في البحث عن التفسير الصحيح لحدث مفاجئ / محمد الحداد

أقلّ ما يقال في القرارات الجزائرية إنها تفاجئ المراقبين وتقسّمهم بين معجب غير واثق بإعجابه وناقد غير متأكد من نقده. هذا ما برز مجدّداً مع القانون التكميلي للمالية الصادر مع نهاية الصيف، وقد دعاه البعض بقانون الوطنية الاقتصادية، بينما تنبّأ البعض الآخر بأنه سيكون كارثة على الاقتصاد الجزائري. وفي العادة، لا تثير القوانين المالية اهتمام عامة الناس بسبب طابعها التقني، لكن هذا القانون بالذات أصبح محلّ حديث كلّ الأوساط، وليس في الجزائر وحسب، ولعله فريد لم يسبق له مثيل في بلد آخر. فالمعلوم أنّ كلّ البلدان تتسابق منذ سنوات لاستجلاب الاستثمارات الأجنبية وتشجيع المستثمرين العالميين لإقامة المشاريع فيها، وقد تضاعف هذا المسعى مع الأزمة الاقتصادية العالمية. ويعتبر التفكير الاقتصادي السائد أن البلد الذي لا يوفّر ظروفاً ملائمة ليكون قبلة للاستثمارات الخارجية يعاني الكساد الاقتصادي وتتضخم فيه نسب البطالة.

القانون الجزائري المشار إليه جاء على العكس تماماً من هذا التوجه المجمع عليه، إذ فاجأ المستثمرين بجملة من الإجراءات القاسية جدّاً. فبمقتضى الفصل 58 من هذا القانون، يتعين على المؤسسات الأجنبية العاملة في الجزائر في قطاع التوريد الخام أن تجد لنفسها شريكاً جزائرياً بنسبة 30 في المئة من رأس مالها، ويتعين على المؤسسات الأجنبية التي تعمل في قطاع الصناعة والتحويل أن تجد شريكاً جزائرياً بنسبة لا تقل عن 51 في المئة من رأس مالها، ويحدّد القانون بداية سنة 2010 لتطبيق هذه الإجراءات، وينصّ على أن المؤسسات التي سمح لها سابقاً بالاستقرار بالجزائر قبل صدور القانون ملزمة أيضاً بتطبيقه إذا كانت من صنف المؤسسات الموردة. ومعنى هذا أنه في ظرف ثلاثة أشهر تقريباً يتعين على عشرات المؤسسات أن تعيد تنظيم نفسها بصفة جذرية وتجد شركاء محليين وإلا فإنها تتوقف عن العمل، مع العلم أن هذه المؤسسات كانت قد استقرت في الجزائر بمقتضى إجراءات سابقة لتشجيع الاستثمار الخارجي، ولم تكن تتوقع أن تجد نفسها أمام هذه المفارقة. كيف يمكن أن نقرأ هذا الحدث؟ في ما يأتي مجموعة من القراءات الممكنة تبدأ بالأكثر تشاؤماً وتنتهي بالأكثر تفاؤلاً.

القراءة الأولى: لا تزال الجزائر تعاني من آثار الأيديولوجيا «العالمثالثية» ومن تضخم الذات، فهي تفسد بهذا القرار ما حققته على مدى السنوات الماضية، إذ نجحت في كسب ثقة الأسواق العالمية والمستثمرين وبدأت تتجاوز سنوات الحرب الأهلية والإرهاب، لكن المستثمرين سيعرضون عنها مجدداً بسبب قرار يتنافى مع سياسة تشجيع الاستثمارات، خصوصاً وقد تضمن القانون مبدأ التطبيق بصفة استرجاعية لبعض مواده، وهو أمر يراه البعض مخالفاً للقوانين الدولية ومعاهدات الجزائر مع المجموعة الأوروبية. وبما أن الأسواق المالية هي أسواق مضاربة أساساً، فعنصر الثقة فيها عنصر مهم، ومجرد الإعلان عن هذا القرار، بصرف النظر عن إمكان تعديله لاحقاً أو التراجع عنه، يعتبر ضربة قاسية لصورة الجزائر في الأسواق المالية وسيكون بمثابة الكارثة.

القراءة الثانية: يتواصل في الجزائر الصراع بين جيلين من السياسيين وأصحاب القرار. فالجيل الجديد هو الذي دفع الجزائر في السنوات الأخيرة باتجاه فتح أسواقها الاقتصادية والتقيد بالأنظمة والقواعد الاقتصادية السائدة والسعي إلى تنويع الموارد الاقتصادية كي يتخلص الاقتصاد من طابعه الريعي المعتمد فقط على تصدير النفط والغاز. والجيل القديم ما زال يؤمن بسيطرة الدولة على الاقتصاد ويعتبر توسّع الاستمارات الخارجية وتدفق رؤوس الأموال العالمية ضرباً من الاعتداء على سيادة الجزائر، ويدفع باتجاه معارضة سياسة مالية ليبرالية ومعولمة والاستفادة من الثروة النفطية والغازية لرفض تطبيق ما يفرض على معظم بلدان العالم من إجراءات ويعتبر ان كل المضاعفات تهون أمام مبدأ المحافظة على السيادة الوطنية في بلد المليون شهيد.

القراءة الثالثة: توجد في الجزائر فجوة كبرى بين النصوص القانونية وما يطبق على أرض الواقع، وستظهر أشكال توفيقية تسمح بتواصل نشاطات المؤسسات المعنية مع شكل من التقيد الصوري بالقانون الجديد. ولئن أحدث صدور القانون الكثير من الجدل في الصحافة العالمية، فإن المعنيين بالأمر العالمين بخفايا الأمور يدركون أن للجزائر خصوصياتها ويعلمون أن كلّ المصاعب تحلّ بالطرق المحلية.

القراءة الرابعة: انتفعت الجزائر في السنتين الأخيرتين من ارتفاع أسعار النفط، وتمكنت بذلك من فتح أسواقها أمام التوريد من دون مراقب، خصوصاً أن الإنتاج الداخلي ضعيف في هذا البلد، لكن هبوط أسعار النفط يجعل عسيراً عليها اليوم مواصلة نفس النهج، وبما أنّ الجزء الأكبر من التوريد مرتبط بالمؤسسات ذات رؤوس الأموال الأجنبية، فإن الغاية من القانون الجديد التضييق على هذه المؤسسات للحدّ من حركة الاستيراد كي تواجه السلطات الجزائرية تراجع أرباحها من النفط وتتفادى تعميق ديونها واختلال ميزانها التجاري، فما يبدو قراراً متسرعاً هو في النهاية قرار يخضع لمنطق اقتصادي سليم.

القراءة الخامسة: يدرك المخططون الجزائريون أنّ أوروبا أصبحت قلقة من طموحات روسيا ورغبتها في توظيف الطاقة سلاحاً سياسياً، وبما أن الجزائر شريك تقليدي لأوروبا وتقع على مقربة منها، فإن الطلب على نفطها وغازها سيتزايد ويجعلها في موقع قوة، وستضطر المؤسسات الأجنبية العاملة على أرضها، وهي مؤسسات أوروبية أساساً، للتكيف مع قراراتها، فهي تستفيد من الجزائر أكثر من استفادة الجزائر منها. فالقانون الجزائري الجديد يضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد، فهو يضطر المؤسسات العاملة في مجال الطاقة للخضوع إلى رغبة البلد ومصالحه، ويحدّ من توافد المؤسسات العاملة في القطاعات الكمالية التي تستنزف مدخرات الجزائر من العملة الأجنبية، ويعيد إلى الأذهان صورة الجزائر القوية القادرة على اتخاذ إجراءات لا يمكن بلداً آخر من العالم النامي أن يقدم عليها.

قد تكون إحدى هذه القراءات هي الأرجح، وقد تكون الحقيقة في تفسير ما حدث خليطاً بين أكثر من قراءة من هذه القراءات. أعترف بأنني لست قادراً على الحسم.

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق