في أدب الصداقة: «عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي» / فواز طرابلسي 

إلى سعاد قوادريالرسائل التي بين أيديكم مساهمة في أدب الرسائل.

بها يسهم عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي في هذا النوع الأدبي النهضوي بامتياز. نهضوي لأنه درج إبان النهضة العربية في مرحلتيها المتأخرة والمتقدمة. ونهضوي أيضاً بمعنى النبرة الفردية والثقة بمفعول الكلمة وبأهمية التبادل والحوار. ونهضوي أيضاً وأيضاً لتطلّبه النور الذي يملأ هذه الصفحات.

لم تكتب هذه الرسائل بقصد النشر أصلاً. كما هي حال بعض المراسلات الأدبية الشهيرة عندنا. تقرر نشرها بعد وفاة عبد الرحمن بمبادرة مشكورة من سعاد قوادري منيف ومروان. ولا شك عندي بأن عبد الرحمن كان سيوافق لو سئل.

لسائل أن يسأل: هل بقي موقع أو دور أو حتى ضرورة لهذا النوع الأدبي في عصر وسائل الاتصال الاجتماعية: الإيميل والفايسبوك والتشاتينغ وتويتر وغيرها؟ الجواب البسيط هو بالإيجاب طالما أن متبادلي الرسائل عبر وسائل الاتصال الجديدة قد بادروا أصلا في نشر رسائلهم ورقياً بلغات عديدة. لعل هذا «الارتداد» يفسّر سبب استمرار الحاجة إلى الوسائط الورقية، في زمن يكثر الحديث فيه عن «زوال الكتاب الورقي». أحسب أن من ينشر مراسلاته الإلكترونية ورقياً لا يزال يساوره الاعتقاد بأن الوسيلة الورقية أبقى وأكثر حسيّة من الوسيلة الإلكترونية، تُشرِك مزيداً من الحواس في متعة الكتابة والقراءة. قارن حسيّة حفيف الورق وصرير القلم الخافت عليه بالتكتكة الرتيبة للترقين الآلي. وتحسّسْ مَلمَس الورق وأنت تقلّب الصفحات. وشُمَّ رائحة ورق المجلات والكتب، حديثها والقديم. ولا تستخفّ بالنشوة العابرة المتولدة من رائحة كتاب خارج للتو من المطبعة تتضوّع منه روائح حبر وصمغ وخشب. أو حاول التكهن عن عصر تدوين مخطوطة أو قيمتها من مجرد شميم ما بقي فيها من تلك الروائح ومعها بصمات خطاطين وقراء. الكتاب الجديد رغيف خبز. والمخطوطة خمرة معتقة.

يقول ويواصل الترقين على الكمبيوتر!

وربما كان السؤال الأصعب والأهم هو: ماذا الذي تغيّر ويتغيّر عند الانتقال من التراسل الورقي إلى التراسل الإلكتروني؟ ولست أقول التراسل «الافتراضي»، لأن التراسل غالباً ما يكون بين أشخاص حقيقيين ليسوا يخفون هويتهم كما قد يحصل في حالات معينة من التراسل الافتراضي. تكثر الأجوبة المحتملة. منها وتيرة الاتصال الآنية التي تتم عفو الخاطر في اللحظة إياها (ما سمح بأن يطلق على البريد العادي في الانكليزية لقب «بريد الحلزونة» للمقارنة). وربما أمكن القول إن التراسل الإلكتروني يتيح المزيد من العفوية ومقداراً أرحب من الحرية مع أنه لا يسمح مع ذلك بالتفلّت الكامل من الرقابة والمنع والقطع. ليس يزعم هذا الاستدراك التوسع في المقارنة بين وسيلتي التراسل، بل مجرد التقديم لمراسلة تنشر على الورق. لذا يمكن وقف المرافعة عند هذا الحد.

هذه المراسلات قصة صداقة. صداقة سابقة على بدء التراسل. وصداقة تجلّت وتطورت أثناءها ومن خلالها. في تعليق على كتاب عبد الرحمن منيف «عروة الزمان الباهي »، عن صديقه المناضل والصحافي المغربي الباهي محمد، كتبتُ إن عبد الرحمن يؤسس في كتابه لأدب جديد هو أدب الصداقة. في هذه المراسلات، يكتب الصديقان عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي سفراً جديداً في هذا النوع الأدبي.

وأشدد على «أدب» بمعناه الأرحب والأغنى. هذه صفحات لصديقين تخلو رسائلهما من كلمة نابية في حق أحد ومن أي تعريض بأحد. ولا حذف هنا ولا رقابة. يدخل أصدقاؤهما المشتركون الرسائل كما يزور الصديق صديقه. وما عدا ذلك، ما يجعل الصداقة أدباً: النخوة والدماثة والوفاء والاهتمام الحقيقي بالآخر والتواطؤ العميق معه. والأدب هنا كنية عن رقي في المشاعر والسلوك هذبها سعي مشترك نحو الحقيقة والجمال.

تبدأ القصة بروائي يفقد ثقته بالكلمة، إلى حد اعتبارها قد تعهرت. فيتمنى لو أنه يرسم. بل هو يحاول في الرسم. من جهته، فنان مغترب، لم يعد يكتفي بلغة الخط واللون والكتلة، يريد «البوح»، حسب تعبيره المفضل، البوح بالكلمات. يتقاطع الصديقان عند همّ كبير: فنان يبحث عن طرق تعبير بالكلمات، وروائي، مهووس بالفن يجرّب في طاقة الكلمات على تعبير عن الخط واللون والكتلة. مروان لا يستطيع أن يكتب عندما يرسم. وعبد الرحمن لن يستطع الجمع بين الرواية والرسم. ولسان حاله، «لو لم أكتب لرسمت». والسؤال المشترك: كيف للكلمة أن تقول الشكل واللون. بل كيف التعبير عن الفن من غير استخدام لغة الكلمات: قول، قراءة، الخ.؟ يصل الصديقان إلى حد تبادل الأدوار: أكتب أنت رواية وأنا أرسم. وكل هذه تقاسيم على مهمة مستحيلة طبعاً. ولكن كل القصة وكل الفن والأدب والمتعة كامنة في التقاسيم ذاتها.

يتولد عن الاستحالتين إيجاب. الروائي، الذي ينعى «الأمية البصرية» عند العرب، يقرر تأليف كتاب عن صديقه الفنان. يوافق الفنان على أن «يبوح» بما لديه عن حياته وفنه. هكذا يدور القسم الأول من المراسلات مدار مشروع الكتاب الذي سوف يصدر بعنوان «مروان قصاب باشي: رحلة الفن والحياة» (1996). يبني الروائي كتابه مثلما يبني رواياته محاولا تلبّس الشخصية التي يروي عنها. يضع عشرات الأسئلة لصديقه الفنان. والفنان، الساكن برلين منذ عقود، يجيب في رجع ذاتي إلى طفولة في جنة مفقودة اسمها دمشق وفي بستان الأب في غوطة دمشق. فيذكّره الروائي بأن «الطفل أبو الرجل».

لا تطابق بين الصديقين من حيث العلاقة بالمكان. مروان، الاوروبيّ المدينيّ السكنى والغربة، مرجعه ريفي. او فلنقلْ مرجعه الطبيعة المدجّنة التي سيطر عليها الإنسان – البستان. فلا تصوير من دون الطبيعة: خطوطها، الألوان، العناصر من البرعم إلى الشجرة فالغابة. لا بد من الطبيعة مهما بلغت درجة التجريد في الفن. لن يستطع مروان الرسم إن لم يستعد نور دمشق. تيمناً، يعمّد مرسمه البرليني «البستان».

لا يكتم عبد الرحمن شغفه بالطبيعة «أنا والبنفسج توأمان»، يقول. لكن يبقى مرجعه مدينياً، على غرار أسلافه الذين خرجوا من الصحراء لبناء أعظم المدائن في عصرهم وحلمهم الدائم إرمَ ذات العماد، الجنة – المدينة على الأرض. ترحّل هذا البدوي كثيرا بين المدن، دراسة وإقامة ومنفى، وروى عن مدن وحلم بمدن. لكنه عاد ليستقر ويموت في دمشق. ودمشق هي آخر المدن التي أراد عبد الرحمن أن يكتب عنها.

إلى الصداقة، تشكل هذه الرسائل شهادات نادرة عن عملية الإنتاج الأدبي والفني والعلاقة بينهما. أترك للقارئ خوض هذه الغمار، من رهبة الصفحة البيضاء، ورقة أو قماشة، إلى كيفية اتخاذ القرار النهائي بأن الرواية انتهت واللوحة اكتملت. وما بينهما من سوانح وأفكار وأحاسيس ومصاعب وطموحات ومشاريع.

حسبي الشكل. والمدهش فيه مدى التواطؤ بين الروائي والفنان على تطلّب العودة إلى «الأول» فيما يشبه قدسية وثنية. أقول الأول ولست أقول الأصل. يريد عبد الرحمن «غسل» الكلمات. مروان من جهته، يبحث عن براءة اللون الأول، «المادة الأولى للحياة». من تقنيات الغسل عند عبد الرحمن استعادة دور العامية والأمثال الشعبية في الرواية التي أبدع فيها في «مدن الملح» و«أرض السواد». ومن تقنيات الغسل عند مروان استلهامه فن التصوير الشعبي من الواسطي البغدادي العباسي إلى أبو صبحي التيناوي الدمشقي المعاصر.

لكن عبد الرحمن يريد أكثر. الغسل عنده يعني شحن الكلمات بطاقتها القصوى. فإذا هو، صاحب النظام الصارم في البناء الروائي، يتمنى الكتابة الاوتوماتيكية على طريقة السورياليين. يسمّيها «حديث الحشاشين». ولا يجد أي تعارض بين الإعجاب بالتيار الأدبي الفني الذي طبع القرن العشرين كله، وبين دعوته مروان إلى كتابة نص سومري أو بابلي مشترك ولكن بشكل معاصر. ألهمّ واحد: حرية التعبير القصوى تقلب العالم رأساً على عقب. المهمّ «أن نحاول إعادة ترتيب الكون»!

مروان ينظف اللوحة عل طريقته. هذا فنٌ متعبّد لوجه. يروي مروان لصديقه عبد الرحمن أنه فرح لأن ناقدا فنيا ألمانياً قال عنه إنه «بدوي متحضر». حري به أن يفرح أكثر لو قيل عنه أنه صوفي. لأنه صوفي إنساني قضى العمر بحاله في استنطاق وجه، بل قل «الوجه». يسائله عن هوية وصفات ومعاني ومشاعر ورؤى وأحساسيس لامتناهية. والنتيجة هي «البوح»، الكلمة الأثيرة عند الفنان. فبينه وبين «الوجه» علاقة عاشق بمعشوق. هكذا أفهم لماذا أراد مروان أن يوضع في مقدمة كتاب عبد الرحمن عنه هذا الاستشهاد من الحلاج: «رأيت ربّي بعين قلبي فقلتُ من أنت؟ قال: أنت». هو بحثٌ عن هوية الأنا من خلال استنطاق هوية الآخر.

تكمن كل عبقرية التصوير عند مروان في تمييزه بين سطح اللوحة واللوحة. السطح هو «القشرة»، سطح أرض منقوبة، كما يصفها، بقيت عليها آثار الكدح من تراب ورمل وجذور. والتشبيه قاصر دوماً، كما لا يُخفى. وعملية النقب والحفر تتكرر آلاف المرات وتنتج آلاف السطوح. بعبارة أخرى، ليست القشرة هي اللوحة. المخفي أعظم. المخفي هو اللوحة. في إحدى رسائله، يكتب مروان بعض السطور لصديقه بمداد «الصماق»، حبر الأسرار الذي كان يستخدم في المخطوطات القديمة. اللوحة مكتوبة بما نسميه الحبر السرّي. المطلوب الخيمياء التي تستظهره.

«الجسد قميص الروح» يقول الصوفي. والقشرة عند مروان هي قميص اللوحة تتمظهر به على الناس.

يصمت الصديقان وتنقطع المراسلة بينهما لأشهر إبان غزو الأميركي للعراق. يكسر عبد الرحمن الصمت شارحاً السبب: الحزن والإحباط. يبلغ صديقه أنه توقف عن الكتابة الأدبية واقتصر على كتابة المقالات السياسية وعزف عن القراءة. أعادت له دراما عام 2003 مناخات نكسة حزيران 1967. رأى المنطقة العربية تدخل مجدداً في نفق ليس له نهاية «كأنه مكتوب عليها أن تبقى كذلك قرناً آخر وإلى أن يستطيع العربان أن يمتلكوا زمام أمرهم، إذا ظل لهم زمام». من جهته، أقلع مروان عن التدخين، كأنما في رد فعل مازوشي على الحرب والاحتلال. ومع ذلك لا يستسلم الصديقان. يعتصم عبد الرحمن بالحكمة الشعبية «إذا ما خربتْ ما بتعمر». ويستقوي مروان بقول سعد الله ونوس «لقد حُكم علينا بالأمل».

مشهد ختامي: مروان في مرسمه الجديد ينتظر النور تنقشع عنه غيوم ألمانيا العنيدة: «المهم هو النور » يقول.

ربيع 2011.

جاءنا النور.

نفذ محمد بوعزيزي وصية ناظم حكمت: «إن لم أحترق أنا / وإن لم تحترق أنت / وإن لم نحترق جميعاً، كيف للظلمات أن تصير ضياء؟».

رؤيا: ختم عبد الرحمن كتابه عن الباهي محمد مستشهداً بهذا النص الرؤيوي لصديقه، صديقنا المشترك:

«يأتي الطوفان فيصير كل شيء ممكناً وتحذف كلمة مستحيل من القاموس. نوحٌ جديد يطيح الاتكالية البليدة السائدة. رجل وامرأة تحدوهما الرغبة بالحب والإنجاب والعمل. يعمّران الدنيا الجديدة حسب ذوقهما ويملآن الأرض عدلاً بعد أن ملأها الناس جوراً.

أين أنت أيها الطوفان العظيم؟».

ربيع 2011.

جاءنا الطوفان.

أخذ «العربان» يمتلكون أزِمّة أمورهم. تشققت السدود وتمرّد النهر. وبدأ الخراب الذي دونه الإ عمار.

كلمات – صور: نور. ماء. دماء.

نحن «المحكومون بالأمل»، نحن مرضى «الأمل الذي لا شفاء منه»، أكثر ما يحزّ في القلب أن لا يكون عبد الرحمن والباهي وسعد الله معنا في هذا الطوفان تحدونا معاً رغبة في إعادة تعمير هذه الدنيا العربية من جديد وملئها عدلاً وحرية وخبزاً ومساواة.

[ مقدمة الكتاب الذي سيصدر عن «المركز الثقافي العربي»

 

عن ملحق السفير الثقافي 13/5/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق