في التاريخ المجهري : حادثة خصومة الطاهر الحداد مع شيخ الإسلام سنة 1919 مثالا (2 /3)

لم تنطلق مصادمات الطاهر الحداد ( 1899- 1935) مع رموز المحافظة والتحجّر سنة 1930 تاريخ إصداره لكتاب ’’ امرأتنا في الشريعة و المجتمع’’ بل بدأت منذ شبابه الأوّل عندما كان طالبا زيتونيا يافعا فقد تزعّم سنة 1919 حركة احتجاج سلميّ ضد مشيخة جامع الزيتونة وآلت هذه الهبّة الاحتجاجية العابرة إلى خلاف بل خصومة حادّة بين الطاهر الحداد وشيخ الإسلام ناظر جامع الزيتونة ونحاول أن نسلّط على هذا الحدث منهج التحليل التاريخيّ المجهريّ بعد أن عرضنا سابقا آليات التحليل الميكروستوري الذي شاع عند المؤرخين الايطاليين المجدّدين وانتشر عبر المدارس التأريخية في العالم.

الحادثة:’’ في المواجهة بين المسافر ورئيس المحطة’’

التلميذ للقانون أم القانون للتلميذ ؟

هي خصومة بين الطالب الزيتوني الطاهر الحداد وشيخ الإسلام بتونس حميدة بيرم وقد جدّت سنة 1919 وهي حادثة مشهورة اجترّتها الذاكرة في سياق التشهير بالحداد أو في سياق التنديد بخصومه.

وكانت الحادثة محل تأويلات مختلفة ومتناقضة بين من يرى فيها مؤشّرا على تواضع المستوى التعليميّ للحداد وبالتالي عدم أهليته لابتكار فكر خلاّق ومجدّد وبين من يرى فيها شرارة انطلاق روح التمرّد والعقل الناقد المستنير للطاهر الحداد منذ شبابه وبقطع النظر عن هذا التأويل أو ذاك فإننا نورد تفاصيل حادثة الخصومة والتي حصل حولها إجماع وقد ضمّنها الشيخ أحمد الدرعي كتابه : دفاعا عن الحداد ، منشورات مؤسسات عبد الكريم بن عبدالله ،تونس 1976 ، تقديم وتحقيق محمد أنور بوسنينة ، ص 42-43:

’’ والواقع انه ( أي الطاهر الحداد) شارك ورسب في امتحان التطويع عام 1919، ولذلك قصة طريفة تكشف عما كان يجري في جامع الزيتونة، نثبتها هنا لما فيها من بيان ذهنية الشيوخ.

من المعلوم أنّ النظارة العلميّة كانت ترجع عندئذ لاختصاص الوزير الأكبر وينصّ الفصل 8 من تراتيب الجامع العظيم (أمر 16 سبتمبر 1912) على أنّ التلميذ يتهيّأ للدخول إلى امتحان التطويع بإتيانه علم آخر المرتبة المتوسطة، وحدث أنّ الشيخ عبد العزيز جعيط الذي كان يقرئ درسا في ’’ شرح الدردير على خليل’’ من الدروس المقررة للسنة المذكورة، لم يختم الكتاب، ولم يشأ الشهادة لتلاميذه بغير ما أنجز من العمل، فشهد لهم بدفاترهم بحصول الإقراء إلى التدبير في رجب 1337 ولم يكن ذلك كل ما تعهّد به، فكان موقف شيخ الإسلام والنظارة تطبيق الفصل 8 وأن لا يباح الدخول للامتحان، إلا لمن أتوا على كامل الكتب المقررة للمرتبة المتوسطة. والأكيد أنّ التلامذة العديدين الذين قرؤوا على الشيخ جعيط، وهم أكثر التلامذة عددا بين المتقدمين للامتحان، لا يرضيهم ضياع سنة من أعمارهم لإكمال بعض أبواب من شرح الدردير، فاجتمعوا وتوجهوا لشيخ الإسلام في داره يريدون إقناعه بالإذن لهم بالمشاركة في الامتحان، وتقدّم للكلام عنهم الطاهر الحدّاد، وبعد أن بسط ما أتوا لأجله أجاب شيخ الإسلام :

–إذا حان وقت سفر القطار أقلع وما على المتخلفين إلا انتظار القطار الموالي .

فأجابه الحداد: إذا حضر المسافرون قبل إقلاع القطار، فان للشركة أن تلحق به عرَبَة أخرى لتقلّ بقية المسافرين.
وواضح أنّ الشيخ في جوابه هذا يصرّ على اعتبار الفرصة فاتت على تلامذة الشيخ جعيط، وما عليهم إلا انتظار السنة الموالية اعتمادا على نصّ القانون، ولكن جواب الحداد فيه هو الآخر إصرار على إمكان إنقاذهم من الخسارة الفادحة، فعمد الشيخ إلى تغيير مجرى الحديث بالتهجم على الحداد شخصيا في معرفته فقال :

–إنّك شيخ تريد اجتياز امتحان التطويع ثمّ انّك تقول عربة ( بفتح الراء) والصواب عرْبة (بسكونها) وانّ جمعه عرَبات (بفتح الراء) وهو جمع فَعْلَة بسكونها، فأجاب الحداد :

–بالجمع فَعْلة على فعَلات كما يجمع فَعَلة على فَعلات فيقال حسْرة وحسْرات وسجْدة وسجْدات ويقال شجْرة وشجْرات ونسْمة ونسْمات وعرْفة وعرفات .

فأفحم الشيخ على مرأى ومسمع من التلاميذ، فضحكوا وغضب لها الشيخ وانتهى الأمر بغضبهم، وذهب التلاميذ إلى الوزير الجلولي فقبل منهم القول، ووجد سابقة في عمل كلية باريس أثناء الحرب في قبولها في الامتحان تلامذة لم تتوفر فيهم شروط الحضور بالكلية للضرورة الحربية، وأذن بقبولهم للمشاركة في الامتحان، وشاركوا وشارك معهم الحداد، ورسب وكان رسوبه ناتجا عن غضبة الشيخ…

ولمّا وصل التلامذة إلى شيخ الإسلام وهو رأس النظارة العلمية، كان موقفه أنّ التلامذة جعلوا للتراتيب ولم تجعل التراتيب لهم، فعليهم أن يضيّعوا سنة ليدرسوا أحكام العتق، ولا يمكن اختصار الطريق أمامهم لأنّ الفصل 8 نصّ على وجوب انتظارهم سنة وجعل الشيخ نفسه رئيس محطة بشركة السكك الحديدية أذن بصفارته بسير القطار فلا يمكن تعطيله، كما لو أذن الله بزوبعة فلا مردّ لحكمه، وإذ افهمه الحداد أن رئيس المحطة له سلطة تسمح بأن ينظر إلى مصالح الركاب، فقد كان الشيخ لا يريد أن ينظر إلى أكثر من صفارته وتوهّم أنّه يقلب هذا التلميذ بالهجوم عليه وتحقيره أمام أنداده، ويعجّزه في امتحان يضعه له ارتجالا، ولكنّ الحداد أربكه بجوابه فتخلص منها بغضبه ولم يجد التلامذة ملجأ بعد ذلك إلا في الوزارة، ووجده الشيخ فرصة لـ”تغطيس الحداد’’.

تلك تفاصيل الحادثة والتي لا خلاف حول تفاصيلها وحيثياتها بين مناصري الحداد وخصومه وكان مكمن الخلاف دوما في تأويل أبعاد الخصومة ودلالاتها.

{{في دلالات الحادثة : خصومة الحداد مع شيخ الإسلام من المجهريّ إلى المكبّر}}

يزخر تاريخ المؤسسات التعليمية التقليدية (الأزهر والزيتونة والقرويين) بمثل هذه المصادمات بين جمهور الطلاب وبين المتنفّذين من أصحاب القرار وأهل النظارة الإدارية والعلمية وخصومة سنة 1919 بين الطاهر الحداد وشيخ الإسلام هي مجرّد حدث دوريّ تكرّر عدّة مرات غير أنّ هذه الحادثة استقطبت الاهتمام بعد عقدين وأكثر وتحديدا إثر رسوخ شهرة الحداد ورواج أفكاره الإصلاحية والتحررية المناصرة للمرأة فتمّت العودة إلى الحادثة واستغلّها المناصرون للمدح والمناوئون للقدح.

انطلقت الحادثة بتصورات متناقضة لفهم التراتيب والضوابط القانونية فقد اعتبر شيخ الإسلام بأن طلبة الزيتونة في خدمة القانون وحمّل التلاميذ خطأ أستاذهم وفي المقابل نظر الحداد للمسألة بصفة معكوسة ومعقولة واعتبر أنّ القانون في خدمة الطالب وأنّ المدرّس ( بالفتح ) لا ذنب له في تحمّل أخطاء المدرّس ( بالكسر).

ارتبط منشأ التعارض باختلاف ذهنيتين واحدة متبحرة في المحافظة والأخرى متشبثة بالاجتهاد فإذا ما أردنا التركيب والتكثيف لا بدّ من الإقرار بأن تاريخ المؤسسة الزيتونية بوصفها من كبريات الجامعات الإسلامية التقليدية، عرف تعارضا بين تيارين اثنين اخترقا الوسط الطالبي والأستاذي والإداري وفعَلا فيه وهما تيار المحافظة والاستكانة من ناحية، وهو تيار أغلبي متنفّذ ومدعوم وبين تيار الاستنارة والتجديد وهو تيار أقلّي ومستهدف.

لم يكن شيخ الإسلام يؤمن بالاحتجاج ولا بالمحاججة وكان يعتقد بأن قراراته جازمة ونافذة فاستنجد بذكائه لتفريغ الاحتجاج من محتواه وقام بتحويل وجهة التعارض من الجدل حول روح القانون إلى الجدل حول روح اللغة ومع ذلك فقد جلب لنفسه إحراجا ’’علميا’’ من تلميذ نكرة تمكّن من إفحامه أمام الملأ فاختزن حقده واستعمل نفوذه لـ’’تغطيسه في الامتحان ’’.

لم ينتبه بعض قارئي الحدث إلى ردّة فعل شيخ الإسلام أو تجاهلوها واتخذوا من حادثة رسوب الحداد مؤشرا على محدودية مؤهلاته وعدم صلاحيته لبث فكر ثاقب مسلّمين بذلك بالنزاهة المطلقة للامتحانات وبالشفافية الكاملة للتقييم في رحاب المؤسسة الزيتونية وهو أمر يحتاج نظرا وتحقيقا مثلما تحتاج الحادثة إلى مزيد من التدقيق والتوسع.

{{مقالات ذات صلة :}}

-*عبد الواحد المكني، في التاريخ المجهري : حادثة خصومة الطاهر الحداد مع شيخ الإسلام سنة 1919 مثالا ( 1/3 )

-*الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع (منشورات رابطة العقلانيين العرب)

-*لؤي حسين، الطاهر الحداد..الفتى الطليعي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق