في الامتثال السعيد

في الحادي عشر من ايلول عام 2001 اصطدمت طائرتان مدنيتان ببرجي التجارة العالمي في نيويورك. وسرعان ما اتهمت الإدارة الأميركية تنظيم القاعدة الإسلامي المتطرف بتدبير وتنفيذ العملية الرهيبة. هذا الاتهام كان اتهاماً سياسياً في مبتدأه ومنتهاه، ولم يكن المسؤولون في إدراة الرئيس جورج دبليو بوش في حاجة لانتظار التحقيقات الجنائية وصدور الأحكام القضائية لتقرير ما توجب عليهم تقريره. اتهموا التنظيم الذي جعل من افغانستان قاعدة لقيادة عملياته، وشنوا حرباً غير مسبوقة لجهة علو كعبها في اعتماد الجيوش المشاركة فيها أحدث أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً، ومن سخريات القدر، ربما، أن طرفي هذه الحرب الأساسيين، كانا على طرفي نقيض تقريباً في كل شيء. من اللغة إلى الأفكار وصولاً إلى التكنولوجيا.

لكن ما يعنيني خصوصاً في هذا الموضع هو التناقض البين بين الطرفين لجهة كون المهاجم في هذه الحرب هو أقوى وأغنى دولة في العالم، أما المعرض للهجوم المدجج بكل تكنولوجيا العالم فكان ولا يزال بلداً من أفقر بلاد العالم وأكثرها بعداً عن المعاصرة. مما يعني أن البلد الذي هوجم ما كان ممكناً له أن يتحول عرضة لفضول الصحافة في العالم وتسليط الأضواء عليه، لولا تنطحه ليكون نداً لأعتى قوة عسكرية واقتصادية في العالم. وأن كل ما كان يحدث فيه من قبل هذا التنطح الفظ لمحاربة أميركا العظمى، لم يكن بذي بال لأي مخلوق على وجه الأرض. وحين كانت قدما أحدهم أو أصوله تقوده إلى التدقيق والتحقيق في ما يجري في هذا البلد من العالم، ويكشف الفظائع التي يمارسها نظام طالبان في حق البشر والحجر والتراث الإنساني، كان يحوز رضا المهتمين في بلاد الغرب، وكثيراً ما ينال عمله جوائز تقديرية وتشجيعية، تقديراً لشجاعته في العيش والتحقيق بين الذئاب. لكن افغانستان كانت تسير في طريقها عموماً والولايات المتحدة كانت تسير في طريقها أيضاً، وليس ثمة ما يجمع بين الجانبين إلا بضعة أفراد كانوا يهربون من هنا أو هناك، ويلجأون إلى الطرف الآخر. فكان بعض المهتدين حديثاً إلى الإسلام من غربيين وشرقيين يجدون في أفغانستان ملاذاً آمناً من كل اتصال بالحضارة والمعاصرة. فيما تشهد أفغانستان هجرة متعلميها ومن يمكن اعتبارهم على اتصال بالعالم الخارجي في انتظام. ولم يكن الهاربون من الجانبين متساوين في شدة الترحيب بهم.

فالأميركي المهتدي إلى الإسلام كان محط ترحيب لا مثيل له في أفغانستان، أما الأفغاني الهارب من حجيم طالبان فلم يكن مرحباً به بالمثل. ذلك أن الغرب عموماً والوالايات المتحدة خصوصاً، كانت تريد أن تغمض عينيها وتشيح بوجهها عما كان يجري في أفغانستان. والحال، لم يكن ثمة ما يعيق عمل العالم ومختبراته وجامعاته ومصانع أسلحته في غياب طالبان وتنظيم القاعدة. في المقلب الآخر لم يكن ادعاء الحال نفسها ممكناً، إذ كان الطالبانيون يشعرون تجاه الولايات المتحدة والعالم الغربي المتقدم بثقل حضورهما، حيث لا مفر من تحسس ثقل الولايات المتحدة والعالم المتقدم على أبدان وحيوات الطالبانيين، فضلاً عن ثقلها البالغ على معتقداتهم وأفكارهم.

يمكن القول أن الطائرات الأميركية مهدت السبيل أمام العالم، ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية لمعرفة أفغانستان. فتلك بلاد كانت مجهولة قبل القصف الأميركي، هكذا لم يتردد مفكر لامع من عيار جون برجر في المساواة بين الثلاثة آلاف قتيل من الأفغانيين جراء الحملة الأميركية على هذا البلد وضحايا برجي التجارة في نيويورك، ليطالب بوقف الحرب على هذا البلد ما دام قد تحقق قانون العين بالعين والسن بالسن. فثلاثة آلاف نفس من الطالبانيين تعادل في مجموعها ثلاثة الاف نفس من الأميركيين، ولا سبب أخلاقياً يدعو لاستمرار الحرب أكثر من ذلك. لكن القتلى الأفغان الذين قضوا قبل الحملة الاميركية على هذا البلد لم يدخلوا في حساب أي كان. فهؤلاء قتلوا خفية وبعيداً عن أعين العالم وفي لحظة من لحظات تخليه وإشاحته. مما يعني أن ضحايا القاعدة وطالبان، ما دمنا نقر جون برجر على مبدأ المساواة بين حياة الأميركي والأفغاني، ليسوا ضحايا برجي التجارة فقط، بل آلاف لا تحصى من الحيوات التي تم نزع عصبها وتعذيبها حتى الفناء في ظل حكم طالبان. وإذا كان قانون العين بالعين والسن بالسن منصفاً، ويمكن اعتماده، فربما كان يجب على الولايات المتحدة أن لا توقف حربها على طالبان والقاعدة قبل ان تستأصل جذورهما تماماًً.

لست في صدد مناقشة جون برجر في هذا السياق. ما يعنيني من كل هذا السرد أن ضحايا طالبان ما قبل حادثة البرجين، كانوا مجهولين تماماً ولا تساوي حيواتهم شروى نقير في ميزان حقوق الإنسان. وهذا ليس عائداً لقسوة وغلظة يتميز بها الغربيون عموماً، بل لأن ما كان يجري هناك، لم يكن قيد البث المباشر، كمثل ما جرى عند اصطدام الطائرات بالبرجين ومبنى البنتاغون، ومجريات الحرب الأميركية على أفغانستان في ما بعد. ومنذ اللحظة التي شنت فيها الطائرات الحربية أولى غاراتها على أفغانستان، بات تاريخ طالبان وتنظيم القاعدة المثقلان بالجرائم والانتهاكات لحقوق الإنسان أمراً راهناً. أي بات على العالم أجمع أن يستعيد قصص الضحايا واحدة اثر أخرى. ولهذا الغرض الجليل نشطت الفضائيات والصحافة على أنواعها في نبش قبور هؤلاء واستقراء عظامهم. فجعلنا نتعرف، متأخرين زمناً كثيراً وكثيفاًً، على عذابات هؤلاء ومعاناتهم الصعبة في ظل حكم “مجانين الله” على حد تعبير جيل كيبل. ولم تكن المماهاة مع عذابات هؤلاء ممكنة من دون إعادة استحضارها بوصفها مما يحدث الآن، وليس منذ زمن بعيد. هكذا تفوق الطالبان المتخلفون تقنياً والمتسلحون بأسلحة لا تستطيع مضارعة الأسلحة الأميركية على الأميركيين في عدد الأرواح التي أزهقوها عن سابق اصرار وتعمد. ولم يكن ممكناً لتلك الحرب أن تنتهي من دون هذا السحب المنتظم لمجريات الماضي إلى الزمن الراهن.

على أي حال، لم يطل وقت الأهوال الطالبانية على الشاشات. فما إن انتهت الحرب بهزيمتهم حتى غابوا تقريباً عن الصورة الحية، وعاد البلد، الذي تم إيقاظه من زمن القرون الوسطى وحشره في زمننا الراهن، إلى زمنه الخاص. طبعاً ليس زمن طالبان لكنه ليس زمن نيويورك قطعاً. إذ أن ارتفاع أسعار الحياة الأفغانية كان فورة موقتة سرعان ما عادت إلى قيمتها الأصلية ما إن وضعت الحرب اوزارها.

كان ثمة في الأفق حيوات أخرى ينبغي جرها إلى زمن البث المباشر. وهذه المرة سيكون مسرحها العراق.

يومذاك، كان الحديث لا يزال ممكناً عن فروقات جغرافية بين أصقاع العالم. فروقات تحوز خصائصها من خصائص الأمكنة نفسها. وتتعلق إلى حد بعيد بمدى انتشار الجامعات والمختبرات في المكان الموسوم، ومدى اتصاله الفعلي بنتائج أبحاث المختبرات والعلوم. كان الطالبان المطلوب اجتثاثهم هم طلاب فقه وعلوم دينية. ولا شك أنهم استمدوا بعض ثقتهم بصواب ما يذهبون إليه من صفتهم كطلاب علم. لكن العلم الذي كان الطالبان يحصلونه في مدارسهم لم يكن وثيق الصلة بالعلوم التي تمد سلطانها على كل أصقاع الأرض، بوصف الخضوع لسلطانها امتيازاً لا يعدله أي امتياز آخر. ولم تكن صدفة أصلاً أن تقوم الدعاية الغربية التي أعقبت الهجوم الأميركي على طالبان بالتذكير المستمر بعلاقة طالبان المتوترة مع الطب الحديث، خصوصاً في ما يتعلق بعلاج النساء أو باشتغالهن في هذه المهنة المبجلة. هذه الوقائع التي تمت استعادتها في صورة محمومة لم تكن من المجالات التي يستطيع جون برجر أو نعوم تشومسكي أن يعترضا على ضرورة خضوع الأفغان لأحكامها، ولم يكن ثمة لدى أنثربولوجيي العالم الغربي ما يبرر هذا الطلاق مع العلوم الطبية بدعوى اختلاف الثقافات وضرورة احترام الفروق بينها.

كان السلوك الطالباني حيال طب النساء وممارستهن المهنة مداناً من ألفه إلى يائه، مما اضطر المدافعون عن الخيار الأفغاني في طول العالم وعرضه من الشيوعيين البيض واليساريين المتبطلين إلى القفز عن هذه النقطة بالذات وتجنب المناقشة فيها، والذهاب على نحو مباشر إلى صلب الجنوح الأميركي الإمبريالي بوصفه علة العلل. وفي هذا المقام بدا أن ثمة اعتدالاً محموداً له مجاله الجغرافي وينصح باتباع خطاه، اعتدال مثلته أوروبا ويقع في منزلة بين منزلتين: الجنوح الإمبريالي الأميركي كمنزلة أولى والتشدد الطالباني كمنزلة ثانية. فلم يلبث الأميركيون وقتاً طويلاً بعد هذه الحرب وعلى أبواب الحرب الأميركية الثانية على العراق بعد عامين أن هتفوا في شوارع المدن الاميركية “vive la France” باعتبار أن عقلاء العالم يجب أن يقعوا في موقع بين الموقعين المتقاتلين: أميركا من جهة أولى وطالبان وصدام حسين أيضاً من جهة ثانية.

وعلى هذا كان عقلاء العالم يأخذون على الطالبان تمردهم على الطب وسلطاته، فضلاً عن تمردهم على سلطات المنظمات البيئية والناشطين في مجال التراث الإنساني. فلم يكن ثمة ما يبرر على أي وجه من الوجوه ان يلجأ الطالبان إلى تدمير تماثيل بوذا الثلاثة في باميان. بوصف هذا التدمير اعتداء على التراث الإنساني برمته، وهذا ما كان من جهة الطالبان مذموماً وغير قابل للنقض، أما الأميركيون فأدينوا باللجوء المفرط إلى القوة العارية، والتدخل في الشؤون السياسية والدينية والعقائدية لشعوب لم تكن تعبأ بأي اتصال بالعالم الحديث الذي تدعي الولايات المتحدة النطق باسمه. فلا العراقيون كانوا تواقين إلى الديموقراطية ولا كان الأفغان يبجلون حرية الرأي والمعتقد. وإذ يشير فرنسيس فوكوياما في مقالة تبريرية لمقالته الموسومة بـ”نهاية التاريخ” إلى توق هذه الشعوب إلى استخدام التكنولوجيا وليس النظم السياسية، فإنه يقدم طلب انتساب جديد يؤهله الخضوع لهذه السلطات التي لا مجال لمعاندتها ويلتقي في هذا المجال مع متظاهري المدن الأميركية الذين هتفوا “تحيا فرنسا” عشية الحرب على العراق.

لقد استشرى الخلاف في السياسة والأفكار منذ ذلك الحين على نحو لا سابق له. وبعض الأفكار واجهت امتحانات عسيرة لم تنج منها. لكن الإجماع كان تاماً وناجزاً على ضرورة الخضوع لسلطان المختبرات العلمية والامتثال لتوجيهاتها. وأغلب الظن أن الفرنسيين قبل ساركوزي كانوا يمثلون الطريقة الأمثل لمثل هذا الامتثال السعيد والمغتبط.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق