في الائتلاف والاختلاف: ثنائية السائد والمهمش في الفكر الاسلامي القديم – ناجية الوريمي بوعجيلة

{{تعريف الناشر:}}

تعد حقيقة الثراء والتنوّع في الاختيارات الفكرية الاسلامية القديمة من أهم الحقائق التي تحتاج الى المراجعة وإعادة النظر اليوم. فهي لا تزال تدرس بمعايير تقليدية مذهبية أو سياسية أو عرقية، غير مجدية من حيث الكشف عن طبيعة المشاريع المعرفية التي تمثلها كل مجموعة من الاختيارات، ومن حيث إدراك وظائفها التاريخية المتباينة في صلب الصراع الانساني الدائر عصرئذ.. إننا نشهد اليوم توافق معطيات تقتضي هذا الضرب من المراجعة وتحفز اليه: تطور مطرد لما تحققه علوم الانسان والمجتمع من نتائج مشجعة من ناحية، ومن أخرى حضور مميز “لركام ثقافي” تحتاج مكوّناته الى حفريات وعمليات تفكيك وإعادة تركيب سعيا الى تحويل الركام الى معالم تقترب ما أمكن من حقيقة وجودها التاريخي، ومن حقيقة الدور الذي أدته.

{{الناشر: المدى للثقافة والنشر والتوزيع ورابطة العقلانيين العرب}}

{{سنة النشر: 2005}}

{{صفحة: 428}}

{{عرض للكتاب، بقلم نزارعبدالستار}}

تبحث التونسية ، ناجية الوريمي بوعجيلة ، في كتابها ( في الائتلاف والاختلاف / ثنائية السائد والمهمش في الفكر الاسلامي القديم ) الصادر عن دار المدى جملة قضايا تتعلق بالفكر الاسلامي ، واشكالية محدودية الجهد المبذول مع هذا الارث ، وهي محاولة لاعادة النظر في الفكر ( القديم ) بعيدا عن المعايير التقليدية سواء كانت مذهبية ام سياسية ام عرقية . وترى بوعجيلة التي نالت عن بحثها شهادة الدكتوراه عام ( 2003 ) ان البحث في ثنائية السائد والمهمش يرتكز على حقيقة ثراء الفكر الاسلامي وعمقه وعلى تنوعه ؛ فضلا عن القصور المسجل في الدراسات التقليدية التي كانت احادية الجانب ولم تخضع هذا الارث الثر الى الدراسة الموضوعية ، وترى في هذا حافزا قويا لمراجعة المناهج
والنتائج على حد سواء .

الكتاب يتهم المناهج القديمة بانها لم تتجاوز اعادة انتاج الاراء والمواقف التي تبنتها الاطراف المنتصرة ابان ( الصراع التأسيسي ) حيث تورد الباحثة جملة تفاصيل توضح علاقة المتسيد ودوره في خرق قواعد النص في النصف الاول من القرن الهجري الاول ومدى ضخامة البناء الذي نشأ على تأويل السلطة عصرئذ ، ومدى توافق هذا مع المتغير الفكري جراء النمو الثقافي والمتغيرات الحياتية التي اوجدت ايضا فرصة تغيير التفسير . الا ان هذه الحياتية لم تستمر على النهج نفسه وانما رسخت بشكل جامد ، وان الصورة التي رسمت للائتلاف والاختلاف في العديد من القضايا التي شكلت ، فيما بعد ، الارض الخصبة للتنظير والتأسيس كانت مفروضة من الاعلى وتم الاتفاق عليها من قبل الاطراف المنتصرة ، وان هذه الصورة وضعت في سياق البحث التقليدي وجرى نشرها عبر الاجيال ؛ فغابت الخصوصية والنسبية عنها وبرزت في المقابل الشمولية والحقائق المطلقة ، وترى الباحثة ان الدراسات التقليدية عملت على تكريس المسلمات بعد تخليصها من سياقها التاريخي وهذا ادى الى ان ينطلق دارس الفلسفة من جملة معطيات يفترض صحتها ويبني عليها مقترحاته الفكرية . لكن تلك المعطيات ليست ، في الكثير من الاحيان ، الا بداهات في حاجة الى المراجعة قبل ان نبني عليها من جديد.

الكتاب يتناول بالبحث فترة النشأة والتكوين بالنسبة الى الخطابات التي وضعت حول النص وهي ، كما تقول الباحثة في مقدمتها ، فترة بحث عن الحلول والاجوبة لاسئلة طرحها واقع حضاري مميز . وتصف الباحثة هذه المرحلة بـ ( الاضطراب الحيوي ) وهو ما سبق الهدوء المميت الذي قام على مصادرة الاختلاف والالتزام بالاحادية في كل الابعاد وهذه الفترة يمكن حصرها بقرنين الى ثلاثة قرون. .
كتاب الدكتورة بو عجيلة يقف عند نقطة ذات اهمية بالغة وهي مسألة التهوين من الاختلاف حيث ان الدراسات التقليدية تتجنب الاشارة الى الاختلاف بدعوة الالتزام الاخلاقي وتورد الباحثة رأيا يقول ان احدى وظائف هذا التهوين المتعمد تكون مشدودة الى الماضي وتهدف الى تنقية صورته من الشوائب التاريخية حتى يكون مثالا ليحتذى فترتقي المنظومة بمختلف عناصرها الى بداهة المثالية والاطلاق وتتحول الى سند قوي لتبرير الاختيارات السائدة . اما الوظيفة الاخرى فتكون مشدودة الى الحاضر والمستقبل وتهدف الى التشريع لتوحيد الصفوف بين المسلمين . وعلى هذا الاساس تعد الدراسات الفلسفية التي خصصت لاشكالية الاختلاف في الفكر الاسلامي القديم مفيدة في ابعادها التجريدية الباحثة عن شروط تحقق الهوية بالنسبة الى الانسان في الثقافة الاسلامية . لكن في ابعادها الاجرائية التطبيقية تظل في حاجة الى دعم الدراسات المتخصصة في قضايا الفكر الاسلامي .

قسمت الباحثة الكتاب الى مراكز اهتمام ثلاثة ، الاول بحث في اسباب النزول كما شاعت في خطاب التفسير ، وكما جاءت في خطاب السيرة . اما الثاني فقد بحث في الفكر الاصولي بين التأسيس الارثذوكسي وامكانات اخرى مغايرة وطريفة عرفها الفكر والواقع الاسلاميان . واختص الاهتمام الثالث بطبيعة النص القرآني واختلاف العقل الفقهي والعقل الكلامي في تصورها وهو ما اصطلح على تسميته بمسألة خلق القرآن او قدمه .
في القسم الاول حاولت الباحثة معالجة العلاقة بين سبب النزول والدلالة في النص القراني من خلال الذي سجلته بين خطابين في تعاملهما مع الموضوع نفسه ، خطاب التفسير وخطاب السيرة . وحاولت بوعجيلة البحث عن مؤشرات الاختلاف بينهما اعتمادا على مقارنات مطردة . وانطلاقا من النتائج والحقائق المرصودة حاولت الباحثة الكشف عن اليات تشكيل الخطاب لينهض بوظائف اخرى غير الوظيفة المعرفية .

وفي القسم الثاني كانت الاشكالية : ماهي نوعية الامكانات التي عرفها الفكر الاسلامي في المنهج الفقهي الاصولي وماحقيقة الاختلاف بينها ؟ . وقامت الباحثة في معالجة هذه الاشكالية بعملين يخص الاول تحليل الخطاب في النص الذي اعتبر مؤسسا لمنهج اصولي ارثذوكسي وهو نص الرسالة للشافعي ، بهدف الوقوف على العناصر المخالفة له والتي تأسس هو باقصائها . ويخص العمل الثاني البحث عن شظايا منهج مغاير للمنهج الارثذوكسي ، كان قد بدأ مع تجربة اصولية متميزة هي تجربة عمر بن الخطاب ، وتواصل بشكل مشتت لدى مفكرين اخرين ، منهم من هم معاصرون للشافعي .

اما في القسم الثالث فكانت القضية المطروحة بمثابة المجال الذي تقاطعت فيه انساق فكرية متباينة تحسست الباحثة بعض جذورها في القسمين السابقين ، وهي قضية خلق القران والمحن التي اقترنت بها . وسعت بو عجيلة في معالجة هذه القضية الى تقديم مشروع اجابة عن الاسئلة الاشكالية التالية : ماحقيقة هذه المقولة الكلامية : ( القران مخلوق ) . لماذا تقاطع فيها بشكل دموي ( الفكري ) و ( السياسي ) ؟ . لماذا عرفت تحولا خطيرا في الواقع من حيث نوعية الممتحنين ، بين علماء كلام ومحدثين ؟ . ثم ماهو الدور الذي قامت به هذه المسألة الثقافية السياسية في تحديد مسار انظمة فكرية متصارعة ؟ .

وفي القسم التأليفي قامت الباحثة بعملية اختراق افقي لمجمل القضايا والاشكاليات المطروحة في الاقسام الثلاثة السابقة بحثا عن مقومات متناسقة يمكن الحديث معها عن انظمة فكرية تتفاوت ثراء معرفيا وفعالية تاريخية انسانية .
وتتوصل الباحثة الى ان معظم العلماء ، غير المرضي عنهم في الثقافة الرسمية القديمة ، قاموا بفرض الرقابة على انتاج المعنى واعادة انتاجه من تكريس الكثير من حقائقه على مدى زمني يشمل العصور القديمة والحديثة وتقديم المعنى مجردا ومطلقا . ويتضح للباحثة ان توزيع مواقع الائتلاف والاختلاف في الحقول المعرفية المدروسة من اسباب النزول واصول الفقه وعلم الكلام يساعد الى حد بعيد على اعادة النظر في التصنيف التقليدي للفكر الاسلامي القديم وذلك بهدف الكشف عن اشكاليات المعنى واليات انتاجه ومن وراء ذلك تحسس معايير نظرية واجرائية يفضي اعتمادها الى بلورة الانظمة الفكرية التي شهدها هذا الفكر ومثلت في مرحلة تكونه شروط حركيته وتطوره .
لقد استفاد الفكر من جدلية الاختلاف ومن الحيوية المقترنة به وذلك في فترة تكونه وبحثه عن الاجوبة المعرفية واليات انتاجها . وتتوصل الباحثة ايضا الى ان العقل السياسي حقق انتصارا باقصاء العقل المعرفي وان الاختلاف المحرج المتولد عنه قد اقصى معهما شروط حيويته الفكرية المتمثلة في السعي الدؤوب الى تجويد الالة الحجاجية وتقوية الطرف المعرفي للاراء والمواقف المرجحة فراح انتاجه الفكري يتوالد من بعضه البعض في ضرب التضخم الكمي الذي يتقاطع مع هدف الاستجابة لمقتضيات الواقع التاريخي المتحول ليظل اسيرا لهدف الاستجابة لمقتضيات الوفاء لفهم معين للنص صاغته اطراف سلطوية معينة .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق