في الائتلاف والاختلاف: ثنائية السائد والمهمش في الفكر العربي الإسلامي

من المقدمة:

تُعدّ حقيقة الثراء والتنوّع في الاختيارات الفكريّة الإسلامية القديمة من أهمّ الحقائق التي تحتاج إلى المراجعة وإعادة النظر اليوم. فهي لا تزال تدرس بمعايير تقليديّة مذهبيّة أو سياسيّة أو عرقيّة، غير مجدية من حيث الكشف عن طبيعة المشاريع المعرفيّة التي تمثّلها كلّ مجموعة من الاختيارات، ومن حيث إدراك وظائفها التاريخيّة المتباينة في صلب الصراع الإنسانيّ الدائر عصرئذ. إنّنا نشهد اليوم توافق معطيات تقتضي هذا الضرب من المراجعة وتحفز إليه: تطوّر مطرّد لما تحقّقه علوم الإنسان والمجتمع من نتائج مشجّعة من ناحية، ومن أخرى حضور مميّز ﻟ"ركام ثقافيّ" تحتاج مكوّناته إلى حفريّات وعمليّات تفكيك وإعادة تركيب سعيا إلى تحويل الركام إلى معالم تقترب ما أمكن من حقيقة وجودها التاريخيّ، ومن حقيقة الدور الذي أدّتة. وفضلا عن هذه المعطيات، يظلّ القصور المسجّل في الدراسات التقليديّة المنزع في مستوى تعاملها مع هذا "الركام" – كما سنرى – حافزا هامّا إلى مراجعة منهجها ونتائجها. إنّها لم تتجاوز إعادة إنتاج الآراء والمواقف التي تبنّتها الأطراف المنتصرة إثر خفوت الصراع التأسيسيّ. فالصورة التي ترسمها للائتلاف والاختلاف، مثلا، هي تلك التي رضيت عنها هذه الأطراف ووفرّت لها ضمانات الانتشار والاستمرار عبر الأجيال. فغابت الخصوصيّة والنسبيّة فيها وبرزت في المقابل الشموليّة والحقائق المطلقة. ومن هذه الناحية، ساهمت الدراسات التقليديّة في تكريس العديد من المسلّمات بعد تخليصها من متعلّقاتها الخلافيّة، كما ساهمت في توضيح حدود الفصل بين الممكن النظر فيه، ومن زوايا محدّدة، وغير الممكن مراجعته وإخضاعه للدرس. وقد خلقت هذه الحدود ضربا من الحَجب المزدوج لجملة من الحقائق الفكريّة والمعطيات الواقعيّة. حَجبٌ أوّل مجاله المواضيع التي استُهلِكت دراسة وتفريعا فتكلّست فيها المنطلقات والنتائج، بينما من الممكن تغيير المنطلق لاكتشاف أوجه جديدة وطريفة فيها، وحَجب ثان مجاله مواضيع ظلّت أبوابها موصدة، إمّا بحكم العجز المعرفيّ عن فتحها، أو بحكم المنع السلطويّ من فتحها. فيكون تسليط الأضواء عليها بإعادة الاعتبار للمهمّش وترميم المجزوء وتجميع المشتّت دعما لمسارٍ ما فتئت تتقدّم فيه بخطى ثابتة دراسات حديثة راهنت على مساءلة البداهات وإشراع آفاق جديدة للمعرفة.

في هذا المستوى النظريّ العامّ يتنزّل بحثنا ويحاول أن يحدّد له موقعا في شبكة الدراسات العديدة والمتنوّعة التي اعتنت بظاهرة الاختلاف ومتعلّقاتها في الفكر الإسلامي القديم. أمّا في المستوى الإجرائي، فقد وجدنا هذه الدراسات موزّعة – من حيث منطلقاتها وغاياتها ومناهجها – إلى ثلاثة أصناف:

صنف أوّل اعتنى بدراسة آليّات الائتلاف وتقنيات الخطاب السلطويّ في الإيهام بمشروعيّة حقائقه، كما اعتنى بالكشف عن مظاهر الاختلاف المصادَر وضبط مؤشّراته المعرفيّة، وتمثّل هذا الصنفَ جملةٌ من الأعمال أفادت من فتوحات المعرفة الحديثة في مجال علوم الإنسان والمجتمع، وكوّنت – متضافرة – معالم مشروع تحديثي يضرب بأسباب قويّة في إعادة قراءة للماضي هدفها التمييز بين صورته الكائنة وصورته المكوَّنة والوظيفيّة، أيّا كان سياق وظيفيّتها. إلاّ أنّنا – وإن أفدنا من هذه الأعمال – لم نجد من بينها بحوثا مخصّصة كلّيّا لإشكاليّات الائتلاف والاختلاف، سواء في بعد تحليلي إجرائي أو في بعد تأليفيّ نظريّ. فهي تعرض لجوانب معيّنة من المسألة إمّا بشكل ضمنيّ، في إطار إشكاليّات أخرى، أو بشكل جزئيّ تحظى فيه المسألة بفصل أو أكثر في الكتاب الواحد. وتظلّ الملاحظات والنتائج المتوصّل إليها في هذه الفصول على قدر كبير من الأهميّة رغم عدم تخصيصها بمؤلّفات.

الصنف الثاني من الدراسات التي اعتنت بمسألة الاختلاف في الفكر الإسلامي القديم هو الصنف الفلسفيّ. وغنيّ عن التذكير في هذا السياق بأنّ هناك علاقات وطيدة وفاعلة بين العلوم الإنسانية الحديثة والبحث الفلسفيّ، لكنّنا قمنا بالفصل بين صنفي الدراسات الأوّل والثاني بسبب الخصوصيّة "الفلسفيّة" الواضحة لمنطلقات الصنف الثاني ونتائجه. فقد وجدنا خطّته في دراسة الاختلاف متشابهة المداخل رغم تباين المرجعيّات الفكريّة فيه. مدخل هو طرح نظريّ عامّ للاختلاف، مداره سلسلة من الثنائيّات المفهوميّة: "الذات والآخر" و"الماهية والاختلاف" و"الهويّة والمغايرة أو الغيريّة"، مع بحث شروط إدراك الآخر في مقومّاته الماديّة والثقافيّة. ثمّ مدخل يركّز في الاختلاف كما شهده الفكر والواقع الإسلاميّان مع بحث انعكاساته الحاضرة. ومن ثم يُفتح مدخل آخر إلى ظاهرة الاختلاف، وهو الدعوة الصريحة إلى إقرار "الحقّ" في الاختلاف، أو "شرعيّة" الاختلاف، إمّا في مستوى الدائرة الثقافيّة الواحدة، وهو ما سمّي بالاختلاف الداخليّ، أو فيما بين الدوائر الثقافيّة المتغايرة، وهو ما سمّي بالاختلاف الخارجي. لقد حدّدتْ هذه الخطّة التي تحكّمت في الدراسات الفلسفيّة نوعيّة المشاغل الفكريّة ونوعيّة الزوايا التي ينظر منها إلى مشكلة الاختلاف، بطريقة جعلتها تتجاوز إشكاليّات كثيرة ذات طابع نظريّ وإجرائي في الآن نفسه متعلّقة بالفكر الإسلامي القديم. فدارس الفلسفة ينطلق من جملة من المعطيات يفترض صحّتها ويبني عليها مقترحاته الفكريّة. لكنّ تلك المعطيات ليست في الكثير من الأحيان إلاّ بداهات في حاجة إلى المراجعة قبل أن نبني عليها من جديد. ولنقف مثلا عند دراسة علي حرب لموضوع الاختلاف في كتابه "نقد الحقيقة"، لنتبيّن عددا من المعطيات التي يبني عليها تصوّره والتي لا تتماسك كثيرا عند المراجعة. منها ما يتعلّق بصورة الخلاف الذي جدّ بين الصحابة بعد وفاة الرسول، إذ يحيل علي حرب القارئَ على كتاب لطه جابر فياض العلواني وهو بعنوان "أدب الاختلاف في الإسلام" بهدف الإلمام بهذا الموضوع، وينصحه قائلا إنّه "من المفيد الاطّلاع عليه". صحيح أنّ الكتاب يتميّز بتركيزه في موضوع الاختلاف بين المسلمين قديما، ومن هذه الناحية قد يغني القارئ العجول عن العودة إلى كتب شتّى؛ لكن من ناحية أخرى يُعدّ هذا الكتاب – كما سنتبيّن ذلك – أوضح مثال لإعادة إنتاج التصوّر الأرثوذكسي (الصراطي) القديم لقضيّة الاختلاف، خاصّة ما جدّ منه بين "السلف الصالح". هذا فضلا عن الطابع الأخلاقي الوعظي الذي سيطر على الخطاب المستعمَل فيه ممّا جعل الموادّ التي احتوى عليها مُشكَّلة تشكيلا يخدم الغرض الإيديولوجيّ بقدر ما ينأى عن الغرض المعرفيّ. ولهذا الضرب من الإحالات "العفويّة" – كالتي قام بها عليّ حرب – دور لا يُستهان به في إشاعة وجهات نظر معيّنة على أنّها حقائق عامّة.

ومن المعطيات التي يبني عليها الكاتب دون إخضاعها للمراجعة كذلك، المماهاة بين الفكر الفقهيّ والفكر الكلاميّ باعتبارهما يخضعان لمنطق داخليّ واحد، دون أن يشير إلى أنّ الأمر يتعلق بالمرحلة الأشعريّة وما يليها. ذلك أنّه قبل هذه المرحلة لا يمكن الحديث عن تطابق بينهما أو تكامل، بالنظر إلى حقيقة الاختلاف الذي حكم علاقتهما على أكثر من صعيد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق