في أرض معلقة / سمير عطاالله

"ان اضفاء سلطات واسعة للغاية على نفس صغيرة للغاية يؤدي الى وبال تام"

أفلاطون

استقال الفريق احمد شفيق، رئيس وزراء مصر، بعد مجادلة تلفزيونية مع الروائي علاء الاسواني، وكان هذا حدثا غير مألوف في تاريخ مصر وتاريخ الجنرالات وتاريخ الكتَّاب. فقد كان الملك فؤاد يرسل منتقديه من الشعراء الى المنفى، من أميرهم أحمد شوقي الى فطينهم بيرم التونسي. واما جمال عبد الناصر فأزاح مؤسسي صحافة مصر من دُورهم وسلمها الى الضباط.

وأما انور السادات فوزَّعهم ما بين السجن والمنفى، مرسلا كبيرهم، محمد حسنين هيكل، الى الاثنين معاً.

صحيح اننا امام فئة جديدة من الثوار، لكن الذي نلحظه اننا أيضاً أمام فئة غير مألوفة من العسكريين. فمن خلف ستار شفاف، يلعب الجيش في تونس ومصر، دور الحكم، بين الدولة والثورة. يلبي مطالب الثوار، ويغير الوزراء والحكومات، ويحيل الرموز الفاضحة على القضاء، ويمنع رأس النظام في مصر من السفر، ولكن مع ابقاء ضبط الأمن وشؤون الدولة.

غياب الجيش في ليبيا، شرّع الباب أمام المجازر التي يرتكبها رجال العقيد الموزعين على فرق ميليشيوية لها اسماء وتخريجات لا وجود لها في قاموس الانظمة السوية. وليس الجيش وحده مغيباً، بل بقية المؤسسات، التي جُيِّرت قراراتها وسياساتها الى الدائرة العائلية. وفيما يدخل المعارضون في تونس ومصر شركاء في ادارة النظام بهدوء نسبي، لا يجد معارضو القذافي سوى باب الحرب التي اعلنها على الجرذان والجراثيم، واستباح ابادتهم.

من تونس الى الجزائر الى ليبيا الى المغرب، الذي أعلن عاجلا انشاء مجلس وطني لحقوق الانسان، يرفع المعترضون مطالب موحدة، كما لو كانت في بيان مشترك، الغاء قانون الطوارئ، وازاحة رموز التنكيل بكرامة الناس، والغاء الفساد واحترام حرية الفرد. ولعب علاء الاسواني دوراً في اسقاط حكومة أحمد شفيق، ليس لانه روائي بارز، بل لانه معارض ملتزم، وأحد محركي "ميدان التحرير". لكن كل ذلك لا يمكّنه في بلد من العالم الثالث من اسقاط حكومة ولو انتقالية. حدث هذا في بلاد فرعون.

للمرة الاولى في تاريخ الشرق، العسكري هو الذي يتنحى امام المدني الاعزل إلاّ من الارادة والأمنية. ويبدو كأن "عورة 25 ينار" لم تنه نظام 1954 فحسب بل هي تعيد المدنيين الى السلطة مزودين "شرعية ميدان التحرير". وعلى نحو ما، هم يتقدمون القوات المسلحة وليس العكس، كما في "ثورة 23 يوليو"، أو كما حدث على مدى العالم العربي منذ ذلك التاريخ.

يبدو ذلك في اليمن ايضاً، حيث لا يزال الجيش عملياً بمنأى عن اتخاذ موقف موال لقائده ورأس النظام. واذا ما خرج الجيش اليمني عن انضباطه سوف يكون لذلك تأثير مدمر في بلد قائم، بارتضاء أهله، بل بحماستهم، على النظام القبلي. ولعل أشد ضربة تلقاها المشير حتى الآن، لم تكن خروج الآلاف الى الساحات، بل خروج قبيلة بني حاشد على موالاته، وهي احدى القبائل التي تضمن التوازن السياسي في الداخل منذ سنوات.

على ان معظم العالم العربي قائم على مكونات لم يستطع النظام العام صهرها عبر السنين. ففي مكان هي قبلية وفي آخر طائفية كما في لبنان وفي ثالث حتى عرقية، كما في العراق وبعض بلدان المغرب. وتعتبر ليبيا نموذجا للتعدد العرقي، بين افارقة وأمازيغ وعرب. ولذلك حاول القذافي اللعب على تقاسيم التفرقة، فيما هو في الخارج يدعو مرة الى الوحدة العربية، ومرة الى الوحدة الافريقية.

قال اللورد كرومر، مندوب بريطانيا في مصر ما بين أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، إنه يستحيل ان تعرف المسلم من المسيحي في مصر. لا أعرف متى انتهت هذه الحالة. ولكن حتى العهد الملكي كان انطون الجميل وكريم ثابت عضوين في مجلس الشيوخ، كما كان الاول رئيس تحرير "الاهرام"، جريدة مصر اليوم. تتوالى منذ سنوات حوادث العنف الطائفي، ما بين مدبر منها او غوغائي. ولم تعد مصر بالتأكيد كما كانت أيام اللورد كرومر. وفي العراق زال المسيحون كما زالت دولة اشور الكبرى، دون اثر. لكن اليونانيين عندما وصلوا الى اشور الاولى، وجدوا، على الاقل، آثاراً معمارية هائلة. في العراق الحديث، أثراً بعد عين.

هل تؤدي المتغيرات الحاصلة الى عالم عربي ديموقراطي، يتسع لكل جذوره في ظل القانون والمساواة والفرص؟ اننا لا نعرف القادة الجدد بعد. والمغيِّرون، في كل مكان، لا يزالون في الشوارع. والشارع ليس المكان الذي يتقرر فيه شكل البدائل الجمهورية. هو مكان لتغيير الماضي وليس لرسم المستقبل. وما يحدث في الامة اليوم أعمق وأهم بكثير من ان يترك لمشاعر الغضب ونشوات الانتصار.

الغاضب لا يفكر الا في الالغاء، في حين يفترض في العالم العربي الجديد ان يدخل ثقافة الاوطان لا الانظمة. وان يعتاد معاملة الناس كمواطنين لا كأعداء. وأخشى ان ترتكب الثورات الجديدة اخطاء الانظمة التي تعمل على اطاحتها، فتمضي الوقت في الثأر والانتقام والعزل، كما حدث في العراق، حيث قرر الاحتلال الاميركي "اجتثاث" البعثيين بعد اربعين عاماً من الدولة البعثية. فمن لم يصبح بعثيا بالقناعة اصبح بعثياً بالاقتناع المصلحي. والآن يريد ثوار مصر الغاء جهاز أمن الدولة لكثرة ما له من ذكريات مريرة في جميع النفوس. لكن الدول لا تعيش من دون انظمة أمن، وانما تعيش من دون جلادين داخل الاجهزة الامنية. عندما تقوم دولة القانون يصبح الأمن لمعونة الناس وليس لاضطهادها وابتزازها واذلالها.

لنا في لبنان تجربة في هذا الباب عندما قررت المعارضة الغاء "المكتب الثاني" بداعي التنصت الهاتفي على السياسيين والتضييق على الحريات. وقد أعيدت الحريات فعلا الى الناس، لكنها اعطيت أيضاً لكل من اراد ان يطلق رصاصة او حجراً على الدولة بحيث لم يبق حجر على حجر. اكتشف الرئيس سليمان فرنجيه يومها ان البلد اصبح عارياً. وهكذا تم الاتفاق مع الجيش – كما يروي الراحل الجنرال جول بستاني – على ان تعطى التزامات وزارة البريد، ووزيرها نجله طوني فرجيه، بالتراضي. كان المبلغ يومها 450 مليون ليرة استخدمت في شراء اجهزة حديثة. وتحمل فرنجيه الأب والأبن أطناناً من النقد بسبب "التزام التراضي" ومات كلاهما من غير ان يكشف "سر الدولة" وسبب الاقدام على خطوة يعرفان انها سوف تعرض العهد لشتى أنواع التهم والظنون.

اذا تأخرت مصر في حسم امورها العاجلة سوف ينعكس ذلك عليها وعلى سواها. حالة الخلخلة تعم المنطقة وتجعلها في حال شبيهة بالحال اللبنانية المعلقة منذ خمس سنوات. وعلى مأسوية هذا الوضع يذكرني بيوم استقال اربعة وزراء من حكومة صائب سلام – على ما اذكر – وابقى الوزير عبدالله المشنوق استقالته معلقة، فصدرت "النهار" ذلك الصباح وعنوانها الاول يقول: "استقال اربعة وبقي المشنوق معلقاً".

 

عن جريدة النهار البيروتية 9/3/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق