في إشكالية المرأة العربية… من جديد / كرم الحلو

لا تزال مسألة المرأة في الفكر العربي المعاصر في موقع إشكالي ملتبس بين التعامل معها من خلال المنظومة الحداثية بكل ما تعنيه من حقوق إنسان بالمفهوم الحداثي، من دون أي تمييز مع الرجل، بوصفها كائنا أساسيا ومركزيا في الأسرة والمجتمع والوجود، أو النظر إليها من خلال جسدها باعتباره «عورة» ومثاراً للفتنة، وبالتالي عزلها بشتى الأساليب والأشكال وإقصاؤها وتهميشها. وإذا كانت هذه المسألة قد طرحت مع بطرس البستاني وفرنسيس ومريانا مراش وقاسم أمين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومع نظيرة زين الدين في عشرينيات القرن الماضي، واستمر طرحها إلى الآن مع نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي ورجاء بن سلامة، فإن طرحها من جديد يستدعيه من جهة خطاب الأصوليين الذين يريدون حصرها في المنزل وإحاطتها بما لا يطاق من القيود، ومن جهة أخرى الخطاب الإعلامي المعاصر الذي حوّلها إلى سلعة إعلانية مُسقطا دورها وإسهاماتها السياسية والاجتماعية والإنسانية.

في هذا الإطار الإشكالي يطرح محمد عبد الوهاب يوسفي في «جسد الأنثى بين الخطاب الديني والخطاب الإعلامي» دار الطليعة 2009 مسألة المرأة العربية من جديد بالتركيز على النظرة الحقيقية لكل من الخطابين الديني والإعلامي إلى جسدها، وانعكاساتهما الفعلية على واقعها الاجتماعي والإنساني، في محاولة لتفكيك جانب من بنى الفكر العربي المعاصر، بالحفر عن جذوره في الموروث الثقافي ومرجعياته ومنطلقاته وآليات اشتغاله.

بحث المؤلف في الحجاب من خلال نماذج من كتب التفسير القديمة فخلص إلى أن المفسرين نحوا منحيين: منحى تراثياً رأى في الحجاب شرطاً لطهر المرأة وصوناً لكرامتها، ومنحى إناسياً انتروبولوجيا نظر إلى المرأة على أنها تتساوى مع الرجل في الحقوق والواجبات، جازماً بعدم شرعية الحجاب دينيا، حيث نفى محمد عبده والطاهر الحداد أن يكون للحجاب نص قرآني، وأقر عبده بكونه عادة وافدة.

لقد ذكر القرآن الحجاب في أكثر من سورة، إلا أنها جميعا، في رأي المؤلف، لم تعنِ الحجاب بالمفهوم المتداول في الوعي الجمعي، ولم تنص عليه مباشرة وصراحة بما في ذلك سورة الأحزاب، حيث أجمع المفسرون على أن الحجاب في هذه السورة خاص بنساء النبي دون بقية النساء، إذ حتمت عليهن وضعيتهن التواصل مع المسلمين تواصلا مشروطا بإقامة حاجز لا يكون على مستوى اللباس، بل يكون جدارا أو سترا أو بابا يتجسد على مستوى الفضاء، وقد حث عمر على ضرورته بما رآه فيهن من ترفع وأفضلية. لكن بعض المتأخرين زمنيا كالفخر الرازي وغيره عمموا حكم الحجاب وألزموا به المرأة المؤمنة عامة.

هذا الاختلاف في فهم النص الديني عائد، حسب المؤلف، إلى أن المفسرين من جهة لم يستطيعوا استيعاب لغة القرآن، ليس على المستوى الدلالي فحسب، بل على مستوى علاقتها ببيئتها وزمنها. كما أنهم من جهة أخرى، لم يتنبهوا الى الفصل بين ما هو إلهي نزل به القرآن، وما هو إنساني من قبل العرف والتقليد. فالحجاب بالمفهوم المتداول، هو من سنن العادات القومية المحلية، ما قبل الإسلامية في الشرق الأوسط، وقد كان للتحولات الجذرية في شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام، وفي زمن الدولتين الأموية والعباسية تحديدا، الأثر العميق في إقراره لباسا دينيا. إذ إن الحجاب في هذا الظرف التاريخي الاجتماعي، كان علامة تقسيم عالم المرأة عالمين: عالم الحرائر وعالم الإماء، وكان من أهدافه المحافظة على مؤسسة الزواج الأبوية بكل أنظمتها.

فضلا عن ذلك، أن تعدد المفاهيم واختلافها عبر الزمن بشأن الحجاب، يجر إلى القول انه لو أراد الله إلزام المرأة بجلباب معين، لكان خطابه واضحا وصريحا، ولما كان ثمة مجال للالتباس والاختلاف. ومن هنا فالوعي بلباس المرأة هو وعي ثقافي منبثق من الأعراف والعادات القديمة، وليس وعيا دينيا، ومن ثم هو قابل للترك والتبدل بما يتلاءم مع تطور المجتمعات. وحجة المؤلف في ذلك أن آراء المفسرين تثبت دونية المرأة الأمة والجارية، ما لا يمكن أن يصدر من القرآن، بل عما شاع في الدولتين الأموية والعباسية من فساد تمثل في استباحة الجواري والإماء. إن الله في القرآن لم يضيّق على المرأة ولم يقر بعزلها، وحجابها هو حجاب المفسر والفقيه والمحدث، من دون أن يكون «حجاب القرآن»، انه انعطاف إلى الوراء، الى ماضي الأعراف الطقوسية والتقاليد.
المشكلة إذاً في أن إخفاق المفسرين في فهم الخلفيات التاريخية لنشأة الحجاب، تجذر في الواقع الإسلامي المعاصر، بعدما ادعت السلفية الفكرية والسياسية أنه من رموز الدين والهوية، وغاب عنهم الجانب الأساسي في الحجاب بما هو حجاب العرف والتقليد الموغل في زمن ما قبل الإسلام.

إذا كانت هذه هي نظرة الخطاب الديني إلى المرأة، فإنها ليست أفضل حالاً في الخطاب الإعلامي، في ظل غياب صورة إعلامية صحيحة تعكس تنوع حياة المرأة ومساهمتها في عالم متغير. فالفضائيات الغنائية تستبيح جسدها وتعرضه بضاعة إغراء، ونكون في الحالتين إزاء صورة قوامها الوظيفة الشهوانية للمرأة، فضلا عن انها مبتذلة ومشوهة لا تأخذ في الحسبان حضورها الفاعل في المجتمع ودورها الأساسي في تنميته، بحيث تهمش المرأة المفكرة والعاملة في شتى الميادين.

يخلص المؤلف أخيرا إلى أن المرأة، إن في الخطاب الديني أو في الخطاب الإعلامي المعاصر، لم تتجاوز مرتبة الأمة قديماً. فالخطابان لا يتوافقان مع واقع المرأة العربية المعيش، وليسا إلا تواصلا للمؤسسات التي نشأت في الحضارة العربية الإسلامية من مؤسسة الحريم والجواري والإماء، كما أنهما لا يواكبان كذلك واقع التنمية الكوني الذي يفترض حضورا للمرأة في الوجود الإنساني يجاري وجود الرجل.

في رؤية إجمالية نرى أن المؤلف استطاع أن يكشف بعضا من التفسيرات الخاطئة المسيئة لصورة المرأة في الحضارة العربية الإسلامية، التي لا تتفق مع روح هذه الحضارة التي تعاملت مع المرأة، في رأيه، من موقع الاحترام والمساواة الكاملة بين البشر. كما أنه سلّط الضوء في المقابل على ابتذال صورة المرأة في الخطاب الإعلامي المعاصر، وضرورة مراجعة بناه الفكرية والايديولوجية. إلا أن الكتاب يتسم في رأينا بالتسرع والافتقار الى العمق والشمول في التطرق الى القضايا والإشكاليات المتعلقة بواقع المرأة في الحضارة العربية الإسلامية، فضلا عن أنه لا يشكل إضافة ذات شأن كبير إلى الخطاب النسوي العربي منذ أواسط القرن التاسع عشر إلى الآن. وقد تجنب الأسئلة الشائكة والمربكة. فهل ثمة مساواة نصية وفعلية بين المرأة والرجل في الحضارة العربية الاسلامية؟ وهل يمكن إلصاق الخلل القائم في التعامل مع المرأة بالمفسرين وحدهم؟ أليس ثمة مسوغات نصية وإيديولوجية لهذا الخلل؟ هل يمكن ان يُبنى أي تصور حداثي لإشكالية المرأة العربية من داخل الفضاء التراثي ومن خلال براديغماته؟ أليس من علاقة أساسية ومباشرة بين الواقع البائس للمرأة العربية وبين العولمة المتوحشة من جهة، وبينها وبين الإخفاق النهضوي العربي من جهة أخرى؟ وهل يمكن حدوث تحول جدي وذي شأن في مسألة المرأة من دون تغيير فعلي في حركة النهضة العربية على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟

أسئلة تجنبها المؤلف ونرى أنه من دونها سيبقى الخطاب النسوي يدور في حلقة مفرغة لا يُنتظر معها أن يصل الى أية نتيجة جذرية تقلب مساره التاريخي الذي يكرر نفسه منذ خطاب بطرس البستاني في تعليم النساء عام 1849.
——————————-
([) محمد عبد الوهاب يوسفي ـ «جسد الأنثى بين الخطاب الديني والخطاب الإعلامي» ـ بيروت ـ دار الطليعة ـ 2009

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق