في أثر بورقيبة وميراثه

بعد ثلاثة وعشرين عاما من تنحية الزعيم بورقيبة عن السلطة، وبعد عشر سنوات على تركه الحياة ما يزال هذا الرجل يثير من الجدل والمعارك والحنين والتباين في الآراء والتقييمات ما يثير، بين من يرقى به عبر التقريظ والمديح إلى درجات التقديس وبين من يحمّله مسؤوليّة غياب حياة ديمقراطيّة متطوّرة تليق بالإرث الحضاريّ والإصلاحيّ والتنويري في تونس الحديثة.


من بين الشهادات التي توقّفتُ عندها، في الذكرى العاشرة لغيابه يوم السادس من أفريل / نيسان، شهادة أزعم أنّها تعكس جانبا لا بأس به من جوانب تقييم الرجل والمرحلة: شهادة إسكاف الرئيس "منصور دقدوق". الشهادة وردت في العدد الأخير من مجلّة "جون أفريك" التي قدّمت، بهذه المناسبة، ملفّا عن الزعيم التونسيّ، عرضت فيه آراء وتقييمات للمرحلة البورقيبيّة، وشهادات ممّن عايشه عن قرب من مساعديه وذويه وأحفاده.

كان بورقيبة يردّد، في خطاباته شبه اليوميّة، أنّه سليل عائلة فقيرة، وأنّه، بسبب من ذلك، تعوّد الأحذية المثقوبة التي لا تقي الأقدام من مياه الطريق وأتربتها وأوحالها. وعلى ما شهد به معاصروه، كان يحرص، حيثما وجد في تونس أو خارجها، على السير على الأقدام نحو ثلاثة أو أربعة كيلومترات يوميّا، تارة في الصباح وطورا في المساء. وكان يتعمّد السير على الطرق الترابيّة الكثيرة الحصى. وأضحى، من الطبيعيّ، أن يبلي "سي الحبيب"، بهذه العادة الغربية، حذاءه، باستمرار، ليذكّره بأيّام الطفولة والحرمان.

يقع محلّ إسكافي الرئيس "منصور دقدوق" في ممرّ يفتح على حومة ( ساحة ) الطرابلسيّة في مدينة المنستير العتيقة، مقابل منزل عائلة بورقيبة. يتحدّث "دقدوق" عن تعلّق شديد يبديه الرئيس بحذائه. كان بورقيبة، حسب ما يرويه، يألف أحذيته ويرفض أن يستبدلها بغيرها، أو أن يصلحها إذا ما اهترأت. وحدث مع "دقدوق" مرّات طلب إليه فيها المرافق الشخصيّ لبورقيبة أن لا يغادر محلّه أثناء قيلولة الرئيس. كان دأبُ المرافق أن يأخذ حذاء الرئيس، أثناء نوم صاحبه ودون علمه، إلى "دقدوق" ليقوم عليه بتصليحات وتحسينات ضروريّة. حينها، يعجّل الإسكاف في عمله قبل أن يفيق الرئيس ليجد حذاءه حيث وضعه.

ويَذْكُر "دقدوق" أنّ الرئيس لم يكن لتنطلي عليه تحسينات إسكافه، فيلتفت إلى مرافقيه قائلا، وهو يشير إلى قدميْه: فعلتموها مرّة أخرى؟

بالرغم عمّا قد يشوب مثل هذه المرويّات المتأخّرة من تضخيم أو تحويل، وبقطع النظر عن "تجريحها وتعديلها"، فإنّ ضعف العائد منها لرُوَاتها، اليوم، يجعلها مشتملة على عنصر لا بدّ منه من عناصر الإجابة عمّا يمكن أنْ يُسَمّى بحالة الولع ببورقيبة ( Bourguiba- philie ). وهي حالة منتشرة، هذه الأيّام ومنذ السادس من نيسان / أفريل 2010، بين التونسيّين بمختلف أعمارهم – من عاصر زمن بورقيبة، ومن جاء في زمن خلفه – في أحاديثهم السيّارة وعلى المواقع التفاعليّة على وجه الخصوص. هذه حالة، وإن كانت تشفّ عن أزمة "زعامات ملهمة" لدى الأجيال الجديدة، فإنّها مهمّة توكل إلى عمل المؤرّخين وعلماء نفس الجماهير لدراسة مقدّماتها ومقوّماتها ورمزيّاتها ودلالاتها السياسيّة والاجتماعيّة والنفسيّة.

لا شكّ في أنّ الرجل لم يكن بعيدا عن إصابة الحقيقة حين اعتبر أنّه  سابق لعصره، وأنّ مثله لا يجود به الزمان إلاّ قليلا، وصحيح أنّ ما وقف في وجه مغامرته التحديثيّة ليس ابن باز والقرضاوي وراشد الغنّوشي فحسب، ولكن أطياف من اليساريّين والعروبيّين والليبراليّين أيضا. على أنّ الدعوات التي كانت تصله عن ضرورة التطوير في نظام الحكم والانفتاح على التعدّدية الفكريّة والسياسيّة كان بورقيبة يجابهها بالإهمال وبقليل من الاكتراث. لم يكن يتصوّر أنّ تونس التي اقترنت باسمه قد تبقى من دونه، وأنّ شمس يوم جديد قد تطلع عليها في غيابه، لذلك لم يضع فرضيّة الغياب في الحسبان، ولم يكن يتعامل مع الدولة إلاّ كصنيعة يديْه، ومع الشعب إلاّ كشتيت من الأنفار وحّدهم هو، ولم يكن ينظر إلى السلطة إلاّ نظرة ألوف، يريد أن تبقى كما هي وكما يريدها هو تذكّره بسنوات المقاومة والنضال والمفاوضات قبل الاستقلال، وبسنوات بناء الدولة والتنمية أو ما يسمّيه بالجهاد الأكبر، بعده.

العارفون ببورقيبة وبمرحلة حكمه يقولون إنّ زمن بورقيبة انتهى، على وجه التأكيد، سنة 1969. السنة التي ابتدأ فيها مرضه الطويل، وأنّه كان عليه أن يفكّر في آليّة لانتقال السلطة تكفل استمراريّة لمشروعه التحديثيّ والتنويريّ الفريد في العالم العربيّ. لكنّ "المجاهد الأكبر" آثر أن يستمرّ رئيسا مريضا مدى الحياة منذ مؤتمر الحزب الحاكم في العام 1974 . كانت السلطة التي مالت إلى البلى والاهتراء شيئا فشيئا بحاجة إلى إصلاحات وتحسينات، غير أنّ بورقيبة الذي كان الزعيم العربيّ الوحيد الذي مارس  الإصلاح الدينيّ تطبيقيّا، والوحيد الذي نقل أفكار المصلحين الكبار إلى أرض الواقع، ولعلّه، أيضا، الوحيد الذي كان يرقّع حذاءه البالي وهو في سدّة الرئاسة – أدار ظهره لمثل هذه الحاجة واثقا أنّ التمكين لن يعوز "المجاهد الأكبر" أبا التونسيّين جميعا في الوصول بهم وببلادهم إلى "ركب" الدول المتقدّمة، كما كان يردّد، وأبدى، من أجل ذلك، تشبّثا بالسلطة للإيفاء بتلك الرسالة لا يدانيه إلاّ تشبّثه بأحذيته الأليفة !

الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس الحبيب بورقيبة "باني تونس ومحرّر المرأة" – كما كُتب على ضريحه في روضة آل بورقيبة بمدينة المنستير مسقط رأسه على الساحل التونسيّ – لم يأت، للأمانة، بدعة في استبداده بالسلطة – وإلاّ ما هي النماذج التي يمكن القياس عليها في عصره ومصره – غير أنّه كان نسيجَ وحده ريادةً في بناء الدولة الحديثة على أسس دستوريّة مدنيّة لا دينيّة ولا عسكريّة ولا عشائريّة أو عائليّة، وجراءةً في الإصلاح الدينيّ والاجتماعيّ ( حلّ الأحباس ( الأوقاف )، توحيد التعليم المدنيّ ومجّانيته وتخصيص الميزانيّة الأكبر للتربية والتعليم، مجلّة الأحوال الشخصيّة، الأسرة والمرأة، سياسة النسل، تعميم الصحّة..)

"المجاهد الأكبر" الذي ضاقت بأفكاره الجغرافيا والتاريخ، وشعر في مناسبات كثيرة أنّ مشروعه يفيض، لا محالة، على حدود بلده – وإلاّ ما كان ليتداعى له، بالتكفير والردّة، أبو الحسن الندويّ من الهند، وابن باز من السعوديّة، والقرضاويّ والأزهر من مصر – تحوّل، مع الأيّام، إلى نموذج يمكن أن يسمّى، بكلّ اطمئنان، النموذج البورقيبيّ. وصارت العودة إليه في عالمنا العربيّ ملحوظة، وإن على استحياء، في أكثر من مكان وعند أكثر من مناسبة: على مستوى التشريعات الاجتماعيّة، وفي قوانين الأسرة، ووضعيّة المرأة، بلْ وفي منحنيات القضيّة الفلسطينيّة.

بين المدح والقدح، ثمّة حكم ثالث: إعادة قراءة للمرحلة البورقيبيّة في ضوء زمانها ومكانها، وفي منظور تقاطع التاريخ بالجغرافيا للوقوف على أثر الرجل وميراثه. وهذه مهمّة الأجيال الجديدة في سعيها إلى مأسسة مشاريع راسخة للتقدّم والتحديث والدمقرطة لأنّ زمن "الزعامات الملهمة" قد ولّى وأدبر.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق