في أسلمة مخيال الجموع تعقيبا على محمد ديبو

في ردّه على “إسلام التنوير أم تنوير الإسلام”(الأوان06/12/2008) أبدى الأستاذ محمد ديبو ملاحظات سجالية في معضلة العرب المزمنة: “كيف نصل إلى التنوير؟”(الأوان 20/12/2008) يؤكّد الكاتب ضرورة العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة وتوابعه. لكنه لا يؤمن بفصل قد يأتي من خارج الإسلام لأنه يفترض وجود مجتمع إسلامي واحد فضلا على أن هذا المجتمع يبقى مؤمنا بابن تيمية وفتاويه وفي سيد قطب رمزا له وإن تمّ إبعاد الدين عن الشأن العام.

لا وجود لذلك المجتمع الإسلامي الافتراضي، هناك مجتمعات عربية لكل منها علاقة مختلفة بالحداثة هي التي تكون هويتها الحالية. لا ينبغي وضع تونس والسعودية مثلا في سلة واحدة وإن جمعهما الإسلام والعروبة. أما القول بأن المجتمع “الإسلامي” يظل متمسكا بابن تيمية وسيد قطب.. حتى وإن فصلنا الدين عن الدولة، فهي أطروحة ثقافوية، بل جوهرانية، لا تؤمن بديناميكية المجتمعات بل هي إلى الحكم المسبق أقرب. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه قبل هذا وذاك هل هناك دولة فعلا حتى نطالب بفصلها عن الدين؟ لا يعدو أن يكون الحديث عن الفصل وضرورته سوى كونه مساهمة نظرية في بناء الدولة ذاتها.الحديث عن ‘الدولة’ في الوقت الراهن عندنا هو على سبيل المجاز فقط. ما أريد أن يفصل اليوم هو الدين عن السلطة، تلك السلطة التي تشتري الشرعية بالشريعة، تقايض أسلمة المجتمع بالمحافظة على امتيازاتها بمباركة كثير من الكتبة.

لا أريد استرسالا نظريا في موضوع التنوير إذ الواقع يبين لنا كل يوم أن ما يسمى”دولة عربية” هي التي تحارب الحداثة وتطيل من عمر اللاعقلانية بتمويل وتشجيع للفكر اللاهوتي وفي الآن ذاته تحارب الإفرازات العنيفة لما تغرسه في وعي الناس ولا وعيهم عن طريق مدارسها وإعلامها ومساجدها وكتابات مثقفيها الأصوليين وكذلك ‘المستنيرين الإسلاميين’ الذين يعقد صديقنا محمد ديبو عليهم وحدهم الأمل في إقامة علمانية خاصة وبالتدرج على أرض العرب.

يدافع الصديق عن فكر التوفيق بين الإسلام والحداثة مؤمنا بإمكانية الوصول إلى علمنة المجتمع وتنويره انطلاقا من التراث وهو ما سبقنا إليه رجال النهضة ونعلم اليوم النتيجة التي أوصلنا إليها ذلك الحلم الذي بدأ نصف عقلانيا مع الأفغاني ومحمد عبده وانتهى لاعقلانيا مع رشيد رضا الذي أعطى حسن البنا، وهكذا عادت النهضة إلى أصلها. حينما يجد التوفيقيون الجدد أنفسهم أمام اختيار حاسم، حينما يستنفذون كل زادهم التراثي..سيعودون إلى أصلهم كما عاد الذين من قبلهم، وحينها يصبح الغلاة الذين يداهنونهم اليوم أغلبية، فيجعلون الحداثة كعصف مأكول.
يكتب الأستاذ عن نظرتي لمن يخالفني في الرأي وكيف أعتَبره منافقا ومجاملا وخائفا، كما يذكّر القارئ بتأكيدي المرة تلو الأخرى على عدم وجود إسلام معتدل وعن التقاء رؤيتي مع رؤية الداعين إلى إسلام العنف والترويج لهذا النمط من الإسلام على أنه هو الإسلام.

استعملت كلمة نفاق أو مجاملة أو خوف في مواضع محددة ولم أعممها أبدا على كل المخالفين في الرأي. لا يستطيع أحد أن ينكر بأن الساحة الإعلامية تعج بالذين ينافقون الحكام ويجاملون القراء والمشاهدين والغوغاء ويخافون على مراكزهم وامتيازاتهم، وهو أمر يستحق لوحده صفحات وصفحات إذ هو متعلق بمسألة تكوين النخب في البلدان العربية وارتباطها بمؤسسات حكومية لانعدام المؤسسة العمومية المستقلة. أما خشيته أو تحذيره من أن أخدم بكتاباتي أطروحة الدوائر الغربية والصهيونية العالمية الهادفة إلى ربط الإسلام بالعنف فكان يمكن أن أعتبرها نكتة الموسم لو لم تلتق مع تهم ومبالغات دعاة الفكر الأصولي.

لم أمارس سوى حقي في مناقشة الأطروحة الغالبة والجهر دون تطاول على أحد بعدم اقتناعي بما يكتب مفكرون أكن لهم كل الاحترام والتقدير. أما القول بعدم اعترافي بوجود إسلام معتدل فهذا هو لب النقاش والاختلاف وربما بعض سوء تفاهم وكثير من المغالطات

تحدث صديقنا عن مجموعات بشرية وجد فيها إسلاما معتدلا ويذكر مفكرين نظّروا لإسلام مستنير ممكن. لكن السؤال المطروح هو ليس في وجود أو عدم وجود مسلمين عقلانيين بل هو: هل هم عقلانيون لأنهم مسلمون أم هم كذلك لأنهم حداثيون وإن لم يشعروا؟

ينبغي أن نفرق بين الإسلام والمسلمين أو المنحدرين من أصول إسلامية. الإسلام ليس المسلمين الذين يؤمنون بالعلمانية وحقوق الإنسان والمساواة بين الرجل والمرأة الخ..الإسلام شيء ومكاسب الحداثة التي ينعم بها المسلمون شيء آخر تماما. فتلك الفتاة التي لا ترتدي الحجاب، لا تفعل ذلك لأنها مسلمة بل لأنها ‘امرأة حديثة’ وكذلك المسلم المؤمن بالمساواة بين الجنسين، فهو مساواتي لأنه ‘رجل حديث’ لا لكونه مسلما.. بل قد يكون كذلك في بعض المرات لأنه يجهل تعاليم دينه، ليس إلا.

ردا على مقال نشرته باللغة الفرنسية في ‘ريبوست لاييك’ وكان تحت عنوان:” هل الإسلاموية مرض الإسلام الطفولي حقا؟” حاولت أن أبين فيه أن الأصولية ليست أزمة عابرة في الإسلام بل هي أزمة دائمة. كتبت عالمة الاجتماع الفرنسية ليلى بابس غاضبة :” يكتب السيد زناز: ‘مَن مِن المسلمين يتجرأ على إعادة النظر في الردة وفي وضع المرأة المشين المفروض على المرأة في الإسلام الخ؟’ والجواب، أنا وآخرون. هذا أمر غير جدي.” وكان ردي كالتالي :”أنت الآن لست مسلمة إذن. تأخذين الحداثة على أنها الإسلام..أنت غير معنية بما تقوله الجملة التي نقلتِالقضية هي أن الناس قد تجاوزوا المفاهيم الإسلامية لأنها لم تعد تفي بالغرض ولكنهم لا يعترفون بذلك لأسباب بسيكولوجية ثقافية معقدة وباتولوجية سأتناولها مستقبلا.

لا يوجد مؤمنون معتدلون. يمكن أن يكون هناك اعتدال ثقافي، لا ديني إذ يجبر الدين المؤمن به أن يقبل كل أوامره ونواهيه باعتبارها مقدسة، لا أحد يستطيع تغيير عدد ركعات الصلاة وشهر الصوم الخ. على كل مؤمن أن يقبلها كما هي وإلا سيكون بكل بساطة خارجا عن الإسلام. تلك هي المسألة التي تجعل الإسلام في صراع مرير مع الحداثة ويظهر ذلك جليا في النصوص وفي سلوك المسلمين داخل مجتمعات الحداثة. فهم يؤمنون إيمانا قاطعا أن دينهم هو دين الخلاص الوحيد، فليس من السهل التصرف فيه ليتوافق مع الحداثة التي يعايشون. فمن المستحيل والحال هذه إبداع إسلام آخر متجذر في قاعدته الفقهية السلفية ومتلائم مع معطيات الزمن الحاضر في نفس الوقت. لكن حتى وإن تم ذلك افتراضيا هل يبقى الإسلام إسلاما؟ هل الإسلام المجدد هو الإسلام؟ كي يتصالح الإسلام مع العصر ينبغي أن تتغير فيه جوانب أساسية. وسواء كان هذا التغيير اليوم أوغدا، سيرفض المسلم الشامل الأمر جملة وتفصيلا كما لا يزال اليهودي والمسيحي الشاملان يرفضان ما لحق بالديانتين من تغيير في الجوانب المتعلقة بالحياة العامة. لا يمكن تحقيق العلمانية قبل أن يتحول المسلمون الشاملون إلى أقلية. فهل تساهم كتابات النخب المؤمنة بعقلة الإسلام واستعصار العلمانية من التراث الديني في تقليل عدد المسلمين الذين يؤمنون بشمولية دينهم أم تساهم في زيادة أعدادهم؟ أعتقد أن تجربة ما يقارب القرنين قد أثبتت أن محاولات التوفيق بين الدين والدنيا قد باءت بالفشل بل جاءت بعكس ما كان منتظرا منها: لقد تم عن طريقها أسلمة مخيال الجموع.
‘إن كان ما تقول صحيحا يا سيدي، ما هو البديل؟’ يتساءل الأستاذ محمد، ويضيف ‘هل هو أن نقف أمام المسلمين ونقول لهم إن كعبتكم وهم؟ وإسلامكم وهم وما تعبدون منذ قرون وهم؟’

يا عزيزي، لا يمكن لعاقل أن يطلب ذلك وإلا أصبح كاللاعقلانيين المطالبين بما لا يمكن تحقيقه كتحريم الاستمناء على المراهقين مثلا، مستندين إلى أحاديث وتراثيات كثيرة. ليعبد كل إنسان ما يحلو له، وليقم بالطقوس التي يريد، تلك حريات مقدسة ما دامت متعلقة بأصحابها ولا تقلق الآخرين. لذلك فلا نقول أبدا لأحد إن كعبتك وهم. فلا أحد يملك الحق في انتقاد حجاته أو عمراته مهما كثرت. ولكن للمواطن الحق في انتقاد ورفض أن نـدفع من خزينة الدولة تكاليف الحج لمهرجين ومغنين وغيرهم كما يحدث في الجزائر وأخواتها. أن يحتفل الناس بعاشوراء في بيوتهم شيء أما أن نفرض على الآخرين رؤية طقوس الدم وجلد الذات في الشوارع..وعلى شاشات التلفزيون العراقية اليوم، فهو أمر مرفوض لأنه، بكل بساطة، يمجد العنف الجسدي وينمي الشعور بالثأر. في مصر مثلا يُحارب تنظيم النسل بمبادئ الشريعة وهكذا يزداد عدد المصريين بشكل غير عادِيّ، ويضطرون للعيش على مساعدات الكفار. تبنى المساجد بشكل فوضوي وبأعداد خيالية تفوق الحاجة بأضعاف وبتـكاليف باهظة..

في وقت تقترب فيه الإنسانية المتحضرة من التخلص النهائي من عقوبة الإعدام تتمسك المؤسسات الدينية الرسمية في الجزائر بعدم وقف تنفيذ تلك العقوبة المشينة. صرح رئيس المجلس الإسلامي الأعلى أنه من المستحيل أن يوافق على إلغاء العقوبة كما اعتبر المدافعين عن إلغائها من الجاهلين بتعاليم الإسلام. أما رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فقد كفّر في بيان له الحقوقيين المُصرِّين على مخالفة أحكام القرآن بإلغاء الإعدام. وقد اعتبر ذلك ردة وخروجا عن الملة يحرم صاحبه أن يدفن في مقابر المسلمين ويطلّق من زوجته بل اعتبر القصاص عبادة مثل الصيام والحج ولا يدخل في باب المعاملات (الخبر14/01/2009)! ما العمل أمام نصوص واضحة لا تتعلق بالحياة الخاصة فحسب بل تفرض تشريعا معينا للناس أجمعين؟ هل نتمادى في ممارسة قتل النفس البشرية حتى يظهر ذلك ‘النابغة المنتظر’ في علم التأويل لتخليص رقاب الجزائريين من مشنقة مجلس إسلامهم الأعلى وجمعية علماء مسلميهم؟
تلك أمثلة بسيطة من بين ألوف، هل ننتظر مئات السنين لمعالجتها بدعوى أن المجتمع لم ينضج بعد؟ هل أقبل تزويج طفلة في التاسعة في انتظار أن يفهم مجتمعي أن هذا الأمر مناف اليوم لأبسط حقوق الأطفال؟ وووو

هل ننظر إلى مجتمعنا كما هو كائن ونحاول تعقل ثم تبرير ثقافته؟ أم ننظر إليه كما ينبغي أن يكون ونؤمن بإمكانية تغييره؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This