في أن مؤرخي “أبو غريب” مولعون بالقطيعة التاريخية

تعود قصص سجن “أبو غريب” الحديث إلى الصحافة والإعلام الغربيين ( سي إن إن، فوكس نيوز، لوموند ديبلوماتيك) كما لو أنها تحدث الآن. ونقول سجن أبو غريب الحديث تحديداً، ذاك أن البحث عن القديم فيه أصبح عملاً معرفياً بحسب الكثيرين وليس له أي وقع يذكر في الراهن السياسي، إنه تالياً، صفحة وطويت. ففيما يصبح تاريخ في محل النسيان والإستعراض المعرفي كتاريخ أبو غريب البعث، ينهمك المؤرخون المولعون بفلسفة القطيعة التاريخية بكتابات تاريخية جديدة قد تضع مستقبل المعرفة والفلسفة التاريخيتين محل انحطاط غير مسبوق في الفكر البشري، ذلك أنهم يؤسسون لــ “أبو غريب 2004” تاريخاً خاصاً ومنفصلاً عما حدث في المكان ذاته قبل ذلك العام.

ولأن أبو غريب الحديث أو أبو غريب 2004 تحديداً، صنعته الصورة والوعي الغربي بالصورة وتلته كلمات إعتذار غير كافية بمعانيها الموزعة بين التحرير والإحتلال، فإنه بالتالي تمثل أخلاقي في الوعي الأوروبي والأميركي أكثر من غيره، بينما قديم ذلك المكان الذي أُدخل إلى الثقافة الغربية مؤخراً، بقي على تخوم “أنتيك الاستبداد” مكتفياً بقصص سماعية جد ذاتية وإنما خارج ثقافة الصورة. هكذا، وفي السياق ذاته بالطبع، يمكننا تقسيم أبو غريب إلى مكانين، عالمين، ثقافتين وحقلين مختلفين للتاريخ والفلسفة التاريخية.

يتجسد الأول في مكان موصوف ذي ملامح مزدوجة بين السرد والحدث الإسترجاعي، عالم مكون من قدرة التذّكر والحكايات والوثائق المكتوبة بلغة إجرائية، ومن أسماء بالطبع جُرّدت من حقها في الحياة. أما المكان الثاني الذي ينتمي إليه عهد “أبو غريب” الجديد، فهو مكان مصور، وثقته ثقافة الديجيتال في حدود المعرفة بتاريخ اللحظة ودقة الغوص في معطياتها. فأي مؤرخ بالتالي لا يحتاج العودة إلى الشهادات السردية أو القصص المكتوبة عن (أبو غريب 2004)، فنافذة الإنترنت توفر له تفاصيل عمليات التعذيب والتنكيل بالسجناء العرقيين على أيدي الجنود الأمريكيين، وتمكنه من كتابة مادة مُجرّدة من إشكالات “الدقة التاريخية”، ذلك أن الحدث افتقد الحبكة والحكاية التاريخيتين أساساً. وقد لا يبالغ المرء إن افترض بأن (أبو غريب 2004) لا يربطه شيء باللغة، فما جرى كان شيئاً من التجريبية في حقل التعذيب من خلال الصورة. وبسبب ذلك، بدا “أبو غريب” وكأنه يفتقد لأي تاريخ يخص معطياته الأمنية والسياسية والمعمارية، بينما تاريخه الجديد المتصل بأصول الجنود الأميركيين يراهن على التجزئة المعرفية بين ما تم تدوينه وما تم تصويره.

من هنا، يواجه أي باحث عن عهد ” أبو غريب” الأول والأطول متاعب جدية، ذلك أن أي بحث عن “أبو غريب 1960-2003 ” مشروط بشهادات وحكايات ووثائق متفرقة وغير مؤرشفة، وهناك أحياناً إشارات سريعة في تقرير لا يتجاوز صفحة واحدة إلى إعدام مجموعات كاملة، سيما أنه كان عهداً سرّياً للغاية كما كان يكتب على كل كتاب أو تقرير أو إضبارة تتعلق بحياة المعتقلين والمسجونين فيه .

نحن إذن أمام ظاهرة شيزوفرينية للتاريخ الحديث إذ تعتمد الصورة لبناء اللغة وتلغي اللغة من أجل إستقلالية الصورة. انها إشكالية الحداثة المفرطة التي تقتضي فيها “القطيعة” شروطا مجرّدة من أية هوامش مكانية وزمانية لبناء التاريخ .

في ذات السياق نقرأ في عدد شهر نوفمبر 2006 في الشهرية الفرنسية (لوموند ديبلوماتيك ) مقالاً لـ “أفيري .ف. غوردون” أستاذ علم الإجتماع في جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا يبحث فيه عن أصول معذِّبي سجن أبو غريب العسكرية والأمنية . فبرغم دقة المعطيات التي تغني مقاله المعنون “معذبو أبو غريب، من أين جاءوا؟”، لا تستوفي رؤية السيد غوردون شروط بناء تاريخانية بحتة دون اللجوء إلى الصورة التي طالما وظفها غوردون في تفصيل ماضي المعذبين في تاريخانيته البحتة . ففي وصفه لماضي ” جارلز آ. غرانر ” السجان السابق في إحد سجون بنسلفانيا، نراه يتشبث بالصورة لتفصيل السيرة ويعود بالتالي إلى إحدى صور أبو غريب التي يقف فيها ” جارلز غرانر” مبتسماً بجانب الجندية “ليندي إنكلاند خلف الصورة الحزينة الشهيرة التي بدت فيها أجساد السجناء العراقيين على شكل هرم .

في هذا، سببية تاريخية حديثة – على الأغلب – تمكّن المؤرخ من إيراد عناصر توليدية في صناعة «التاريخانية” المدعومة بنظريات الإستقلال المعرفي. فالإشارة إلى صورة تجسد شكل التعذيب والمعذِب والمعذَب والمكان والزمان، تقف بالضد من السرد التاريخي أو اللجوء إلى المعلومة التاريخية، ذلك انها -الصورة- تحتوي على معطيات تختصر زمن الإنفعال مع الحدث ، وهي بالتالي تاريخ ذو بعد واحد ومنفصل عن مفهومي المكان والزمان ذاك انه يرتسم على “يقين استقلالي” في بناء الخطاب التاريخي .

ما هو غريب في أمر سجن “أبو غريب 2004” خلو غالبية الكتابات الغربية والعربية أيضاً من اصول ذلك السجن وشكله المعماري والخارجي والداخلي وكيفية تأسيسه، ويحاول كتاب ومثقفون عراقيون ينتمون إلى “وطنوية جديدة ” ( وهم من الإتجاهات البعثية واليسارية القومية والقومية الدينية ) تكريس الإتجاه السائد ذاته في الصحافة الغربية ويعتمدون مفهوم “الآن” أو ما بعد الكولونيالية كما يريد بعض منهم تسميته ، تالياً، أصبح الماضي على هذا النحو شكلاً من الإتهام . ولا يتورع هؤلاء “الكتاب الآنيون” عن إطلاق تسمية “الاتجاه الماضوي” – ويُقصد به ثقافة القمامة غالبا- على مَن يحاول ربط ما يحصل اليوم بالماضي.

إن الشكل الغالب على موضوع أبو غريب إذ يعود إلى واجهة الصحافة العالمية وسجال اليسار، والذي هو التفوق التاريخي لشكل من العذاب على آخر، إنما يقصد به تثبيت القطيعة بين ألم 2004 وبين آلام 1968-2003، ففيما تظهر عناصر الأول المتمثلة في الصور والسيرة الذاتية وإعترافات المعذبين في سياق الثقافة الحقوقية للإنسان، تبدو ملامح الثاني كـ”أنتيك معرفي” كما تمت الإشارة في بداية هذا المقال. لذلك أجدني هنا مضطرا للولوج في وثائق وشهادات وحكايات مهربة من المكان ذاته – أي أبو غريب – بغية تحديد ملامح الألم كشكل واحد لتحقير الإنسانية، ذاك أن التعذيب ومكانته ومكانه في التاريخ هو إبتذال العنف الذي طالما شارك المؤرخون والمثقفون في إنشاءاته المتعددة قديماً وحديثاً .

في وصفه المقتضب لقسم الإعدام في أبو غريب يقول الكاتب والناشط العراقي صبح كنجي:

“يتكون قاطع الإعدام، في سجن أبو غريب، من قسمين، وكل قسم من طابقين ويحتوي كل طابق على غرف انفرادية مساحتها لا تتعدى 2×2 متر فقط، و عددها أربعون غرفة تعجُ بالمحكومين. واحتوت كل غرفة على ما لا يقل عن 17 محكوما ً وفي إحداها 21 محكوماً. ولك أن تتصور حالة المحكومين في هذه الأوكار. في الليل كنا نسد فتحة المرافق بكيس نايلون ونضع فوقها بطانية كي ينام بعضنا في هذا المكان.. وأي نوم هذا ؟!

في مداجن الدجاج العصرية، يقترح المختصون إيداع ثلاث دجاجات في المتر المربع الواحد، وبمقارنة وضع المحكومين في هذه الردهات مع مداجن الدجاج… يتضح أن الغرف التي احتوت على 17 محكوماً، لا تصلح علميا ً لأكثر من 10) دجاجات فقط”.

وكان يكتب على الجدار الخارجي من جهة الشارع العام لذلك القاطع “مستودع” وكان بحق مستودعا بشريا حقيقيا كما يقول الكاتب

أن الوصف هذا ، رغم إقتضابه واقتصاره على زاوية واحدة من زوايا “أبو غريب” إنما يشير إلى جانب مهم في أبو غريب وهو الطبيعة الداخلية ليس للمكان فحسب، بل للفضاء المتاح لممارسة فعل تجريد السجناء من صفة ” البشرية “. فالقاطع المذكور وإن كان يشير في الخارج إلى المستودع، هو شكل واضح لتقليص الجسد قبل التخلص منه، ذلك ان الأعداد الكثيرة من السجناء الذين وضعت أسمائهم في قائمة الإعدام، اقتضت إقتضاب المكان قبل إقتضاب الحياة. لذلك نرى ان عمليات الإعدام، كانت تتم على الأغلب بشكل جماعي وبحضور الممثلين للجهات التالية:

1 – ممثل شخصي عن صدام حسين.

2 – ممثل عن ديوان الرئاسة.

3 – مدير الأمن العام أو من ينوب عنه.

4- مدير المخابرات العامة أو من ينوب عنه.

5 – مدير الاستخبارات العسكرية أو من ينوب عنه.

6 – ممثل عن حزب البعث.

7 – مدير الشرطة العام.

8 – ممثل عن وزارة الصحة وهو الدكتور المكـلـّف بتوثيق حالة الوفاة طبيا.

9 – مدير أمن سجن أبي غريب.

بالإضافة إلى آخرين، من ضمنهم “رجل” دين يدخل على المحكومين لطلب الاعتراف والغفران أو الشهادة الإسلامية للمسلمين والوصية الأخيرة…

ففي 28-29/12/1986، أي قبل يومين من أعياد رأس السنة الجديدة، تم تنفيذ قرار الإعدام بحق 102 سجين سياسي عراقي و عَثر د. صاحب الحكيم مقرر حقوق الإنسان في العراق وبتاريخ 22/5/2003 على بعض الوثائق الأصلية حول تلك المجزرة في سجن أبو غريب خلال زيارته للسجن المذكور. واحتوت الوثائق بحسب السيد الحكيم، على أسماء بعض الضحايا العراقيين الذين نُفذ بهم حكم الإعدام في سجن أبو غريب، حسب ما جاء في الوثائق “الحمراء الأصلية الخاصة بكل ضحية مع التفاصيل الخاصة بأوامر تنفيذ تلك الأحكام التي أصدر المجرم صدام التكريتي المرسوم الجمهوري رقم 916 لسنة 1987 و المؤرخ في 27/12/1987 بتنفيذها وأمر المجرم منذر إبراهيم (الشاوي) وزير العدل، والمجرم غسان جميل الوسواسي رئيس الإدعاء العام والمجرم إسماعيل حمادي علاوي مدير قسم الإصلاح في سجن أبو غريب بتنفيذها”.

هنا، نحن أمام الكلمات والأرقام والوثائق بالإضافة إلى صور سردية وشهادات عن ما حدث في أروقة ذاك العالم وإنما تنقصنا الصورة وسحرها وسرّها والإنبهار الذي تخلقة وسائل الإيهام فيها. تالياً، وأمام إشكالية كهذه إذ تفرض شروط إستقدام الزمن على ما هو غير سردي وفق فعالية الصورة وآلياتها الحفرياتية في الذاكرة الجماعية، لا يخرج التاريخ المكتوب أو الشهادات السردية عن عالم أبو غريب عن إطار “الحكواتية” بنظر الكثيرين . ذلك انه يخص ذاكرة الضحايا أو الذين ذاقوا طعم التعذيب فيه ، بينما التعذيب المصور وإن اقتصر على فترة زمنية قصيرة بالمقارنة مع السردي “، نما هو جملة بيانية موزعة بالتساوي بين المُعَذَب والمُعَذِب و”المتفرج”.

فالتاريخ هنا هو إستعراض أو فرجة، ولذلك فقط نستخدم صفة المتفرج للمتلقي، لأن التعذيب الذي حصل على أيدي الجنود الأميركيين عام 2004 في أبو غريب، تجسد، في أبعاده وآثاره اللاإنسانية ، في الذاكرة المرئية قبل قراءة أي خبر عنه. ولو بقي في إطار الصحافة المقروءة، لاقتصر على الأوساط السياسية والصحافة على الأغلب وامتدت تأثيراته بالتالي إلى تاريخ أبو غريب القديم، ذلك التاريخ المقروء أو المكتوب، يعتمد تفصيل الخبر وأصوله الزمكانية ، ولكن ما رأيناه كان هيمنة مطلقة للصورة واستقلاليتها في نشر الخبر.

ولا نذهب بعيداً ان قلنا بأن صور التعذيب أسس فكرة في الوعي الغربي مفادها ان تأسيس سجن أبو غريب يعود إلى ما بعد سقوط صدام، في حين أنه، أي أبو غريب، أُسس عام 1964 من قبل متعهد بريطاني. وبُدأ بإرسال السجناء إليه من مختلف أنحاء العراق في شهر مارس من سنة 1970 وسمي بسجن الباستيل العراقي لبشاعة المعاملة فيه ولضخامته وحصانته. لقد بُني على مساحة كبيرة تقدر بأكثر من ثلاثة ملايين ونصف متر مربع ويستوعب حوالي 4600 نزيل أو سجين وفيه قسم خاص لسجناء الأحكام الطويلة ويتسع هذا القسم إلى حوالي 1300 سجين، أما قسم الأحكام القصيرة أو السريعة والتي ينفذ بها حكم الأعدام الفوري أو بمحاكمة قصيرة فيبلغ عدد النزلاء به حوالي 1250 سجينا يتبدلون بين حين وآخر نتيجة التصفيات المستمرة في هذا القسم.

ويوجد قسم آخر أو قاطع آخر خاص للسجناء من الذين تصدر بحقهم أحكام الإعدام الخاصة ويتسع هذا القسم إلى 1300 سجين كما يوجد قسم خاص بالسجناء غير العراقيين او السجناء الأجانب ويتسع هذا القسم إلى 500 سجين وهناك قسم آخر يسمى بقسم الإفراج الشرطي ويتسع إلى حوالي 250 سجينا أو نزيلا. ومن المهم ومن الضروري أن انوه بان بعض القواطع يتم حشر ضعف الطاقة الأستيعابية لها مما يتسبب في العديد من المشاكل الصحية للسجناء وخصوصا في أشهر الصيف ذات الحرارة الشديدة وكذلك في أشهر الشتاء ذات البرد القارص، علما بأن المستلزمات الصحية غير متوفرة في هذا السجن السئ الصيت للغاية. وسمي هذا السجن باسم أبو غريب لأنه يقع في منطقة أبو غريب الزراعية المعروفة والواقعة شمال بغداد. وقد قامت شركات أجنبية بإنشاء هذا السجن.

لقد نص قانون العقوبات العراقي المرقم 111 لسنة 1969 على عقوبة الإعدام التي كانت تجري عادة في سجن أبو غريب، فإذا كان المتهم مدنياً يعدم شنقاً حتي الموت وفق المادة القانونية المذكورة، واذا كان عسكرياً فإنه يعدم رمياً بالرصاص وأحياناً كانت عمليات الإعدام تجري خارج السجن بصورة علنية لأسباب خاصة وبموجب أمر التنفيذ الصادر من وزير العدل، حيث يبلغ المتهم بالاعدام قبل يوم من تنفيذ حكم الاعدام بحقه.

لقد كرّست الصحافة تلك القطيعة التاريخية التي أحدثتها الصورة في تاريخ “الباستيل العراقي” الممتد من عام 1970 إلى 2003، أي ثلاثة عقود وثلاث سنوات، ووضعت موسوعة العذاب في ذلك المكان النموذجي لممارسة العنف في سياق التاريخ المعرفي أو “الأنتيك” إن صح التعبير.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق