرت صيحته الأولى زورق حلمه، هو دأب ديكه الأعور هذا، لا يحلو له الصياح إلا لكي يكدر صفو تركيزه أو ليشتت ألق حلمه، لا يعرف كيف قاده القدر إلى اقتنائه من أحد القرويين الذين يلجئون للمدينة عند بداية كل أسبوع لبيع ما يردون بثمنه  طعنات الزمن، و لا كيف لم  يجز عنقه، مؤثرا الاحتفاظ  به، كي يكسر عليه  بصيحاته ضياعه الشاهق في إقامته فوق السطوح . إذ كان يردد دائما "صيحة ديك مبهمة، خير من ملايين الكلمات الخادعة".وقد يكون الجواب الذي سكن سمعه   الصغير من فم الجدة   بشفتيه   المتجعدتين  كأفواه أكياس الحنطة، هو الذي جعله من حيث لا يعي، يِؤجل نهاية هذا الطائر المختال، فقد كانت تردد على مسمعه كلما سألها، عند استيقاظها لأداء صلاة الفجر، عن سر صياح الديكة  وجلبتها :" لها القدرة يا ولدي، على التقاط  نداءات  الملائكة في السماء السابعة للصلاة!"، فكانت رأسه الصغيرة تستحيل ميدانا على أرضه تتراقص  صور الملائكة، فتارة يتخيلها شبيهة بديك الجدة الكميت اللون وطورا سربا  من الديكة  وقد  تراقصت دفعة واحدة  خاطة   بأطراف أجنحتها المنفوشة، في حركة موحدة، مسارات ملتوية على الترب كتلك التي  يبادر بها كل ديك تدنو منه دجاجة. فيسأل الجدة: هل الملائكة لها دجاجات؟ تنهره الجدة وقد اختلطت عودلتها  بالطقطات المتلاحقة لإناء وضوئها…

كان للصيحة الثالثة ما يكفي من الشدة لطرد فراشات الحلم من عينيه وثقل النوم من رأسه. الشمس لم تطل بعد، لكن ضوء الصباح الباكر  كان كاشفا  لكل أركان كوخه الضيق، حيث تكوم في أحدها على باب خشبي صنع منه سريرا  بعد رفعه عن  أرضية الكوخ بقطع أجور فضلت  من البناء، فما كان لاختراعه العجيب أن يسعه، على ضآلته، إلا مستلقيا على جنبه. و في الركن المقابل كان صديقه البائس غارقا في النوم، ينز اللعاب من فمه المفتوح و نظاراته الطبية لا زالت فوق عينيه، لم يكن  هذا الأعمى يجيد سوى قرع الخمر الرديئة الرخيصة، لتنطلق الاحتجاجات في أمعائه ريحا عاتية  بصوت و بدونه، وهاهي واحدة من ضحاياه أو بالأحرى من قاتلاته تنتصب شاهرة فراغها أسفل قدميه.

مد يده يتحسس لزوجة تبانه، وهو يفكر في إقامته الإجبارية بين ديك أعمى ورفيق يحمل نفس العاهة، وكيف أن نفس العدوى انتقلت  لتصيب  أحلامه كذلك، فلاشيء واقعي منها سوى هذه اللزوجة الكافورية! تكور على جنبه الأيسر جاعلا وجهه جهة الجدار، مستسلما لإغفاءة أخرى، متلهفا لاستكمال الشريط…

كان الوقت مساء في مدينة النخيل، اختلطت حمرتها بحمرة الشفق، من عناق  الحمرتين. كان يستعيد وهج الحمرة الذي يعلو خد سناء عند كل لقاء، هذه التي تخطى معها في الحب الألف باء..

المشاهد تتوالى في رأسه الصغيرة، وخياشيمه تملؤها نتانة مخلفات الاحتجاج المعوي لرفيقه البائس، والوجود الفعلي لما يحلم به لا يزداد إلا نأيا في الأركان القصية للمستحيل، فأحلامه لن تبيض وبيضها لن يفقس، ولن تنسل منه كتاكيت  تدب على أرض الواقع، إلا إذا باض ديكه الأعور وكف عن صياحه المزعج. أمّا أيّامه فقدرها أن تظل ناضحة بالحزن كما ينضح عرف ديكه حمرة! 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق