في التاريخ المقارن لمجال المغارب

على نقيض البحث في التاريخين القديم والوسيط لم تحظ الإشكاليات المتّصلة بالتاريخ المقارن الحديث والمعاصر المغاربي بكبير عناية، إذ ينبئ نقص التراكم المعرفيّ وتواضع الأبحاث الجامعية المنجزة في هذا المجال، عن غياب دينامية ذات مقصد بمقدورها تحويل الاشتغال على التاريخ المقارن إلى أولوية حقيقية، حتى وإن أشّر حضور عدد من هياكل البحث المتخصصة في هذا المجال ببعض المؤسّسات الجامعية خطوة على الطريق الصحيحة لتجاوز هذه الوضعية.

ويطرح موضوع التاريخ المقارن في الفترة الحديثة عدة تساؤلات تتعلق بضعف إجرائية التحقيب، وبواقعية توفّر المدوّنات المصدرية، على غرار الأرشيفات الرسمية أو الخاصة بمختلف أقطار مجال المغارب وتغطيتها لمختلف المراحل التاريخية الاعتبارية، وكذا السيطرة على نماذج المقاربة المتصلة بها من قبل مختلف الباحثين من مدّعي الانتساب إلى هذا التخصص، فضلا عن صعوبة تجاوز التقاليد الموروثة داخل مختلف المؤسسات الجامعية المنسوبة لمختلف تلك الأقطار، وتواضع الآليات المحدثة خلال السنوات القليلة الماضية لدعم هذا التوجّه (على غرار التجارب المحتشمة للّجان المختلطة التونسية المغربية).

لم تمنع مختلف هذه العوائق توفّر عدد قليل من الباحثين في التاريخ الحديث استهوتهم مغامرة الاشتغال بشكل مركّز على عدد من الإشكاليات، على غرار تناول علاقة ظاهرة الصلاح أو التزوّي بالأوضاع السياسية والاجتماعية، من خلال التعويل على مصنفات المناقب، أو تقصّي مميّزات الديمغرافية التاريخية لبلاد المغرب من خلال مساءلة المدوّنات الفقهية أو النوازلية المتصلة بالأوضاع المعاشية والصحية والوبائية.

وترصد هذه الملاحظات، التي تراهن على مناهج البحث المقارن، مجالات التشابه ومستويات التعارض أو الاختلاف ضمن التجارب المخزنية التي عاينها مجال المغارب قبيل سيطرة الاستعمار عليه. إلا أن الخوض في هذه الموضوع يحتاج عملية توطين تسمح لنا بتعريف هذه التسمية التي تم سحبها على مختلف أجهزة الدولة داخل هذا المجال، وشكّلت خصوصية فرّدته مقارنة ببقية المجالات المجاورة له شرقية كانت أم غربية.

{{
ما المـخزن؟}}

برز هذا المصطلح إلى الوجود أيام الحكم الأغلبي بإفريقية مشكلا انزياحا عن دلالته الأصلية التي تحيلنا على الخزينة، أي الصندوق الذي تجمع فيه الأموال الموجهة إلى بيت مال المسلمين بمركز الخلافة مشرقا. ولم تُسحب هذه اللفظة على الجهاز الحاكم أو الدولة إلا ساعة إفلات مجال المغارب والأندلس عن سيطرة الخلفاء المشارقة مع المرابطين ثم الموحدين، حيث أطلقت هذه التسمية على مختلف المؤسسات والدواوين التي تعيش على مداخيل تلك الخزينة.

كرس الموحّدون نهائيا هذه التسمية وسحبوها على جميع أجهزة الدولة عامدين إلى نقل العديد من فصائل البدو من العرب الوافدين على إفريقية لإقرارها على الساحل الغربي للمغرب الأقصى، وتكليف جانب من فرقها بمهمّة جمع الخراج بعد تكسير المساحات القابلة للاستغلال زراعيا.

واصلت المركزيات المنبثقة عن التجزؤ الثلاثيّ الناجم عن انهيار دولة الموحّدين عند موفّى الثلث الثاني من القرن الثالث عشر (المرينيون والزيانيون والحفصيون) تطبيق نفس هذا التوجّه، وأشّرت المؤسسة المخزنية عن أفول المنظومة الإسلامية لدولة الخلاقة واستقلال مجال المغارب سياسيا بالقطع نهائيا مع تقاليد الاحتضان تجاه المشرق الإسلامي.

اكتملت صورة المخزن المغاربي نهائيا تحت تأثير عاملين:

_ أوّلهما هجرة الكفاءات الإدارية الأندلسية التي ساهمت بلا جدال في تشعّب هياكل هذه المنشأة، ببعث وظائف لم تكن موجودة من ذي قبل، سواء داخل البلاط أو خارجه على غرار وزير البحر والعلاف (المكلف بتموين الجند) وأمين الأمناء (المالية) وكاتب الشكايات ( وزير العدل) الذين كانت لهم على أيام الوطاسيين والسعديين ثم العلويين بالمغرب الأقصى مكاتب خاصة مصطفّة بالممر الملكي المغطى أو “المشوَر” وسمتها المصادر بـ”البنيقة”. أما المحزن الحفصي فقد تضمّنت إدارته المركزية ما لا يقل عن عشر وزارات مستحدثة، نذكر من بينها المنفّذ أو كبير الدولة (المالية) والمزوار (قائد الحرس الأميري) والحاجب (الكاتب الخاص بالسلطان) وعامل العمود (المكلف بجمع مجابي القبائل) وناظر الأحباس وقائد الحاضرة. كما كان لجميع هؤلاء مقرات خاصة بهم نصبوها على مقربة من القصبة حيث المقرّ الرسمي للأمير أو السلطان الحفصي.

_ تمثل العامل الثاني الذي سمح باكتمال هذه المنشأة في تطور العلاقات التجارية مع الممالك الأوروبية وإبرام المعاهدات وإرسال السفارات والتفاوض بشأن الخلافات المترتبة على تكثف الأنشطة القرصنية في المرحلة الأخيرة من القرون الوسطى وطوال الفترة الحديثة. ولا يمكن إدراك انفتاح مؤسسة المخزن على الواجهة الساحلية دون ربطه بالتراجع الملحوظ للتجارة القوافلية، وانقسام المجال الداخلي لكل مركزية سياسية إلى حيزين جغرافيين يمتدّ كل واحد منهما أو ينحسر تماشيا مع قدرة المخزن على السيطرة على الأنساق الموازية أو المضادة له، تلك التي فشلت الدولة في السيطرة عليها فوُسمت اصطلاحا بـ”السيبة”. لذلك أضحت مهمة المخزن الأساسية تتمثل منذ ذلك الحين في الحفاظ على المجال المخضع وتنظيم عملية مراقبته، مع مجابهة جميع أشكال الممانعة والتحكم في مصيرها، من خلال تعويل السلالات الحاكمة المتداولة على السلطة خلال الفترة الوسيطة المتأخرة وطوال الفترة الحديثة على دمج الوظيفتين الردعية والضريبية، وذلك من خلال استنباط أسلوب متفرّد في الحكم راوح بين المركزة والتنقل بإقامة فسطاط يجوب الأوطان البعيدة عن المركز ومضارب التجمعات القبلية. ولا يمكن في تقديرنا تعقّل ظاهرة التجوال تلك دون ربطها بالطابع الهيكلي للأنشطة الرعوية التي سيطرت على بقية أصناف المعاش والكسب الأخرى طوال هذه المرحلة، فضلا عن الإمكانيات التي أتاحها الانفتاح على البحر للمخزن بخصوص امتلاك أدوات السيطرة العسكرية وضمان الغلبة إزاء جميع أنساق الممانعة الداخلية وأشكالها.

انقلاب الظرفية المتوسطية ومأزق الإصلاح المخزني في التجربتين العلوية المغربية والحسينية التونسية:

ساهمت وفاة الباي التونسي حمودة (1782 – 1814) المفاجئة وانقلاب الظرفية الأور-متوسطية بعد إنهاء الخلافات الترابية الناجمة عن السياسة العسكرية التوسعية “البونابرتية” على أساس وفاق مؤتمر فيانا سنة 1815، يقينا في تنامي التأثيرات السلبية للتوسع التجاري الأوروبي على حساب اقتصاديات إيالة تونس. فقد برزت منذ عشرينات القرن التاسع عشر وبالتوازي مع نضج الثورة الصناعية حالة انخرام متزايد للتوازنات الحيوية للتجارة الخارجية فتضخم حجم الواردات على حساب الموارد المتأتية من الصادرات، وتغيرت تركيبة المبادلات واستحوذت الزيوت على ثلاثة أرباع صادرات البلاد التونسية، وتدهورت قيمة العملة المحلية أي الريال بمقدار النصف مع نهاية منتصف القرن التاسع عشر، وهو ما انعكس سلبا على الأوضاع المعاشية لمختلف الفئات الاجتماعية. كما استحواذ التجار الأوروبيين على نسبة كبيرة من أرباح “المتجر” من خلال فتح باب القرض الربوي ومشاركة التجار المحليين، الشيء الذي أضرّ بأجهزة الدولة وأعوانها خصوصا بعدما أُجبرت على التخلي عن سياسة الاحتكار التي ضربتها على هذا القطاع. تمكّن المستثمرون الأوروبيون من السيطرة المالية على دواليب تصدير الزيت، وحاولت الأطراف المخزنية عرقلة هذا التسرب دون كبير فائدة، فتدرّجت عندها إلى تعميم استعمال “السلم” كشكل من أشكال الأداء المقنع متجاوزة اعتماد تقليد الشراء المسبق من المنتجين المحليين إلى الإسراف – مع تزايد المصاريف وتراكم المديونية – في البيع المسبق للتجار الأوروبيين. فانساق البايات إلى التداين الربوي متخفّين أوّل الأمر وراء تذاكر الزيت، على أن يضطروا مع تقلب الأوضاع المناخية وعدم انتظام المردود إلى تسديد ما تخلّد بذمتهم نقدا. فتطور أسلوب التسرّب الاقتصادي الرأسمالي الأوروبي داخل البلاد عندها من مستوى المبادلات التجارية، ليتفشّى بسرعة كبيرة في الهياكل المالية للدولة، مُهيئا بذلك أرضية سانحة للحضور الاستعماري.

أما بالمغرب الأقصى فقد أثّرت تفاعلات احتلال الجزائر من قبل الفرنسيين سلبا على الواقع الداخلي المغربي، فقد دفع سقوط حكم الدايات بالجزائر سكان “بايليك تلمسان” إلى إحراج سلطان الأشراف عبد الرحمان (1822 – 1859) بنقل بيعتهم له من خلال توجيه وفد في غضون سنة 1832 طلب نجدته واحتمي بسلطانه، توقيا من احتلال الفرنسيين لأوطانهم. ولئن حصل اتفاق ضمني بين سلطان المغرب ورمز المقاومة “عبد القادر بن محيي الدين” يقضي بتقديم المساعدة مقابل التمسك بشروط البيعة وضوابطها، فإن التباس هذه الوضعية اعتبارا لانتظامها خارج الحدود الاعتبارية للمغرب الأقصى، ولجوء الأمير عبد القادر مع بداية أربعينات القرن التاسع عشر إلى المغرب، قد تسبّبا في تعقيد الواقع الأمني نتيجة لتعدد عمليات الملاحقة على الحدود الشرقية، وضرورة تلافي ما سببه خطابه الوعظي من تحريك للفصائل القبلية المتمركزة “بجبال الريف” موطن أجداده الأولين.

التجأ المخزن المغربي اعتبارا لخطورة تلك الظروف مضطرّا إلى الاستنجاد بالدبلوماسية البريطانية، بعد هزيمة عسكر السلطان ضد الجيش الفرنسي بالجزائر في واقعة “اسيلي” سنة 1844 ، تلك الهزيمة التي شُفعت بإبرام اتفاقيتي “طنجة” ( 10 / 9 / 1844 ) و”للامغنية” (18/3/1845) تحاشيا لتوغّل الفرنسيين داخل الأراضي المغربية وترسيما للحدود بين الطرفين. شكّلت إستراتجية الاختراق الجغرافي المتبعة من قبل الفرنسيين حافزا للأسبان كي يعملوا على فكّ الحصار المضروب على حامياتهم مدة عقود بـ”سبتة” و”مليلية”، فسارعوا لاقتطاع مواقع جديدة على الساحل المغربي متذرّعين بفداحة السلبيات الناجمة عن تكثيف عمليات القرصنة البحرية وإحياء حركة الجهاد ضدّ الممالك الأوروبية التي لا تملك معاهدات سلم وتجارة مع المغرب، وهي عمليات اتخذت من ميناء “تطوان” مركزا لها. ويمكن اعتبار سنة 1848 منعرجا حاسما في علاقات المغرب الأقصى مع فرنسا وأسبانيا. فقد تضمّنت بنود الاتفاقيات المصادق عليها بشأن ترسيم الحدود، عدّة جوانب سلبية، تمّت من خلالها تصفية الخلافات العالقة بطريقة تلفيقية غير حاسمة تُعطي للغالب الحقّ في مراجعة المعاهدات وتوجيهها بالطريقة التي تخدم مصلحته. فقد اقترن انسحاب الأسبان من ميناء “تطوان” بعد تدخل بريطانيا بتعهّد المخزن المغربي بدفع غرامة مالية قُدرت بـعشرين مليون ريال مغربي، وهو ما يعادل مائة مليون فرنك فرنسي/ أو مائة مليون بيزيتة إسبانية، لم يجد السلطان بدا من اقتراضها من البنوك الإنجليزية التي تحصّلت على رسوم الجمرك كضمانة لتسديد أقساط الدين. وهكذا انزلق المغرب الأقصى في دوامة “قروض الإفلاس”، وأدرك حكماء المغاربة ودعاة إصلاح أجهزة الدولة ومؤسساتها على غرار “أحمد بن خالد الناصري” مؤلف “الاستقصا”، أن حرب المغاربة مع الأسبان تدخل في باب “التخالف لا التماثل أو التضاد”، معتبرين أن الهدف من وراء تعدّد الانتهاكات الترابية وتنظيم الحملات العسكرية ضد مغرب الأشراف، هو نسف قدرة مؤسساته على المقاومة، وتحطيم آمال منتجيه في إنجاز إصلاحات تكفل السيادة وتسمح بتفادي السقوط لقمة سائغة في أفواه المتربّصين من الأعداء.

إزاء هذه الأوضاع المتردية، وتحت الضغوط المتتالية لممثلي الممالك الأوروبية، حاولت مختلف المركزيات السياسية المغاربية تجاوز ما اعتراها من سلبيات، بإدخال جملة من الإصلاحات تضمّنت -في تونس- وضع قوانين دستورية تهدف إلى الحدّ من السلطة المطلقة للبايات، وتعجّل بإدماج البلاد ضمن بوتقة ما كانت الدولة العثمانية بصدد تجريبه بمصر وطرابلس الغرب وما عمدت إدارة الاستعمار بفرنسا على إدخاله بالجزائر. وقد كان لتجربة محمد علي باشا الإصلاحية بمصر (1805 – 1849) وللمخاطر التي أحدقت بالجارين الغربي والشرقي للبلاد بعد استعمار الجزائر من طرف الفرنسيين سنة 1830 وإلحاق طرابلس بالإدارة المباشرة العثمانية سنة 1835، دور كبير في إقناع المشير أحمد باي (1837 -1855) ومن خلَفه من البايات، بضرورة إدخال جملة من الإصلاحات العسكرية والاجتماعية والدستورية درءا لخطر إنهاء حكم السلالة الحسينية وابتلاع البلاد من قبل القوى الأوروبية المتنافسة المتربّصة بمصيرها.

شملت إصلاحات أحمد باي الميدان العسكري بالأساس، فقد باشر الباي مع حلول سنة 1843 تنظيم الجيش التونسي متأثّرا بتجربة محمد علي باشا بمصر، ومتأسّيا بطريقة تنظيم الجيش الفرنسي. أوفدت فرنسا خبراءها من الضباط بطلب من حكّام تونس بغرض تنظيم الجيش وتصنيف رتبه وتنظيم فيالقه وتخصّصاته وتحديد أزيائه. كما عمد الباي أحمد إلى إحداث بحرية حربية اقتنى لتجهيزها ست سفن من الترسخانات الحربية الفرنسية والإيطالية. أحدث أحمد باي لتطوير خبرات الجيش وتنمية المحصّلة العلمية لضباطه منذ سنة 1840 المدرسة الحربية أو “مكتب الحرب بباردو”، وهي مؤسسة تعليمية تولى التدريس بها أساتذة متنورون من التونسيين والأجانب، وشملت دروسها ما لا يقل عن خمسين متعلم تلقوا علوم الهندسة والجبر والحساب، فضلا عن الجغرافيا والتاريخ وحذق الألسن الأجنبية كالإيطالية والفرنسية. وسّع التكوين الذي قدّمته هذه المدرسة دائرة المدافعين على الفكر الإصلاحي على غرار الجنرالين “رستم” و”حسين” أول رئيس لمجلس بلدية تونس وأول مدير لمطبعتها وصحيفتها الرسمية، وأول من شغل خطة وزير للمعارف ضمن حكومة المصلح خير الدين بالبلاد التونسية. وبلغت مختلف هذه الإصلاحات الاجتماعية ذروتها مع قرار إلغاء الرقّ في بداية شهر جانفي من سنة 1846، وهو قرار جريء استفادت منه الأقلية السوداء وتدرّج الباي في اتخاذه، ترفّقا بالذهنيات السائدة وتفاديا لمراجعة واحتساب علماء الدين.

لا مراء في أن جملة هذه الإصلاحات، وإن تمّ التخلي على عدد كبير منها بعد وفاة أحمد باي ودخول البلاد في دوامة التداين والإفلاس، قد مثّلت أرضية مهدت لإدخال جملة من الإصلاحات الدستورية أيام آخر بايات ما قبل الحماية في أواخر خمسينات وأوائل ستينات القرن التاسع عشر. كما واكبت هذه الإصلاحات الدستورية مجموعة من المنجزات التعصيرية كإحداث أول خط للتلغراف ربط بين تونس والجزائر في شهر ديسمبر 1859، وتعبيد أول طريق ربطت بين مدينة تونس وضاحية باردو مقر بلاط العائلة الحسينية، وترميم حنايا زغوان المخصّصة لجلب الماء، وصدور “جريدة الرائد” أول صحيفة تونسية في غضون السنة الموالية.

أما بالمغرب الأقصى فإنّ المتمعن في سيرة السلطان الحسن ( 1873- 1894 ) الذي خلف والده محمد الرابع، لا يمكنه تجاهل الطبيعة الحاسمة هنا أيضا للضغوط الخارجية على توجيه مبادراته السياسية. فقد آلى هذا السلطان على نفسه أن لا ينـزل من على صهوة فرسه طيلة العشرين سنة التي شغلتها فترة حكمه. وقادته “حرْكاته” ضد التجمعات الممانعة ودسائس القوى الأجنبية المتكالبة، على اقتطاع ما لم تطله السلطة الفعلية للمخزن المغربي بشكل ملموس وصراعاتها المريرة حول مجال لم يَـجُلْهُ غير المغامرين من المستكشفين، ولم يعاين سوى ولاء فاتر غير ذي دلالة لحكم السلاطين العلويين، إلى الأطلس الأوسط والمغرب الشرقي وواحات سوس وتافيلالت وتوات فضلا عن جبال غمارة وإقليم الحوز عند ظهير مراكش.

ساهمت جميع هذه “الحرْكات” في إعادة هيبة المخزن إلى أذهان الرعايا، غير أن تعقّد الأوضاع على حدود السلطنة العلوية في كل الاتجاهات، وتعدّد الأطراف الطامحة في اقتسام المجال المغربي (الفرنسيون في الجنوب الشرقي والأسبان بالشمال المتوسطي وبوادي الذهب، والانجليز بطنجة وبمواني المحيط الأطلسي، فضلا عن المطامع التجارية والترابية للممالك الأوروبية الأخرى)، قد تضافرت جميعها على إجهاض هذه الصحوة المخزنية دافعة باتجاه سحب المبادرة من أيادي أعوان الإدارة المخزنية ومراهنة على تدويل المسألة المغربية.

لئن لم تكن السياسة المنتهجة من قبل السلطان الحسن غريبة عن توجهات كبار سلاطين المخازن المغربية المتعاقبة منذ العهد المرابطي، فإن اصطدام هذا التقليد بالنسق السريع الذي عاينه تطور الواقعين الداخلي المغربي، حيث تحوّلت هواجس الإصلاح إلى ضرورة ماسة والخارجي الدولي الذي شدّد على رفع سقف مطالبه وتوسيع امتيازاته، هو الذي وضع تجربة السلطان الحسن على محكّ جديد لم يعد يجدي معه الاكتفاء بسياسة ترهيب الرعايا بعد أن شملت عددا كبيرا من منتجيهم مظلة الحماية القنصلية أو اللعب على تناقضات الواقع السياسي الخارجي، بعد أن وجدت القوى المتنافسة في الاتفاقات السرية المعقودة بينها أفضل الصيغ المتاحة للتفاوض الثنائي في انتظار نضج الظروف المواتية لإبرام اتفاقات علنية تجسّم وفاق الأقوياء.

ومع ذلك تبدو حصيلة السياسة المتبعة من قبل السلطان الحسن إيجابية اعتبارا للدلالات البليغة التي تضمنتها بخصوص وعيه بخطورة الأوضاع الدقيقة التي كان المغرب عرضة لها. فقد افتتح السلطان الحسن عملياته العسكرية بشنّ حملة واسعة على الأطلسين الأوسط والكبير مواجها التجمعات القريبة من شبكات الاحتجاج الطائفي الصوفي “للدرقاويين” و”التيجانيين” و”الكتانيين”. ثم دفع السلطان عساكره باتجاه الجبهة المغربية الشرقية المتاخمة للفرنسيين بالجزائر ونازل عند حدود مديني وجدة وتازة الفصائل العربية المنسبة إلى الهلاليين من بني مالك، كما هاجم بني يزناسن ووفد عليه بمدينة وجدة الجنرال الفرنسي أُصمان Osman ليُعْرب له عن امتنان القوات الفرنسية بالجزائر على خضد شوكة الممانعة القبلية. كما توجه جند السلطان إلى حوز مراكش ومنه إلى جبال غمارة وواحات تافيللت وسوس قصد إرغام الرعايا على احترام مواعيد الأداء الضريبي والمساهمة في الخدمة العسكرية. ويدخل تفقّده للسواحل الجنوبية الأطلسية عند واحات سوس ومنطقة اكلميم والساقية الحمراء وطرفاية أيضا ضمن إعادة بسط سلطة المخزن العلوي على كامل المجال الخاضع لسيطرته، وإقصاء القوى الأجنبية المتخفّية وراء الشركات التجارية والجمعيات العلمية الاستكشافية الأسبانية والإنجليزية عن المواقع الترابية التي أنشأتها ولم تفتأ عن توسيعها بشكل منتظم. لذلك جاءت تعليمات السلطان مشدّدة على المسارعة بتشييد عدد من القصبات وتكثيف التمثيل الإداري بتلك المجالات البعيدة، في ظرف كانت فيه إسبانيا بصدد توسيع نفوذها العسكري بالصحراء الغربية بين رأس بوجدور والداخلة، بينما تمكّنت منافستها فرنسا منذ سنة 1890 عقب اتفاقها مع بريطانيا من التمركز بـشنقيط وتندوف، مستعملة واحات توات كمركز أمامي في عمليات الاستكشاف والتوغل داخل الحدود الجنوبية الشرقية المغربية قصد السيطرة على المعابر البرية المؤدية إلى المراكز التجارية السودانية.

زاد تيقظ السياسة المخزنية في اقتناع الأطراف الأجنبية المتنافسة اقتصاديا بضرورة الضغط على المخزن المغربي، في اتجاه إرغامه على التسريع في وتيرة التحديث لذلك دعت بريطانيا إلى عقد مؤتمر بمدريد سنة 1880 حضرته جميع الأطراف الحاصلة على امتيازات تجارية وقنصلية بالمغرب الأقصى للبتّ في مسألة الحماية القنصلية، مما يبرهن على محورية تنسيق التحرك الأوروبي المشترك قصد الضغط بفاعلية على “المخزن الحسني”، وفرض تنازلات غير مسبوقة عليه على غرار فتح باب الملكيّة العقارية لغير المغاربة، وتحديد معين الضريبة الموظفة على المواشي من قبل نواب الدول الأجنبية، والتسوية في الأفضلية التجارية والدبلوماسية بين جميع الدول الممضية على نص المعاهدة.

تقتضي دواعي الإنصاف عدم تحميل “المخزن الحسني” جميع تبعات هذا المنـزلق المفروض من قبل أكثر من عشر دول أو ممالك عتيدة تزعمتها بريطانيا وفرنسا وأسبانيا. كما أنه لم يكن بوسع ذلك المخزن على علاّته الهيكلية أن يوفّق في رتق الخرق على جميع الجبهات، الداخلية منها أو الحدودية أو الدولية، حتى وإن كنّا لا نجادل في توصله إلى تلافي الاعتباط الضريبي وإصلاح الهياكل المالية وتوضيح مدى مشروعية التسهيلات المتصلة بـ”المخالطة والمتجر” مع القوى الأجنبية، بعد أن خطا خطوات هامة على درب إعادة هيكلة الجيش، بتعميم التجنيد الإجباري وتطوير الخبرات العسكرية ودعم التكوين باستجلاب الخبراء الأجانب وتوجيه بعثات لدراسة الهندسة العسكرية وفنون القتال الحديثة وتهيئة الظروف لتصنيع الأسلحة وصيانة المواني والترسخانات المغربية.

والبيّن بعد جميع ما ذكرناه أن هذا المجهود الإصلاحي، على الحركية التي أدخلها على سير دواليب المؤسسة المخزنية بالنسبة إلى كلا التجربتين، قد بقي وفيا لمبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية في ظرف نازعت خلاله تلك الأحكام تحديدا -في تحدّ غير مسبوق- مفاهيم محدثة شرّعت تراكمات النهضة الأوروبية كونيّتها، بينما لم تتوصل حركة النهضة العربية الإسلامية، التي طغت عليها التوجهات السلفية التوفيقية، إلى الدفع باتجاه إعادة امتلاك تلك المفاهيم الجديدة معمّقة التباس مدلولها وضعف الاقتناع بجدوى المؤسسات والهياكل العملية المنبثقة عنها، هذا إذا لم تدفع باتجاه تأليب الرعايا ضدها.

{{ هل المحزن “دولة سلطانية”؟}}

انطلاقا من أواسط القرن الثامن عشر وبعد مرور ثلاثة قرون على اكتشاف أمريكا ووصول الأوروبيين إلى السواحل الصينية، وتمكنهم من تطويق العالم الإسلامي الذي تراجعت إمبراطورياته الكبرى (العثمانية والصفوية والمغولية) تحققت أوروبا الغربية من انفرادها بالنفوذ والقوة وبدأت التفكير عندها بأمرين مترابطين:

ما أسباب تفوق أوروبا؟ وهل يستقيم الجزم بعدم قابلية ما وسمه الاستشراق بـ”الدولة السلطانية” مع مبادئ الاقتصاد الرأسمالي؟

اعتبر مونتسكيو Montesquieu أن سرّ تقدم الغرب يكمن في اعتداله السياسي رابطا تأخر الشرق بتفشي الاستبداد. في حين بيّن ماكس فيبر Max Weber أن تقدم الحضارة الغربية يكمن في اجتماع وتلازم مجموعة من الشروط لم تعاين الحضارات الشرقية حضورها، هي العقل اليوناني والقانون الروماني والفيودالية الجرمانية والأخلاق المسيحية والتقشف البروتستاني واستقلال المدينة والاهتمام بالعلوم وتطوير التقنيات. تمثلت المشكلة مع ما قدمته هذه الفرضية في معاينة حضارة العرب المسلمين، مع انتسابها إلى المجال الشرقيّ، عددا من الشروط المشار إليها على غرار الاستناد إلى العقل وسن القوانين والاهتمام بالعلم والدعوة إلى التقشف. فما الذي حال إذن دون تلاؤم الرأسمالية مع وسط إسلاميّ، إذا ما اعتبرنا أن موانع العقيدة وولوغ ما وسم بـ”الدولة السلطانية” في الاستبداد لا يفسّران وحدهما وضعية التراجع الحضاري الذي عاينه المجال الإسلامي طوال الفترة الحديثة؟ يتمثل المانع وفقا لما صاغه أصحاب هذا المقترب في فشل المدن الإسلامية، وهي مختبر الانسلاخ من عالم البداوة والتحول إلى الاستقرار ثم التحضر، في الإفلات وعلى غرار قريناتها الأوروبية الغربية من قبضة السلطان بالتعويل على ثنائية السلطتين البعيدتين البابوية والإمبراطورية إزاء سلطة الملكية القريبة، تلك الطريق التي بقيت سالكة غربا والتي ظلت على عكس ذلك موصدة على الدوام داخل المجالات الإسلامية. فقد شغل “المستبدّ الشرقي” موقع الأمير والتاجر والحاكم والحكَم والمتهم والقاضي في آن. فالمانع لا يتصل ضرورة بالاستبداد أو التعسف والجور لأن ذلك قد شكل السمة الغالبة على جميع الأنظمة دون استثناء، بل في عدم تخصّص السلطة واكتفائها بأداء وظيفتها السياسية مع ترك بقية الوظائف الأخرى كالمعاملات والقضاء لمؤسسات متخصّصة وفقا لشروط مضبوطة وقوانين واضحة تَكفُل ترتيب كيفية الفصل وتقاسم الأدوار بين السلط.

ويمكن اختزال النتائج السلبية المترتبة على هذا الوضع في:

_ عدم استقلالية المبادلات التجارية نظرا لسياسة الاحتكار ووضع اليد التي غالبا ما اتسمت بالاعتباط ولم تخضع لقواعد ثابتة. لذلك ارتبط مستقبل الحواضر بالدولة، فهي تنشأ وتزدهر مع تأسيسها وتتراجع وتضمحل بسقوطها. وليس من المنطقي أن نتذرع في هذا الصدد بوفرة المتن النوازلي المتصل بالمعاملات، لأن الأصول لا أهمية لها مقارنة بالقدرة على تنفيذ الأحكام وتطبيقها وضمان اتساقها وانتشارها وشموليتها واقعيا، وهو ما لا يمكن أن يستقيم إلا بوجود هيئة قضائية مستقلة.

_ لئن جمعت بين “إمارة” ماكيافيلي Machiavel وملكية مونتسكيو Montesquieu والدولة المركنتيلية Etat mercantile ودولة الاستبداد النيّر Despotisme éclairé التي دعا لها فولتير Voltaire وكذا الدولة السلطانية الإسلامية مظاهر عامة، فإن المنظومة الرأسمالية التي تمكنت من التعايش مع مختلف هذه الأنظمة لم تستطع اختراق الدولة السلطانية لاحتضانها عدد من موانع النظام الاقتصادي الرأسمالي. فالدولة السلطانية كانت على الدوام دولة ترف واستمتاع ترى في مكاسب الرعية مادة استهلاكية بالأساس، لذلك عملت جميع الفئات المالكة أو المنتجة للثروة على المحافظة على ما بيدها أكثر من التفكير في إنمائه، فلم يستقل الاقتصاد عن السياسة ولا المدينة عن الدولة ولم ينشأ فضاء ينظّم التعامل بين السكان دون الحاجة وجوبا إلى تدخل الأمير، فلم يستقل تبعا لذلك القضاء ماديا ولا معنويا متوصلا تبعا لذلك إلى مراقبة الإدارة والأجهزة الأمنية.

ومهما يكن من أمر مختلف هذه الفرضيات التي عكست بالأساس “صورة الشرق في مرآة الغرب”، فإن واقع المؤسسة المخزنية داخل مجال المغارب قد عاين منذ الفترة الوسيطة المتأخرة انسلاخا ملحوظا عن هذا النمط الذي طبع دولة الخلافة شرقا، حتى وإن أسهم التأويل الحرفي المتحجر للمنظومة الشرعية في إكساب دولة المخزن عددا من تلك السمات، على غرار تضخيم صورة الأمير وربط الملك “بجاه” السلطان الذي استفرد بالقرار وارتبط الفعل بشكل مرضي بشخصه دون غيره من الفاعلين.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق